{ قَالَ } أي موسى عليه السلام ، قال في «البحر » : وأبعد من قال إن القائل فرعون ولعمري أنه لا ينبغي أن يلتفت إليه ، وكأن الذي اضطر قائله الخبر السابق عن وهب بن منبه فليتذكر { مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة } هو يوم عيد كان لهم في كل عام يتزينون فيه ويزينون أسواقهم كما روي عن مجاهد . وقتادة ، وقيل : يوم النيروز وكان رأس سنتهم .
وأخرج سعيد بن منصور . وعبد بن حميد . وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه يوم عاشوراء وبذلك فسر في قوله صلى الله عليه وسلم : " من صام يوم الزينة أدرك ما فاته من صيام تلك السنة ومن تصدق يومئذٍ بصدقة أدرك ما فاته من صدقة تلك السنة " وقيل : يوم كسر الخليج ، وفي «البحر » أنه باق إلى اليوم ، وقيل : يوم سوق لهم ، وقيل : يوم السبت وكان يوم راحة ودعة فيما بينهم كما هو اليوم كذلك بين اليهود ، وظاهر صنيع أبي حيان اختيار أنه يوم عيد صادف يوم عاشوراء ، وكان يوم سبت .
والظاهر أن الموعد ههنا اسم زمان للإخبار عنه بيوم الزينة أي زمان وعدكم اليوم المشتهر فيما بينكم ، وإنما لم يصرح عليه السلام بالوعد بل صرح بزمانه مع أنه أول ما طلبه اللعين منه عليه السلام للإشارة إلى أنه عليه السلام أرغب منه فيه لما يترتب عليه من قطع الشبهة وإقامة الحجة حتى كأنه وقع منه عليه السلام قبل طلبه إياه فلا ينبغي له طلبه ، وفيه إيذان بكمال وثوقه من أمره ، ولذا خص عليه السلام من بين الأزمنة يوم الزينة الذي هو يوم مشهود وللاجتماع معدود ، ولم يذكر عليه السلام المكان الذي ذكره اللعين لأنه بناءً على المعنى الأول والثالث فيه إنما ذكره اللعين إيهاماً للتفضل عليه عليه السلام يريد بذلك إظهار الجلادة فاعرض عليه السلام عن ذكره مكتفياً بذكر الزمان المخصوص للإشارة إلى استغنائه عن ذلك وأن كل الأمكنة بعد حصول الاجتماع بالنسبة إليه سواء . وأما على المعنى الثاني فيحتمل أنه عليه السلام اكتفى عن ذلك بما يستدعيه يوم الزينة فإن من عادة الناس في الأعياد في كل وقت وكل بلد الخروج إلى الأمكنة المستوية والاجتماع في الأرض السهلة التي لا يمنع فيها شيء عن رؤية بعضهم بعضاً ، وبالجملة قد أخرج عليه الصلاة والتسليم جوابه على الأسلوب الحكيم ، ولله تعالى در الكليم ودره النظيم ، وقيل : الموعد ههنا مصدر أيضاً ويقدر مضاف لصحة الأخبار أي وعدكم وعد يوم الزينة ، ويكتفي عن ذكر المكان بدلالة يوم الزينة عليه ، وقيل : الموعد في السؤال اسم مكان وجعله مخلفاً على التوسع كما في قوله : ويوماً شهدنا أو الضمير في { لاَّ نُخْلِفُهُ } [ طه : 58 ] للوعد الذي تضمنه اسم المكان على حد { اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى } [ المائدة : 8 ] أو للموعد بمعنى الوعد على طريق الاستخدام ، والجملة في الاحتمالين معترضة .
