روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞فَحَمَلَتۡهُ فَٱنتَبَذَتۡ بِهِۦ مَكَانٗا قَصِيّٗا} (22)

{ فَحَمَلَتْهُ } الفاء فصيحة أي فاطمأنت إلى قوله فدنا منها فنفخ في جيبها فدخلت النفخة في جوفها فحملته . وروى هذا عن ابن عباس . وقيل : لم يدن عليه السلام بل نفخ عن بعد فوصل الريح إليها فحملت . وقيل : إن النفخة كانت في كمها وروى ذلك عن ابن جريج . وقيل كانت في ذيلها . وقيل كانت في فمها .

واختلفوا في سنها إذ ذاك فقيل ثلاث عشرة سنة ، وعن وهب ومجاهد خمس عشرة سنة ، وقيل : أربع عشرة سنة ، وقيل : اثنتا عشرة سنة ، وقيل ؛ عشر سنين وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل ، وحكى محمد بن الهيصم رئيس الهيصمية من الكرامية إنها لم تكن حاضت بعد ، وقيل : إنها عليها السلام لم تكن تحيض أصلاً بل كانت مطهرة من الحيض . وكذا اختلفوا في مدة حملها ففي رواية عن ابن عباس أنها تسعة أشهر كما في سائر النساء وهو المروى عن الباقر رضي الله تعالى عنه لأنها لو كانت مخالفة لهن في هذه العادة لناسب ذكرها في أثناء هذه القصة الغريبة . وفي رواية أخرى عنه أنها كانت ساعة واحدة كما حملته نبذته . واستدل لذلك بالتعقيب الآتي وبأنه سبحانه قال في وصفه : { إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [ آل عمران : 59 ] فإنه ظاهر في أنه عز وجل قال له كن فيكون فلا يتصور فيه مدة الحمل . وعن عطاء . وأبي العالية . والضحاك أنها كانت سبعة أشهر ، وقيل . كانت ستة أشهر ، وقيل : حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها ، والمشهور أنها كانت ثمانية أشهر ، قيل : ولم يعش مولود وضع لثمانية غيره عليه السلام .

ونقل النيسابوري عن أهل التنجيم أن ذلك لأن الحمل يعود إلى تربية القمر فتستولى عليه البرودة والرطوبة وهو ظاهر في أن مر بي الحمل في أول الشهور منسوب إلى زحل والثاني إلى المشتري وهكذا إلى السابع وهو منسوب إلى القمر ثم ترجع النسبة إلى زحل ثم إلى المشتري : وفيها أيضاً أن جهال المنجمين يقولون إن النطفة في الشهر الأول تقبل البرودة من زحل فتجمد ، وفي الثاني تقبل القوة النامية من المشتري فتأخذ في النمو ، وفي الثالث تقبل القوة الغضبية من المريخ . وفي الرابع قوة الحياة من الشمس . وفي الخامس قوة الشهوة من الزهرة . وفي السادس قوة النطق من عطارد . وفي السابع قوة الحركة من القمر فتتم خلقة الجنين فإن ولد في ذلك الوقت عاش وإلا فإن ولد في الثامن لم يعش لقبوله قوة الموت من زحل وإن ولد في التاسع عاش لأنه قبل قوة المشتري .

ومثل تلك الكلمات خرافات وكل امرأة تعرف أن النطفة إذا مضت عليها ثلاثة أشهر تتحرك .

وقد ذكر حكماء الطبيعة أن أقل مدة الولادة ستة أشهر ومدة الحركة ثلث مدة الولادة فيكون أقلها شهرين ومن امتحن الاسقاط يعلم أن الخلقة تتم في أقل من خمسين يوماً انتهى .

وكلام المتشرعين لا يخفى عليك في هذا الباب .

وقد يعيش المولود لثمان إلا أنه قليل فليس ذلك من خواصه عليه السلام إن صح . ولم يصح عندي شيء من هذه الأقوال المضطربة المتناقضة بيد أني أميل إلى أولها والاستدلال للثاني ممال سمعت لا يخلو عن نظر .

