{ قَالَتْ إِنّي أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ } فإنه شاهد عدل بأنه لم يخطر ببالها شائبة ميل ما إليه فضلاً عن الحالة المترتبة على أقصى مراتب الميل والشهوة ، نعم كان تمثله على ذلك الحسن الفائق والجمال الرائق لأن عادة الملك إذا تمثل أن يتمثل بصورة بشر جميل كما كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية رضي الله تعالى عنه أولاً بتلائها وسبر عفتها ولقد ظهر منها من الورع والعفاف ما لا غاية وراءه وإرادة القائل أنه وقع كذلك ليكون مظنة لما ذكر فيظهر خلافه فيكون أقوى في نزاهتها بعيد جداً عن كلامه .
وقال بعض المتأخرين : إن استعاذتها بالله تعالى تنبئ عن تهييج شهوتها وميلانها إليه ميلاً طبيعياً على ما قال تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام { وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ } [ يوسف : 33 ] فقد قيل : المراد بالصبوة فيه الميل بمقتضى الطبيعة وحكم القوة الشهوية ثم أنه لا ينافي عفتها بل يحققها لكونه طبيعياً اضطرارياً غير داخل تحت التكلف كما قيل في قوله تعالى : { وَهمَّ بِهَا } [ يوسف : 24 ] ومع هذا قد استعاذ يوسف عليه السلام بما حكى الله تعالى عنه من قوله تعالى : { قَالَ مَعَاذَ الله إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاى } [ يوسف : 23 ] فدعوى أن الاستعاذة تكذب التهييج والميل الطبيعي كذب والقول بأنه يأبى ذلك مقام بيان آثار القدرة الخارقة للعادة ليس بشيء لأن خلق الإنسان من ماء واحد آثار القدرة الخارقة للعادة أيضاً .
والأسباب في هذا المقام ليست بمرفوضة بالكلية كما يرشد إلى ذلك قصة يحيى عليه السلام . على أنه قد يدعى أن خلق شيء لا من شيء أصلاً محال فلا يكون من مراتب القدرة ومادة الجعل الإبداعي الأعيان الثابتة وهي قديمة اه ، ولا يخلو عن بحث ، وما ذكرناه في التعليل أسلم من القال والقيل فتدبر ، ونصب { بَشَرًا } [ مريم : 17 ] على الحالية المقدرة أو التميزي ، وقيل على المفعولية بتضمين تمثل معنى اتخذ ، واستشكل أمر هذا التمثل بأن جبريل عليه السلام شخص عظيم الجثة حسبما نطقت به الأخبار فمتى صار في مقدار جثة الإنسان يلزم أن لا يبقى جبريل أن تساقطت الأجزاء الزائدة على جثة الإنسان وأن تتداخل الأجزاء إن لم يذهب شيء وهو محال . وأيضاً لو جاز التمثل ارتفع الوثوق وامتنع القطع بأن هذا الشخص الذي يرى الآن هو زيد الذي رئي أمس لاحتمال التمثل ، وأيضاً لو جاز التمثل بصورة الإنسان فلم لا يجوز تمثله بصورة أخرى غير صورة الإنسان ، ومن ذلك البعوض ونحوه ، ومعلوم أن كل مذهب يجر إلى ذلك فهو باطل ، وأيضاً لو جاز ذلك ارتفع الوثوق بالخبر المتواتر كخبر مقاتلة النبي عليه الصلاة والسلام يوم بدر لجواز أن يكون المقاتل المتمثل به .
وأجيب عن الأول بأنه لا يمتنع أن يكون لجبريل عليه السلام أجزاء أصلية قليلة وأجزاء فاضلة فبالأجزاء الأصلية يكون متمكناً من التمثل بشراً هذا عند القائلين بأنه جسم ، وأما عند القائلين بأنه روحاني فلا استبعاد في أن يتدرع تارة بالهيكل العظيم وأخرى بالهيكل الصغري . وعن الثاني بأنه مشترك الإلزام بين الكل فإن من اعترف بالصانع القادر يلزمه ذلك أيضاً إذ يجوز أن يخلق سبحانه مثل زيد مثلاً ومع هذا الجواز يرتفع الوثوق ويمتنع القطع على طرز ما تقدم . وكذا من لم يعترف ، وأسند الحوادث إلى الاتصالات والتشكلات للفلكية يلزمه ذلك لجواز حدوث اتصال يقتضي حدوث مثل ذلك وحينئذ يمتنع القطع أيضاً ، ولعله لما كان مثل ذلك نادراً لم يلزم منه قدح في العلوم العادية المستندة إلى الإحساس فلا يلزم الشك في أن زيداً الذي نشاهده الآن هو الذي شاهدناه بالأمس .