ولا يجوز أن تكون صفة إذ لا بد في جملة الصفة من ضمير يعود على الموصوف بعينه ، والقول بحذفه ليس بشيء { ومكاناً } على ما قال أبو علي مفعول ثان لِ { أجعل } [ طه : 58 ] ، وقيل : بدل أو عطف بيان ، والموعد في الجواب اسم زمان ومطابقة الجواب من حيث المعنى فإن يوم الزينة يدل على مكان مشتهر باجتماع الناس يومئذٍ فيه أو هو اسم مكان أيضاً ومعناه مكان وقوع الموعود به لا مكان لفظ الوعد كما توهم ويقدر مضاف لصحة الإخبار أي مكان يوم الزينة والمطابقة ظاهرة ، وقيل : الموعد في الأول مصدر إلا أنه حذف منه المضاف أعني مكان وأقيم هو مقامه ويجعل { مَكَاناً } [ طه : 58 ] تابعاً للمقدر أو مفعولاً ثانياً ؛ وفي الثاني إما اسم زمان ومعناه زمان وقوع الموعود به لا لفظ الوعد كما يرشد إليه قوله :
قالوا الفراق فقلت موعده غد *** والمطابقة معنوية وإما اسم مكان ، ويقدر مضاف في الخبر والمطابقة ظاهرة كما سمعت ، وإما مصدر أيضاً ويقدر مضافان أحدهما في جانب المبتدأ والآخر في جانب الخبر أي مكان وعدكم مكان يوم الزينة وأمر المطابقة لا يخفى ، وقيل : يقدر في الأول مضافان أي مكان إنجاز وعدكم أو مضاف واحد لكن تصير الإضافة لأدنى ملابسة ، والأظهر تأويل المصدر بالمفعول وتقدير مضاف في الثاني أي موعودكم مكان يوم الزينة وهو مبني على توهم باطل أشرنا إليه ، وقيل : هو في الأول والثاني اسم زمان و { لاَّ نُخْلِفُهُ } [ طه : 58 ] من باب الحذف والإيصال والأصل لا نخلف فيه و { مَكَاناً } [ طه : 58 ] ظرف لِ { اجعل } [ طه : 58 ] وإلى هذا أشار في «الكشف » فقال : لعل الأقرب مأخذاً أن يجعل المكان مخلفاً على الاتساع والطباق من حيث المعنى أو المعنى اجعل بيننا وبينك في مكان سوى منصف زمان وعد لا نخلف فيه فالمطابقة حاصلة لفظاً ومعنى و { مَكَاناً } ظرف لغو انتهى .
واعترض بما لا يخفى رده على من أحاط خبراً بأطراف كلامنا . وأنت تعلم أن الاحتمالات في هذه الآية كثيرة جداً والأولى منها ما هو أوفق بجزالة التنزيل مع قلة الحذف والخلو عن نزع الخف قبل الوصول إلى الماء فتأمل .
وقرأ الحسن . والأعمش . وعاصم في رواية . وأبو حيوة . وابن أبي عبلة . وقتادة . والجحدري ، وهبيرة . والزعفراني { يَوْمُ الزينة } بنصب { يَوْمٍ } وهو ظاهر في أن المراد بالموعد المصدر لأن المكان والزمان لا يقعان في زمان بخلاف الحدث ، أما الأول فلأنه لا فائدة فيه لحصوله في جميع الأزمنة ؛ وأما الثاني فلأن الزمان لا يكون ظرفاً للزمان ظرفية حقيقية لأنه يلزم حلول الشيء في نفسه ، وأما مثل ضحى اليوم في اليوم فهو من ظرفية الكل لأجزائه وهي ظرفية مجازية وما نحن فيه ليس من هذا القبيل كذا قيل وفيه منع ظاهر .
وقيل : إنه يستدل بظاهر ذلك على كون الموعد أولاً مصدراً أيضاً لأن الثاني عين الأول لإعادة النكرة معرفة ، وفي «الكشف » لعل الأقرب مأخذاً على هذه القراءة أن يجعل الأول زماناً ، والثاني مصدراً أي وعدكم كائن يوم الزينة .
والجواب مطابق معنى دون تكلف إذ لا فرق بين زمان الوعد يوم كذا رفعاً وبين الوعد يوم كذا نصباً في الحاصل بل هو من الأسلوب الحكيم لاشتماله على زيادة ، وقوله تعالى : { وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى } عطف على الزينة ، وقيل : على يوم ، والأول أظهر لعدم احتياجه إلى التأويل ، وانتصب { ضُحًى } على الظرف وهو ارتفاع النهار ويؤنث ويذكر ، والضحاء بفتح الضاد ممدود مذكر ، وهو عند ارتفاع النهار الأعلى .
