{ وَهُزِّي إِلَيْك } أي إلى جهتك . والهز تحريك يميناً وشمالاً سواء كان بعنف أولا أو تحريك بجذب ودفع وهو مضمن معنى الميل فلذا عدى بإلي أو أنه مجاز عنه أو اعتبر في تعديته ذلك لأنه جزء معناه كذا قيل .
ومنع أبو حيان تعلقه بهزي وعلل ذلك بأنه قد تقرر في النحو أن الفعل لا يعدى إلى الضمير المتصل وقد رفع الضمير المتصل وليس من باب ظن ولا فقد ولا عدم وهما لمدلول واحد فلا يقال : ضربتك وزيد ضربه على معنى ضربت نفسك وضرب نفسه . والضمير المجرور عندهم كالضمير المنصوب فلا يقال : نظرت إليه وزيد نظر على معنى نظرت إلى نفسك ونظر إلى نفسه . ومن هنا جعلوا على في قوله :
هون عليك فإن الأمور *** بكف الإله مقاديرها
غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها *** وجعل الجار والمجرور هنا متعلقاً بمحذوف أي أعني إليك كما قالوا في سقيا لك ونحوه مما جيء به للتبيين . وأنت تعلم أنهم قالوا بمجيء إلى للتبيين لكن قال ابن مالك . وكذا صاحب القاموس : إنها المبينة لفاعلية مجرورها بعدما يفيد حباً أو يغضاً من فعل تعجب أو اسم تفضيل وما هنا ليس كذلك . وقال في الاتقان : حكى ابن عصفور في شرح أبيات الإيضاح عن ابن الأنباري أن إلى تستعمل اسماً فيقال : انصرفت من إليك كما يقال غدوت من عليه وخرج عليه من القرآن { أَنزَلْنَا إِلَيْكَ } وبه يندفع إشكال أبي حيان فيه انتهى .
وكان عليه أن يبين ما معناها على القول بالاسمية ، ولعلها حينئذ بمعنى عند فقد صرح بمجيئها بهذا المعنى في القاموس وأنشد :
أم لا سبيل إلى الشباب وذكره *** أشهى إلى من الرحيق السلسل
لكن لا يحلو هذا المعنى في الآية ، ومثله ما قيل إنها في ذلك اسم فعل ، ثم أن حكاية استعمالها اسماً إذا صحت تقدح في قول أبي حيان : لا يمكن أن يدعي أن إلى تكون اسماً لا جماع النحاة على حرفيتها . ولعله أراد اجماع من يعتد به منهم في نظره . والذي أميل إليه في دفع الاشكال أن الفعل مضمن معنى الميل والجار والمجرور متعلق به لا بالفعل الرافع للضمير وهو مغزى بعيد لا ينبغي أن يسارع إليه بالاعتراض على أن في القلب من عدم صحة نحو هذا التركيب للقاعدة المذكورة شيئاً لكثرة مجيء ذلك في كلامهم . ومنه قوله تعالى : { أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ } [ الأحزاب : 37 ] والبيت المار آنفاً . وقول الشاعر :
دع عنك نهبا صيح في حجراته *** ولكن حديثاً ما حديث الرواعل
وقولهم : اذهب إليك وسر عنك إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتتبع .
وتأويل جميع ما جاء لا يخلو عن تكلف فتأمل وأنصف ، ثم الفعل هنا منزل منزلة اللازم كما في قول ذي الرمة :
فإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها *** إلى الضيف يجرح في عراقيبها نصلى
فلذا عدى بالباء أي افعلي الهز { بِجِذْعِ النخلة } فالباء للآلة كما في كتبت بالقلم . وقيل هو متعد والمفعول محذوف والكلام على تقدير مضاف أي هزي الثمرة بهز جذع النخلة ولا يخفى ما فيه من التكلف وأن هز الثمرة لا يخلو من ركاكة ، وعن المبرد أن مفعوله { رُطَباً } الآتي والكلام من باب التنازع . وتعقب بأن الهز على الرطب لا يقع إلا تبعاً فجعله أصلاً وجعل الأصل تبعاً حيث أدخل عليه الباء للاستعانة غير ملائم مع ما فيه من الفصل بجواب الأمر بينه وبين مفعوله ويكون فيه أعمال الأول وهو ضعيف لاسيما في هذا المقام .