وأجيب عن الثالث بأن أصل التجويز قائم في العقل وإنما عرف فساده بدلائل السمع . وهو الجواب عن الرابع كذا قال الإمام الرازي وعندي أن مسألة التمثل على القول بالجسمية مما ينبغي تفويض الأمر فيها إلى علام الغيوب ولا سبيل للعقل إلى الجزم فيها بشيء تنشرح له القلوب . وإنما ذكرته تعالى بعنوان الرحمانية تذكيراً لمن رأته بالرحمة ليرحم ضعفها وعجزها عن دفعه أو مبالغة للعياذة به تعالى واستجلاباً لآثار الرحمة الخاصة التي هي العصمة مما دهمها . وما قيل من أن ذلك تذكير لمن رأت بالجزاء لينزجر فإنه يقال يا رحمن الآخرة ليس بشيء لأنه ورد رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما { إِن كُنتَ تَقِيّاً } شرط جوابه محذوف ثقة بدلالة السياق عليه أي إن كان يرجى منك أن تتقي الله تعالى وتخشاه وتحتفل بالاستعاذة به فإني عائذة به منك كذا قدره الزمخشري .
/ وفي «الكشف » أنه أشار إلى أن وجه هذا الشرط مع أن الاستعاذة بالرحمن إن لم يكن تقيأ أولى أن أثر الاستجارة بالله تعالى أعني مكافته وأمنها منه إنما يتم ويظهر بالنسبة إلى المتقى ، وفيه دلالة على أن التقوى مما تقتضي للمستعيذ بالله تعالى حق الذمام والمحافظة وعلى عظم مكان التقوى حيث جعلت شرطاً للاستعاذة لا تتم دونها وقال : إن كان يرجى إظهاراً لمعنى أن وإنها إنما أوثرت دلالة على أن رجاء التقوى كان فضلاً عن العلم بها .
والحاصل أن التقوى لم تجعل شرط الاستعاذة بل شرط مكافته وأمنها منه وكنت عن ذلك بالاستعاذة بالله تعالى حثاً له على المكافة بألطف وجه وأبلغه وإن من تعرض للمستعيذ به فقد تعرض لعظيم سخطه انتهى .
وقدر الزجاج إن كنت تقياً فتتعظ بتعويذي ، والأولى عليه تتعظ بإسقاط الفاء لأن المضارع الواقع جواباً لا يقترن بالفاء فيحتاج إلى جعله مرفوعاً بتقدير مبتدأ ، وقدر بعضهم فاذهب عني وبعضهم فلا تتعرض بي وقيل إنها أرادت إن كنت تقياً متورعاً فإني أعوذ منك فكيف إذا لم تكن كذلك وكأنه أراد أنها استعاذت بهذا الشرط ليعلم استعاذتها بما يقابله من باب أولى ، وقال الشهاب : الظاهر أن إن على هذا القول وصلية وفي مجيئها بدون الواو كلام ، وذكر أن الجملة على هذا حالية والمقصود بها الالتجاء إلى الله تعالى من شره لا حثه على الانزجار وقيل نافية ، والجملة استئناف في موضع التعليل أي ما كنت تقياً متورعاً بحضورك عندي وانفرادك بي وهو خلاف الظاهر ، وأياً كان فالتقى وصف من التقوى ، وقول من قال : إنه اسم رجل صالح أو طالح ليس بسديد .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: فخافت مريم رسولنا، إذ تمثّل لها بشرا سويا، وظنته رجلاً يريدها على نفسها...