وجوز على القراءة بنصب { يَوْمٍ } أن يكون { مَوْعِدُكُمْ } مبتدأ بتقدير وقت مضاف إليه على أنه من باب أتيتك خفوق النجم ، والظرف متعلق به و { ضُحًى } خبره على نية التعريف فيه لأنه ضحى ذلك اليوم بعينه ولو لم يعرف لم يكن مطابقاً لمطلبهم حيث سألوه عليه السلام موعداً معيناً لا يخلف وعده ، وقيل : يجوز أن يكون الموعد زماناً و { ضُحًى } خبره و { يَوْمُ الزينة } حالاً مقدماً وحينئذٍ يستغني عن تعريف ضحى وليس بشيء ثم إن هذا التعريف بمعنى التعيين معنى لا على معنى جعل { ضُحًى } أحد المعارف الاصطلاحية كما قد يتوهم .
وقال الطيبي : قال ابن جني : يجوز أن يكون { أَن يُحْشَرُواْ } عطفاً على الموعد كأنه قيل : إنجاز موعدكم وحشر الناس ضحى في يوم الزينة . وكأنه جعل الموعد عبارة عما يتجدد في ذلك اليوم من الثواب والعقاب وغيرهما سوى الحشر ثم عطف الحشر عليه عطف الخاص على العام اه وهو كما ترى .
وقرأ ابن مسعود . والجحدري . وأبو عمران الجوني . وأبو نهيك . وعمرو بن قائد { بِرَبّ الناس } بتاء الخطاب ونصب { الناس } والمخاطب بذلك فرعون . وروي عنهم أنهم قرأوا بياء الغيبة ونصب { الناس } والضمير في { يُحْشَرُ } على هذه القراءة إما لفرعون وجيء به غائباً على سنن الكلام مع الملوك ، وإما لليوم والإسناد مجازي كما في صام نهاره ، وقال صاحب اللوامح : الفاعل محذوف للعلم به أي وأن يحشر الحاشر الناس .
وأنت تعلم أن حذف الفاعل في مثل هذا لا يجوز عند البصريين ، نعم قيل في مثله : إن الفاعل ضمير يرجع إلى اسم الفاعل المفهوم من الفعل .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: قال موسى لفرعون، حين سأله أن يجعل بينه وبينه موعدا للاجتماع: موعدكم للاجتماع "يَوْمُ الزّينَةِ "يعني يوم عيد كان لهم، أو سوق كانوا يتزيّنون فيه.
"وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ" يقول: وأن يُساق الناس من كلّ فجّ وناحية "ضُحًى" فذلك موعد ما بيني وبينك للاجتماع...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{قال موعدكم يوم الزينة} قال بعضهم: يوم عاشوراء. وقال بعضهم: يوم العيد. وقال بعضهم: يوم سوقهم. لكنا لا نعلم ذلك، وليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة؛ وهم قوم قد عرفوا ذلك حين رضوا بذلك، ولم يتنازعوا فيه.
وقوله تعالى: {وأن يحشر الناس ضحى} بينوا اليوم، وبينوا الوقت، وهو وقت الضحى {وأن يحشر الناس ضحى} وقال بعضهم: أي نهارا جهارا.
الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :
{وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} وقت الضحوة، يجتمعون نهاراً جهاراً ليكون أبلغ في الحجة وأبعد من الريبة.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
فإن قلت: فكيف طابقه قوله: {مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة} ولا بد من أن تجعله زماناً، والسؤال واقع عن المكان لاعن الزمان؟ قلت: هو مطابق معنى وإن لم يطابق لفظاً، لأنهم لا بدّ لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان بعينه، مشتهر باجتماعهم فيه في ذلك اليوم، فبذكر الزمان علم المكان...