وما ذكر من التعكيس وارد على ما فيه التكلف وهو ظاهر ، وما قيل من أن الهز وان وقع بالأصالة على الجذع لكن المقصود منه الثمرة فلهذه النكتة المناسبة جعلت أصلاً لأن هز الثمرة ثمرة الهز لا يدفع الركاكة التي ذكرناها مع أن المفيد لذلك ما يذكر في جواب الأمر . وجعل بعضهم { بِجِذْعِ النخلة } في موضع الحال على تقدير جعل المفعول { رُطَباً } أو الثمرة أي كائنة أو كائناً بجذع النخلة وفيه ثمرة ما لا تسمن ولا تغنى ، وقيل الباء مزيدة للتأكيد مثلها في قوله تعالى : { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة } [ البقرة : 195 ] وقول الشاعر :
هن الحرائر لا ربات أخمرة *** سود المحاجر لا يقرأن بالسور
والوجه الصحيح الملائم لما عليه التنزيل من غرابة النظم كما في الكشف هو الأول ، وقول الفراء : إنه يقال هزه وهز به إن أراد أنهما بمعنى كما هو الظاهر لا يلتفت إليه كما نص عليه بعض من يعول عليه { تساقط } من ساقطت بمعنى أسقطت ، والضمير المؤنث للنخلة ورجوع الضمير للمضاف إليه شائع ، ومن أنكره فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً .
وجوز أبو حيان أن يكون الضمير للجذع لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه كما في قوله تعالى : { يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السيارة } [ يوسف : 10 ] في قراءة من قرأ بالتاء الفوقية ، وقول الشاعر :
كما شرقت صدر القناة من الدم ***
وتعقب بأنه خلاف الظاهر وإن صح . وقرأ مسروق . وأبو حيوة في رواية { تُسْقِطَ } بالتاء من فوق مضمومة وكسر القاف . وفي رواية أخرى عن أبي حيوة أنه قرأ كذلك إلا أنه بالياء من تحت . وقوله تعالى : { عَلَيْكِ رُطَباً } في جميع ذلك نصب على المفعولية وهو نضيج البسر واحدته بهاء وجمع شاذاً على أرطاب كربه وأرباع ، وعن أبي حيوة أيضاً أنه قرأ { تُسْقِطَ } بالتاء من فوق مفتوحة وضم القاف ، وعنه أيضاً كذلك إلا أنه بالياء من تحت فنصب { رُطَباً } على التمييز ، وروي عنه أنه رفعه في القراءة الأخيرة على الفاعلية .
وقرأ أبو السمال { تتساقط } بتاءين . وقرأ البراء بن عازب { يساقط } بالياء من تحت مضارع أساقط . وقرأ الجمهور { النخلة تساقط } بفتح التاء من فوق وشد السين بعدها ألف وفتح القاف ، والنصب على هذه الثلاثة على التمييز أيضاً .
وجوز في بعض القراآت أن يكون على الحالية الموطئة وإذا أضمر ضمير مذكر على إحدى القراآت فهو للجذع ، وإذا أضمر ضمير مؤنث فهو للنخلة أوله على ما سمعت { جَنِيّاً } أي مجنياً ففعيل بمعنى مفعول أي صالحاً للاجتناء . وفي القاموس ثم جنى جنى من ساعته . وعليه قيل المعنى رطباً يقول من يراه هو جني وهو صفة مدح فإن ما يجنى أحسن مما يسقط بالهز وما قرب عهده أحسن مما بعد عهده ، وقيل فعيل بمعنى فاعل أي رطباً طرياً ، وكان المراد على ما قيل إنه تم نضجه .