فقالت: إني أعوذ أيها الرجل بالرحمن منك، تقول: أستجير بالرحمن منك أن تنال مني ما حرّمه عليك إن كنت ذا تقوى له تتقي محارمه، وتجتنب معاصيه، لأن من كان لله تقيا، فإنه يجتنب ذلك. ولو وجه ذلك إلى أنها عَنَت: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تتقي الله في استجارتي واستعاذتي به منك كان وجها...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
وإنما يتعوذ بالرحمن من الفاجر والفاسق. قال الحسن: قوله: {إن كنت تقيا} مفصول من قوله: {قالت إني أعوذ بالرحمن منك} فيكون على الابتداء. كأنها قالت: إن كنت تقيا لا ينالني منك سوء، ولا يمسني شر. ويحتمل قوله تعالى: {إن كنت تقيا} أي ما كنت تقيا، أي حين دخلت علي من غير استئذان ولا استئمار ما كنت تقيا...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
"إن كنت تقيا" تخاف عقوبة الله. فإن قيل كيف تعوذت منه إن كان تقيا؟ والتقي لا يحتاج أن تتعوذ منه، وإنما يتعوذ من غير التقي!! قيل المعنى في ذلك: إن التقي للرحمن إذا تعوذ بالرحمن منه ارتدع عما يسخط الله، ففي ذلك تخويف وترهيب، كما يقول القائل: إن كنت مؤمنا، فلا تظلمني، وتكون هي غير عالمة بأنه تقي أم لا، فلما سمع جبرائيل منها هذا القول قال لها: "إنما أنا رسول ربك"...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
قالت مريمُ لجبريل -وهي لم تعرفه- إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت ممن يجب أن يُخَافَ ويُتَقَّى منه؛ أي إنْ كنتَ تَقْصِد السوءَ. ومعنى قولها {بِالرَّحْمَنِ} ولم تقل:"بالله" -أي بالذي يرحمني فيحفظني منك. ويقال يحتمل أن يكون معناه: إن كنتَ تعرف الله وتكون متقياً مخالفة أمره فإنِّي أعوذ بالله منك وأحذر عقوبته.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
أرادت إن كان يرجى منك أن تتقي الله وتخشاه وتحفل بالاستعاذة [به]، فإني عائذة به منك...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ثم أخرج القصة مخرج الاستئناف فقال دالاً على حزمها وخلوص تعبدها لله والتجائها إليه وشهودها له بحيث لا تركن إلى سواه: {قالت}. ولما كان على أنهى ما يكون من الجمال والخلال الصالحة والكمال، فكان بحيث يستبعد غاية الاستبعاد أن يتعوذ منه أكدت فقالت: {إني أعوذ بالرحمن} ربي الذي رحمته عامة لجميع عباده في الدنيا والآخرة، وله بنا خصوصية في إسباغ الرحمة وإتمام النعمة {منك} ولما تفرست فيه -بما أنار الله من بصيرتها وأصفى من سريرتها- التقوى، ألهبته وهيجته للعمل بمضمون هذه الاستعاذة بقولها: {إن كنت تقياً}.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
أي: ألتجئ به وأعتصم برحمته، أن تنالني بسوء. {إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ْ} أي: إن كنت تخاف الله، وتعمل بتقواه، فاترك التعرض لي، فجمعت بين الاعتصام بربها، وبين تخويفه وترهيبه، وأمره بلزوم التقوى، وهي في تلك الحالة الخالية، والشباب، والبعد عن الناس، وهو في ذلك الجمال الباهر، والبشرية الكاملة السوية، ولم ينطق لها بسوء، أو يتعرض لها، وإنما ذلك خوف منها، وهذا أبلغ ما يكون من العفة، والبعد عن الشر وأسبابه. وهذه العفة -خصوصا مع اجتماع الدواعي، وعدم المانع- من أفضل الأعمال. ولذلك أثنى الله عليها فقال: {وَمَرْيَمَ ابْنَة عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا ْ} {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ ْ}...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وها هي ذي تنتفض انتفاضة العذراء المذعورة يفجؤها رجل في خلوتها، فتلجأ إلى الله تستعيذ به وتستنجد وتستثير مشاعر التقوى في نفس الرجل، والخوف من الله والتحرج من رقابته في هذا المكان الخالي: (قالت: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا) فالتقي ينتفض وجدانه عند ذكر الرحمن، ويرجع عن دفعة الشهوة ونزع الشيطان..
