{ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَداً } بأن كانت خالية من الأهل { فَلاَ تَدْخُلُوهَا } واصبروا { حتى يُؤْذَنَ لَكُمُ } من جهة من يملك الإذن عند وجدانكم إياه ، ووجه ذلك أن الدخول في البيوت الخالية من غير إذن سبب للقيل والقال ، وفيه تصرف بملك الغير بغير رضاه وهو يشبه الغصب ، وهذه الآية لبيان حكم البيوت الخالية عن أهلها كما أن الآية الأولى لبيان حكم البيوت التي فيها أهلها .
وجوز أن تكون هذه تأكيداً لأمر الاستئناس وأنه لا بد منه والأمر دائر عليه ، والمعنى فإن لم تجدوا فيها أحداً من الآذنين أي ممن يملك الإذن فلا تدخلوها الخ ويفيد هذا حرمة دخول ما فيه من لا يملك الإذن كعبد وصبي من دون إذن من يملكه ، ومن اختار الأول قال : إن حرمة ما ذكر ثابتة بدلالة النص فتأمل .
وقال سبحانه : { فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ } إلى آخره دون فإن لم يكن فيها أحد لأن المعتبر وجد أنها خالية من الأهل مطلقاً أو ممن يملك الإذن سواء كان فيها أحد في الواقع أم لم يكن كذا قيل : وعليه فالمراد من قولهم في تفسير ذلك ، بأن كانت خالية كونها خالية بحسب الاعتقاد ، وكذا يقال في نظيره فلا تغفل ، ثم أن ما أفادته الآيتان من الحكم قد خصصه الشرع فجوز الدخول لإزالة منكر توقفت على الدخول من غير إذن أهل البيت والدخول في البيت الخالي لإطفاء حريق فيه أو نحو ذلك .
وقد ذكر الفقهاء الصور التي فيها الدخول من غير إذن ممن يملك الإذن فلتراجع ، وقيل : المراد بالإذن في قوله سبحانه : { حتى يُؤْذَنَ لَكُمُ } ما يعم الإذن دلالة وشرعاً ولذا وقع بصيغة المجهول وحينئذٍ لا حاجة إلى القول بالتخصيص وفيه خفاء { وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارجعوا فارجعوا } أي إن أمرتم من جهة أهل البيت بالرجوع سواء كان الآمر من يملك الإذن أم لا فارجعوا ولا تلحوا { هُوَ } أي الرجوع { أزكى لَكُمْ } أي أطهر مما لا يخلو عنه اللج والعناد والوقوف على الأبواب بعد القول المذكور من دنس الدناءة والرذالة أو أنفع لدينكم ودنياكم على أن { أزكى } من الزكاة بمعنى النمو .
والظاهر أن صيغة أفعل في الوجهين للمبالغة ، وقيدنا الوقوف على الأبواب بما سمعت لأنه ليس فيه دناءة مطلقاً ، فقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يأتي دور الأنصار لطلب الحديث فيقعد على الباب ولا يستأذن حتى يخرج إليه الرجل فإذا خرج ورآه قال : يا ابن عم رسول الله لو أخبرتني بمكانك فيقول : هكذا أمرنا أن نطلب العلم ، وكأنه رضي الله تعالى عنه عغد ذلك من التواضع وهو من أقوى أسباب الفتوح لطالب العلم ، وقد أعطاني الله عز وجل نصيباً وافياً منه فكنت أكثر التلامذة تواضعاً وخدمة للمشايخ والحمد لله تعالى على ذلك { والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } فيعلم ما تأتون وما تذرون مما كلمتموه فيجازيكم عليه .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{فإن لم تجدوا فيها أحدا} يعني: في البيوت {فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم} في الدخول {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا} ولا تقعدوا ولا تقوموا على أبواب الناس، فإن لهم حوائج، {هو أزكى لكم} يقول: الرجعة خير لكم من القيام والقعود على أبوابهم، {والله بما تعملون عليم}، إن دخلتم بإذن أو بغير إذن...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: فإن لم تجدوا في البيوت التي تستأذنون فيها أحدا، يأذن لكم بالدخول إليها، فلا تدخلوها، لأنها ليست لكم، فلا يحلّ لكم دخولها إلا بإذن أربابها، فإن أذن لكم أربابها أن تدخلوها فادخلوها، "وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا "يقول: وإن قال لكم أهل البيوت التي تستأذنون فيها: ارجعوا فلا تدخلوها، وارجعوا عنها ولا تدخلوها; "هُوَ أَزْكَى لَكُمْ" يقول: رجوعكم عنها إذا قيل لكم ارجعوا، ولم يؤذن لكم بالدخول فيها، أطهر لكم عند الله...
وقوله: "وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ" يقول جلّ ثناؤه: والله بما تعملون من رجوعكم بعد استئذانكم في بيوت غيركم إذا قيل لكم ارجعوا، وترك رجوعكم عنها وطاعتكم الله فيما أمركم ونهاكم في ذلك وغيره من أمره ونهيه- ذو علم محيط بذلك كله، محص جميعه عليكم، حتى يجازيكم على جميع ذلك.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
في هذا حِفْظُ أَمْرِ الله وحِفْظُ حُرْمةِ صاحب الدارِ؛ لأنَّ مَنْ دَخَلَها بغيرِ إذنِ صاحبِها ربما تكون فيها عورةُ منكشفة، وربما يكون لصاحب الدار أمرٌ لا يريد أن يطَّلِعَ عليه غيرُه، فلا ينبغي أن يدخل عليه من غير استئذان.