{ فانتبذت بِهِ } أي فاعتزلت وهو في بطنها فالباء للملابسة والمصاحبة مثلها في قوله تعالى : { تَنبُتُ بالدهن } [ المؤمنون : 20 ] وقول المتنبي يصف الخيول :

فمرت غير نافرة عليهم *** تدوس بنا الجماجم والرؤسا

والجار والمجرور ظرف مستقر وقع حالاً من ضميرها المستتر أي فانتبذت ملتبسة به { مَكَاناً قَصِيّاً } بعيداً من أهلها وراء الجبل ، وأخرج عبد الله بن أمد في «زوائد الزهد » عن نوف أن جبريل عليه السلام نفخ في جيبها فحملت حتى إذا أثقلت وجعت ما يجع النساء وكانت في بيت النبوة فاستحيت وهربت حياء من قومها فأخذت نحو المشرق وخرج قومها في طلبها فجعلوا يسألون رأيتم فتاة كذا وكذا فلا يخبرهم أحد كان من أخبر الله تعالى به .

وروى الثعلبي في «العرائس » عن وهب قال : إن مريم لما حملت كان معها ابن عمر لها يسمى يوسف النجار وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون وكانا معاً يخدمان ذلك المسجد ولا يعلم أن أحداً من أهل زمانهما أشد اجتهاداً وعبادة منهما وأول من علم أمرها يوسف فتحير في ذلك لعلمه بكمال صلاحها وعفتها وأنه لم تغب عنه ساعة فقال لها : قد وقع في نفسي شيء من أمرك لم أستطع كتمانه وقد رأيت الكلام فيه أشفى لصدري فقالت قل قولاً جميلاً فقال : يا مريم اخبريني هل ينبت زرع بغير بذر وهل تنبت شجرة من غير غيث وهل يكون ولد من غير ذكر : فقالت ؟ نعم ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الشجرة من غير غيث وبالقدرة جعل الغيث حياة الشجر بعدما خلق كل واحد منهما على حدة أتقول : إن الله سبحانه لا يقدر على أن ينبت الشجرة حتى يستعين بالماء : قال ؟ لا أقول هذا ولكني أقول إن الله تعالى يقدر على ما يشاء بقول كن فيكون فقالت : ألم تعلم أن الله تعالى خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى ؟ فعند ذلك زال ما يجده وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل وضيق القلب فلما دنا نفاسها أوحى الله تعالى إليها أن اخرجي من أرض قومك لئلا يقتلوا ولدك فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له فلما بلغت تلك البلاد أدركها النفاس فكان ما قص سبحانه ، وقيل : انتبذت أقصى الدار وهو الأنسب بقصر مدة الحمل .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{۞فَحَمَلَتۡهُ فَٱنتَبَذَتۡ بِهِۦ مَكَانٗا قَصِيّٗا} (22)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

وفي هذا الكلام متروك تُرِك ذكره استغناء بدلالة ما ذكر منه عنه فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا بغلام فحَمَلَتْهُ فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانا قَصيّا... وقوله:"فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانا قَصِيّا" يقول: فاعتزلت بالذي حملته، وهو عيسى، وتنحّت به عن الناس "مكانا قَصِيا "يقول: مكانا نائيا قاصيا عن الناس...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

دل هذا على أن الولادة لم يكن على إثر الحمل، ولكن كان بين الولادة وبين الحمل وقت. لكن لا يعلم ذلك الوقت إلا بخبر عن الله.

{فانتبذت به مكانا قصيا} قال بعضهم: تباعدت به حياء من أهلها. وقال بعضهم: انفردت به مكانا قصيا متباعدا.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

لمَّا ظهر بها الحَمْلُ، وعَلِمَتْ أَنَّ الناسَ يستبعدون ذلك، ولم تَثِقْ بأحدٍ تُفْشِي إليه سِرَّها... مَضَتْ إلى مكانٍ بعيد عن الخَلْق...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ثم تمضي القصة في مشهد جديد من مشاهدها؛ فتعرض هذه العذراء الحائرة في موقف آخر أشد هولا:

(فحملته فانتبذت به مكانا قصيا. فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة؛ قالت: يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا)..