وقرأ طلحة بن سليمان { جَنِيّاً } بكسر الجيم للاتباع . ووجه التذكير ظاهر . وعن ابن السيد أنه قال في شرح أدب الكاتب . كان يجب أن يقال جنية إلا أنه أخرج بعض الكلام على التذكير وبعضه على التأنيث ، وفيه نظر . روي عن ابن عباس أنه لم يكن للنخلة إلا الجذع ولم يكن لها رأس فلما هزته إذ السعف قد طلع ثم نظرت إلى الطلع يخرج من بين السعف ثم أخضر فصار بلحاً ثم أحمر فصار زهواً ثم رطباً كل ذلك في طرفة عين فجعل الرطب يقع بين يديها وكان برنيا ، وقيل عجوة وهو المروى عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه .
والظاهر أنها لم تحمل سوى الرطب ، وقيل كان معه موز ، وروي ذلك عن أبي روق . وإنما اقتصر عليه لغاية نفعه للنفساء ، فعن الباقر رضي الله تعالى عنه لم تستشف النفساء بمثل الرطب إن الله أطعمه مريم في نفاسها وقالوا : ما للنفساء خير من الرطب ولا للمريض خير من العسل ، وقيل : المرأة إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب ، وذكر أن التمر للنفساء عادة من ذلك الوقت وكذا التحنيك وفي أمرها بالهز إشارة إلى أن السعي في تحصيل الرزق في الجملة مطلوب وهو لا ينافي التوكل وما أحسن ما قيل :
قال مالك: قال الله: {رطبا جنيا} الجني: ما طاب من غير نقش ولا إفساد، والنقش أن ينقش في أسفل البسرة حتى ترطب، فهذا مكروه...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
وقوله:"وَهُزّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النّخْلَةِ" ذكر أن الجذع كان جذعا يابسا، وأمرها أن تهزّه، وذلك في أيام الشتاء، وهزّها إياه كان تحريكه...
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وهزّي إليك بالنخلة...
وأدخلت الباء في قوله: "وَهُزّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النّخْلَةِ "كما يقال: زوجتك فلانة، وزوّجتك بفلانة وكما قال "تَنْبُتُ بِالدّهْنِ" بمعنى: تنبت الدهن. وإنما تفعل العرب ذلك، لأن الأفعال تكنى عنها بالباء، فيقال إذا كنيت عن ضربت عمرا: فعلت به، وكذلك كلّ فعل، فلذلك تدخل الباء في الأفعال وتخرِج، فيكون دخولها وخروجها بمعنى، فمعنى الكلام: وهزّي إليك جذع النخلة، وقد كان لو أن المفسرين كانوا فسروه كذلك: وهزّي إليك رطبا بجذع النخلة، بمعنى: على جذع النخلة، وجها صحيحا، ولكن لست أحفظ عن أحد أنه فسره كذلك...
واختلف القرّاء في قراءة قوله: "تُسَاقِطْ" فقرأ ذلك عامّة قرّاء المدينة والبصرة والكوفة: «تَسّاقَطُ» بالتاء من تساقط وتشديد السين، بمعنى: تتساقط عليك النخلة رطبا جنيا، ثم تُدغم إحدى التاءين في الأخرى فتشدد، وكأن الذين قرأوا ذلك كذلك وجهوا معنى الكلام إلى: وهزّي إليك بجذع النخلة تساقط النخلة عليك رطبا. وقرأ ذلك بعض قرّاء الكوفة: «تَساقَطُ» بالتاء وتخفيف السين، ووجه معنى الكلام، إلى مثل ما وجه إليه مشدّدوها، غير أنهم خالفوهم في القراءة. ورُوي عن البراء بن عازب أنه قرأ ذلك: «يُساقِط» بالياء... وكأنه وجه معنى الكلام إلي: وهزّي إليك بجذع النخلة يتساقط الجذع عليك رطبا جنيا.