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
للإشارة إلى كمال عصمتها إذ قالت: {إنِّي أعوذُ بالرحمن مِنكَ إن كُنتَ تقِيَّاً}، إذ لم يكن في صورته ما يكره لأمثالها، لأنها حسبت أنه بشر اختبأ لها ليراودها عن نفسها، فبادرته بالتعوذ منه قبل أن يكلمها مبادرة بالإنكار على ما توهمته من قصده الذي هو المتبادر من أمثاله في مثل تلك الحالة. وجملة {إنِّي أعوذُ بالرحمن مِنكَ} خبرية، ولذلك أكدت بحرف التأكيد. والمعنى: أنها أخبرته بأنها جعلت الله معاذاً لها منه، أي جعلت جانب الله ملجأ لها مما هَمّ به. وهذه موعظة له. وذكرها صفة (الرحمان) دون غيرها من صفات الله لأنها أرادت أن يرحمها الله بدفع من حسبته داعراً عليها. وقولها {إن كُنتَ تَقيّاً} تذكير له بالموعظة بأن عليه أن يتّقي ربّه. ومجيء هذا التذكير بصيغة الشرط المؤذن بالشك في تقواه قصد لتهييج خشيته، وكذلك اجتلاب فعل الكون الدال على كون التّقوى مستقرة فيه. وهذا أبلغ وعظٍ وتذكيرٍ وحثّ على العمل بتقواه.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
فوجئت البتول مريم – وهي في مكان قصي شرقي قد انتبذت الناس، واتخذت من دونهم حجابا – بصورة رجل من البشر يدخل عليها ولا تدري من أين جاءها، وقد سدّت الأبواب، وقام الحجاب، وفي الفزع من المفاجأة، قال الله عنها: {قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا 18}. أي ألجأ إلى الله تعالى حذرة خائفة، وذكرت الله تعالى بوصف الرحمن كأنها تستغيث من الناس برحمة الله تعالى، وأنها في هذه الساعة تلجأ إلى رحمة الرحمن الرحيم، ثم تتجه إلى الذي دنا منها مستنجدة بتقواه، فتقول: {إن كنت تقيا}، طاهرا متصونا مرجوا تخاف الله تعالى وتخشاه، فهي تلجأ إلى الرحمن، وتحثه على أن يخافه ويتقيه، ويكون امرءا يخاف عذابه ويرجو ثوابه،
فلم تظهر له إعجاباً، ولا مالت إليه بكلمة واحدة، وهذا دليل على عفتها وطهارتها واستقامتها والتزامها. وقولها: {أعوذ} أي: ألجأ وأعتصم بالله منك؛ لأنني أخاف أن تفتك بي، أو تعتدي علي وأنا ضعيفة لا حول لي ولا قوة إلا بالله، فأستعيذ به منك. والمؤمن هو الذي يحترم الاستعاذة بالله ويقدرها، فإن استعذت بالله أعاذك، وإن استجرت بالله أجارك. لأن المؤمن التقي هو الذي يخاف الله، ويحترم الاستعاذة به، وكأنها قالت: إن كنت تقياً فابتعد عني، واختارت الاستعاذة بالرحمن لما عندها من الأمل إن لم يكن تقياً مؤمناً أن يبتعد عنها رحمة بها وبضعفها، ولجأت إلى الرحمن الرحيم الذي يحميها ويحرسها منه.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
وكانت هذه أوّل هزّة عمّت كل وجود مريم. إِنّ ذكر اسم الرحمان، ووصفه برحمته العامّة من جهة، وترغيب الرجل في التقوى والامتناع عن المعصية من جهة أُخرى، كان من أجل أن يرتدع هذا الشخص المجهول إِن كانت له نيّة سيئة في ارتكاب المعصية، والأهم من ذلك كله هو الالتجاء إلى الله، فالله الذي يلتجئ إِليه الإِنسان في أحلك الظروف، ولا تقف أية قدرة أمام قدرته، هو الذي سيحل المعضلات...