وهذه هي الهزة الثالثة..

إن السياق لا يذكر كيف حملته ولا كم حملته. هل كان حملا عاديا كما تحمل النساء وتكون النفخة قد بعثت الحياة والنشاط في البويضة فإذا هي علقة فمضغة فعظام ثم تكسى العظام باللحم ويستكمل الجنين أيامه المعهودة؟ إن هذا جائز. فبويضة المرأة تبدأ بعد التلقيح في النشاط والنمو حتى تستكمل تسعة أشهر قمرية، والنفخة تكون قد أدت دور التلقيح فسارت البويضة سيرتها الطبيعية.. كما أنه من الجائز في مثل هذه الحالة الخاصة أن لا تسير البويضة بعد النفخة سيرة عادية، فتختصر المراحل اختصارا؛ ويعقبها تكون الجنين ونموه واكتماله في فترة وجيزة.. ليس في النص ما يدل على إحدى الحالتين. فلا نجري طويلا وراء تحقيق القضية التي لا سند لنا فيها... فلنشهد مريم تنتبذ مكانا قصيا عن أهلها، في موقف أشد هولا من موقفها الذي أسلفنا.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

وعندما أحست بالحمل واعتزلت الناس وانفردت عنهم، وانتبذتهم في مكان قصي بعيد وشددت في نبذهم وعدم الانغمار في جمعهم، لأنها صارت تصاحب من نفسها من يؤنسها في وحدتها، وهو الحمل الذي تسعد به كل امرأة في هذه الدنيا، ولذا قال تعالى: {فانتبذت به}، أي انتبذت مصاحبه له {مكانا قصيا}، {مكانا} ظرف، أي في مكان {قصيا} بعيد عن الناس حتى لا يروها فيقلقوها بفضولهم، وفي الناس في كل العصور فضول، يقولون فيه ما لا يعنيهم ولا يهمهم.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

وتمت كلمة الله، ودخلت مريم في عالم جديد مبهم، لا تعرف لا طبيعته ولا مدى خطورته، بل كل ما كانت تشعر به أنها مقبلة على جو معقّد، ولكنها سلمت أمرها لله، واندمجت في التجربة، وحاولت أن تغيب فترة الحمل عن المجتمع.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

لقد كانت تعيش في حالة بين الخوف والأمل، حالة من القلق والاضطراب المشوب بالسرور، فهي تفكر أحياناً بأن هذا الحمل سيفشو أمره في النهاية، فالأفضل أن أبقى بعيدة عن أُولئك الذين يعرفونني عدّة أيّام أو أشهر، وأعيش في هذا المكان بصورة مجهولة، وماذا سيحدث في النهاية؟ فمن الذي سيقتنع بأنّ امرأة لا زوج لها تحمل دون أن تكون قد تلوثت بالرذيلة؟ فماذا سأفعل تجاه هذا الاتهام؟ والحق أنّ من المؤلم جدّاً بالنسبة لفتاة كانت لسنين طويلة نموذجاً وقدوة للطهارة والعفة والتقوى والورع، ومثالا في العبادة والعبودية لله، وكان زهاد بني إِسرائيل يفتخرون بكفالتها منذ الطفولة، وقد تربت وترعرعت في ظل نبي كبير، وقد شاع أمر سجاياها وقداستها في كل مكان، أن تحس في يوم ما أن كل هذا الرصيد المعنوي مهدد بالخطر، وستكون غرضاً ومرمى لاتهام يعتبر أسوء وأقبح اتهام، وكانت هذه هي المصيبة الثّالثة التي وقعت لها. إِلاّ أنّها من جهة أُخرى كانت تحس أنّ هذا المولود، نبي الله الموعود، تحفة سماوية نفيسة، فإِنّ الله الذي بشرني بمثل هذا الغلام، وخلقه بهذه الصورة الإِعجازية كيف سيذرني وحيدة؟ فهل من المعقول أن لا يدافع عني في مقابل مثل هذا الاتهام؟ أنا التي رأيت وجربت لطفه على الدوام، وأحسست بيد رحمته على رأسي.