ورُوي عن أبي نهيك أنه كان يقرأه: «تُسْقِطُ» بضمّ التاء وإسقاط الألف...
وكأنه وجه معنى الكلام إلي: تسقط النخلة عليك رطبا جنيا.
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن هذه القراءات الثلاث، أعني تَسّاقَطُ بالتاء وتشديد السين، وبالتاء وتخفيف السين، وبالياء وتشديد السين، قراءات متقاربات المعاني، قد قرأ بكل واحدة منهنّ قرّاء أهل معرفة بالقرآن، فبأيّ ذلك قرأ القارئ فمصيب الصواب فيه، وذلك أن الجذع إذا تساقط رطبا، وهو ثابت غير مقطوع، فقد تساقطت النخلة رطبا، وإذا تساقطت النخلة رطبا، فقد تساقطت النخلة بأجمعها، جذعها وغير جذعها، وذلك أن النخلة ما دامت قائمة على أصلها، فإنما هي جذع وجريد وسعف، فإذا قطعت صارت جذعا، فالجذع الذي أمرت مريم بهزّه لم يذكر أحد نعلمه أنه كان جذعا مقطوعا غير السديّ، وقد زعم أنه عاد بهزّها إياه نخلة، فقد صار معناه ومعنى من قال: كان المتساقط عليها رطبا نخلة واحدا، فتبين بذلك صحة ما قلنا.
وقوله: "جَنِيّا" يعني مجنيا وإنما كان أصله مفعولاً فصرف إلى فعيل والمجني: المأخوذ طريا، وكل ما أخذ من ثمرة، أو نقل من موضعه بطراوته فقد اجتني...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا} فيه دلالة لزوم الكسب لأنه أمر مريم أن تهز النخلة لتتساقط عليها الرطب، ولو شاء لسقط من غير فعل يكون منها لِتَجْتَنِيَ هي، وذلك عليها أهون وأيسر على ما كان رزقها عند ما كانت مَؤنَتُهَا على زكريا. وفيه دلالة ألا يسع للمرء المسألة ما دام به أدنى قوة يقدر على قوته... وفيه دلالة أن الآيات التي تكون للأنبياء يجوز أن يجريها على غير أيدي الأنبياء حين جعل لمريم نخلة يابسة رطبة تثمر رطبا، وحين جعل من تحتها سريا أي نهرا جاريا، وحين رزقها عندما كانت في عيال زكريا من غير تكلف أحد. فذلك يشبه آيات الأنبياء والرسل ويقارنها. وهذه المحن التي امتحن بها مريم، في الظاهر عظيمة عند الناس، وفي الباطن من أعظم كراماته إليها، لأنه أخبر أنه تعالى اصطفاها على نساء العالمين بقوله: {إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين} (آل عمرن: 42) وسماها صديقة بقوله: {وأمه صديقة} (المائدة: 75) وذلك لا يسمى إلا من بلغ من البشر في الصدق والصبر غايتهما،والله أعلم.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
ثم أمر بهز الجذع اليابس لترى آية أخرى في إحياء موات الجذع، وقالت فرقة بل كانت النخلة مطعمة {رطباً}، وقال السدي كان الجذع مقطوعاً وأجرى النهر تحتها لحينه، والظاهر من الآية أن عيسى هو المكلم لها وأن الجذع كان يابساً وعلى هذا تكون آيات تسليها وتسكن إليها. والباء في قوله {بجذع} زائدة مؤكدة قال أبو علي: كما يقال ألقى بيده أي ألقى يده...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