وإنما واعدهم ذلك اليوم ليكون علوّ كلمة الله وظهور دينه وكبت الكافر، وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد وفي المجمع الغاصّ لتقوى رغبة من رغب في اتباع الحق، ويكلّ حدّ المبطلين وأشياعهم، ويكثر المحدث بذلك الأمر العلم في كل بدو وحضر، ويشيع في جميع أهل الوبر والمدر.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
والحشر الجمع ومعناه نحشر الناس لمشاهده المعارضة والتهيؤ لقبول الحق حيث كان.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كان مجتمع سرورهم الذي اعتادوه حاوياً لهذه الأغراض زماناً ومكاناً وغيرهما، اختاره عليه السلام لذلك، فاستؤنف الخبر عنه في قوله تعالى: {قال موعدكم} أي الموصوف {يوم الزينة} أي عيدكم الذي اعتدتم الاجتماع فيه في المكان الذي اعتدتموه، فآثر هنا ذكر الزمان وإن كان يتضمن المكان لما فيه من عادة الجمع كما آثر فيما تقدم المكان لوصفه بالعدل {وأن يحشر} بناه للمفعول لأن القصد الجمع، لا كونه من معين {الناس} أي إغراء ولو بكره {ضحى} ليستقبل النهار من أوله، فيكون أظهر لما يعمل وأجلى، ولا يأتي الليل إلا وقد قضي الأمر، وعرف المحق من المبطل، وأنتم أجمع ما تكونون وأفرغ...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وقبل موسى -عليه السلام- تحدي فرعون له؛ واختار الموعد يوم عيد من الأعياد الجامعة، يأخذ فيه الناس في مصر زينتهم، ويتجمعون في الميادين والأمكنة المكشوفة؛ (قال: موعدكم يوم الزينة). وطلب أن يجمع الناس ضحى، ليكون المكان مكشوفا والوقت ضاحيا. فقابل التحدي بمثله وزاد عليه اختيار الوقت في أوضح فترة من النهار وأشدها تجمعا في يوم العيد. لا في الصباح الباكر حيث لا يكون الجميع قد غادروا البيوت. ولا في الظهيرة فقد يعوقهم الحر، ولا في المساء حيث يمنعهم الظلام من التجمع أو من وضوح الرؤية..!! وانتهى المشهد الأول من مشاهد اللقاء بين الإيمان والطغيان في الميدان..
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
ومن ذلك ما حكاه كتاب الله على لسان موسى {قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى}، وموسى بهذه المقالة كان واثقا من نصر ربه، وكان ساعيا في إبراز المعجزة التي جاء بها على مرأى ومسمع أكبر عدد ممكن من الناس، ولذلك تواعد مع فرعون وسحرته على يوم عيد، حتى تهرع إليه الجماهير من كل صوب وحدب، وهو "يوم الزينة "الذي يتفرغ فيه الناس من أعمالهم، ولنفس الغاية اقترح موسى أن يكون اجتماع الناس ذلك اليوم في وقت الضحى، الذي هو أوضح فترة من فترات النهار بعد شروق الشمس، إذ لو تواعد معهم عند طلوع الفجر أو عند الظهيرة لما حضر إلا القليل، ولو تواعد معهم عند المساء لما ظهرت المعجزة على الوجه الأكمل، لغلبة الظلام واختلاط الرؤية...
معلوم أن الحدث يحتاج إلى محدث له، ويحتاج إلى مكان يقع عليه، ويحتاج إلى زمان يحدث فيه، وقد عرفنا المحدث لهذا اللقاء، وهما موسى وهارون من ناحية، وفرعون وسحرته من ناحية...
وقد حدد فرعون المكان، فقال: {مكانا سوى}: بقي الزمان لإتمام الحدث؛ لذلك حدده موسى، فقال: {مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ}؛ لأن الحدث لا يتم إلا في زمان ومكان... ويوم الزينة يوم يجتمع فيه كل سكان مصر، يظهر أنه يوم وفاء النيل، فيخرجون في زينتهم مسرورين بفيضان النيل وكثرة خيره وبركاته، ومازالت مصر تحتفل بهذا اليوم. وكان القاضي لا يقضي بأمر الخراج إلا بعد أن يطلع على مقياس النيل، فإن رآه يوفي بري البلاد حدد الخراج وإلا فلا. لكن، لماذا اختار موسى هذا اليوم بالذات؟ لماذا لم يحدد أي يوم آخر؟ ذلك، لأن موسى – عليه السلام – كان على ثقة تامة بنصر الله له، ويريد أن تكون فضيحة فرعون على هذا الملأ، ووسط هذا الجمع، فمثل هذا التجمع فرصة لا يضيعها موسى؛ لأن النفس في هذا اليوم تكون مسرورة منبسطة، فهي أقرب في السرور لقبول الحق من أي وقت آخر. وقوله: {وأن يحشر الناس ضحى} أي: ضاحين، ويوم الزينة يمكن أن يكون في الصباح الباكر، أو في آخر النهار، لكن موسى متمكن واثق من الفوز، يريد أن يتم هذا اللقاء في وضح النهار، حتى يشهده الجميع.