والتعبير بصيغة التفاعل في قراءة الجماعة وحمزة للدلالة على أن التمر يسقط منها، ومن حقه أن يكون منتفياً لأنها غير متأهلة لذلك، فهو ظاهر في أنه على وجه خارق للعادة، وقراءة الجماعة بالإدغام تشير مع ذلك إلى أنه مع شدته يكاد أن يخفي كونه منها ليبسها وعدم إقنائها، وقراءة حمزة بالفتح والتخفيف تشير إلى سهولة تساقطه وكثرته، وقراءة حفص عن عاصم بالضم وكسر القاف من فاعل، تدل على الكثرة وأنه ظاهر في كونه من فعلها.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
أي: طريا لذيذا نافعا {فَكُلِي ْ} من التمر، {وَاشْرَبِي ْ} من النهر {وَقَرِّي عَيْنًا ْ} بعيسى، فهذا طمأنينتها من جهة السلامة من ألم الولادة، وحصول المأكل والمشرب والهني.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وهذه النخلة التي تستندين إليها هزيها فتساقط عليك رطبا. فهذا طعام وذاك شراب. والطعام الحلو مناسب للنفساء. والرطب والتمر من أجود طعام النفساء.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
فائدة قوله {وَهُزِي إليْكِ بِجِذْعِ} أن يكون إثمار الجذع اليابس رُطباً ببركة تحريكها إياه، وتلك كرامة أخرى لها. ولتشاهد بعينها كيف يُثمر الجذع اليابس رطباً. وفي ذلك كرامة لها بقوّة يقينها بمرتبتها. وضمن {وَهُزي} معنى قَرّبي أو أدني، فعُدي ب (إلى)، أي حرّكي جذع النخلة وقرّبيه يَدْنُ إليك ويَلِنْ بعد اليبس ويُسقط عليك رطباً. والمعنى: أدني إلى نفسك جِذع النخلة. فكان فاعل الفعل ومتعلقه متحداً، وكلاهما ضميرُ معادٍ واحد، ولا ضير في ذلك لصحة المعنى وورود أمثاله في الاستعمال نحو {واضمم إليك جناحك} [القصص: 32]. فالضامّ والمضموم إليه واحد. والجَنيّ: فعيل بمعنى مفعول، أي مجتنى، وهو كناية عن حَدثان سقوطه، أي عن طراوته ولم يكن من الرطب المخبوء من قبل لأن الرطب متى كان أقرب عهداً بنخلته كان أطيب طعماً.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
(الواو) عاطفة، فبعد أن نهى المنادي عن الحزن أخذ يدعوها بعد الانصراف أن تأكل مستريحة مطمئنة، وأن تشرب هنيئا مريئا وتلتفت إلى حاجة الجسم الذي نهكه المخاض وتحتاج إلى تعويضه. وأرى أن الباء للدلالة على تسهيل وصول الرطب إليها، ذلك أنها تهز في مكان هو الجذع تتساقط عليها الرطب من عل، وذلك بلا ريب تيسيرا للوصول، فلا تهز من أعلى بل تهز بمكان قريب منها، وهي النفساء والتي تتعبها الحركة الكثيرة.
كما أن الحق سبحانه قادر على أن ينزل لها طعامها دون جهد منها ودون هزها، إنما أراد سبحانه أن يجمع لها بين شيئين: طلب الأسباب والاعتماد على المسبب، الأخذ بالأسباب في هز النخلة، رغم أنها متعبة قد أرهقها الحمل والولادة، وجاء بها إلى النخلة لتستند إليها وتتشبث بها في وحدتها لنعلم أن الإنسان في سعيه مطالب بالأخذ بالأسباب مهما كان ضعيفاً. لذلك أبقى لمريم اتخاذ الأسباب مع ضعفها وعدم قدرتها، ثم تعتمد على المسبب سبحانه الذي أنزل لها الرطب مستوياً ناضجاً، وهل استطاعت مريم أن تهز هذا الجذع الكبير اليابس؟ إنها مجرد إشارة تدل على امتثال الأمر، والله تعالى يتولى إنزال الطعام لها، وقوله: {تساقط عليك.. "25 "} (سورة مريم) فيه دليل على استجابة الجماد وانفعاله، وإلا فالبلحة لم تخرج عن طوع أمها، إذن: فقد ألقتها طواعية واستجابة حين تم نضجها.