{وَإن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}. إن قيل لكم: ارجعوا... فارجعوا؛ فقد تكون الأعذارُ قائمةً، وصاحبُ الملكِ بِملْكِه أوْلَى.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
يحتمل {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَداً} من الآذنين {فَلاَ تَدْخُلُوهَا} واصبروا حتى تجدوا من يأذن لكم. ويحتمل: فإن لم تجدوا فيها أحداً من أهلها ولكم فيها حاجة فلا تدخلوها إلاّ بإذن أهلها، وذلك أنّ الاستئذان لم يشرع لئلا يطلع الدامر على عورة، ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه فقط، وإنما شرع لئلا يوقف على الأحوال التي يطويها الناس في العادة عن غيرهم ويتحفظون من اطلاع أحد عليها، ولأنّه تصرف في ملك غيرك فلا بدّ من أن يكون برضاه، وإلاّ أشبه الغصب والتغلب، {فارجعوا} أي لا تلحوا في إطلاق الإذن، ولا تلجوا في تسهيل الحجاب، ولا تقفوا على الأبواب منتظرين؛ لأن هذا مما يجلب الكراهة ويقدح في قلوب الناس خصوصاً إذا كانوا ذوي مروءة ومرتاضين بالآداب الحسنة، وإذا نهى عن ذلك لأدائه إلى الكراهة وجب الانتهاء عن كل ما يؤدي إليها: من قرع الباب بعنف، والتصييح بصاحب الدار وغير ذلك مما يدخل في عادات من لم يتهذّب من أكثر الناس...فإن قلت: فإذا عرض أمر في دار: من حريق، أو هجوم سارق، أو ظهور منكر يجب إنكاره؟ قلت: ذاك مستثنى بالدليل "هو أزكى لكم "أي: الرجوع أطيب لكم وأطهر، لما فيه من سلامة الصدور والبعد من الريبة، أو أنفع وأنمى خيراً. ثم أوعد المخاطبين بذلك بأنه عالم بما يأتون وما يذرون مما خوطبوا به فموف جزاءه عليه.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{والله بما تعملون عليم} توعد لأهل التجسس على البيوت وطلب الدخول على غفلة للمعاصي والنظر إلى ما لا يحل ولغيرهم مما يقع في محظور.
أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: هَذَا تِبْيَانٌ من اللَّهِ لِإِشْكَالٍ يَلُوحُ فِي الْخَاطِرِ؛ وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ إلَى مَنْزِلٍ لَا يَجِدُ فِيهِ أَحَدًا، فَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ: إذَا كَانَتْ الْمَنَازِلُ خَالِيَةً فَلَا إذْنَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ مُحْتَجَبٌ، فَيُقَالُ لَهُ: إنَّ الْإِذْنَ يُفِيدُ مَعْنَيَيْنِ. أَحَدُهُمَا: الدُّخُولُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ. وَالثَّانِي: كَشْفُ الْبَيْتِ وَإِطْلَاعُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ أَحَدٌ مُحْتَجِبٌ فَالْبَيْتُ مَحْجُوبٌ لِمَا فِيهِ، وَبِمَا فِيهِ، إلَّا بِإِذْنٍ من رَبِّهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: {حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ}.
يَعْنِي حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ فَيَأْذَنَ، أَوْ يَتَقَدَّمَ لَهُ بِالْإِذْنِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: {وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا}.
هَذَا مُرْتَبِطٌ بِالْآيَةِ قَبْلَهَا؛ التَّقْدِيرُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا، فَإِنْ أُذِنَ لَكُمْ فَادْخُلُوا، وَإِلَّا فَارْجِعُوا، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو مُوسَى مَعَ عُمَرَ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ تَسْطِيرُهُ وَإِيرَادُهُ.
فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا يَأْذَنُ لَكُمْ فَلَا تَدْخُلُوا حَتَّى تَجِدُوا إذْنًا.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَسَوَاءٌ كَانَ الْبَابُ مُغْلَقًا أَوْ مَفْتُوحًا؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَدْ أَغْلَقَهُ بِالتَّحْرِيمِ لِلدُّخُولِ حَتَّى يَفْتَحَهُ الْإِذْنُ من رَبِّهِ؛ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ الْبَابَ، وَيُحَاوَلَ الْإِذْنَ عَلَى صِفَةٍ لَا يَطَّلِعُ مِنْهُ عَلَى الْبَيْتِ لَا فِي إقْبَالِهِ وَلَا فِي انْقِلَابِهِ.
فَقَدْ رَوَى عُلَمَاؤُنَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ:"مَنْ مَلَأَ عَيْنَيْهِ من قَاعَةِ بَيْتٍ فَقَدْ فَسَقَ".
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ من أَجْلِ الْبَصَرِ).
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: إذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدٌ فَيَنْبَغِي لِلْمُسْتَأْذَنِ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: اُدْخُلْ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ من الْأَلْفَاظِ، لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَسْتَحْقِرُ فِيهِ.
رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ جَاءَ دَارًا لَهَا بَابَانِ قَالَ: أَدْخُلْ؟ قَالَ لَهُ إنْسَانٌ: اُدْخُلْ بِسَلَامٍ. قَالَ لَهُ: وَمَا يُدْرِيك أَنِّي أَدْخُلُ بِسَلَامٍ؛ ثُمَّ انْصَرَفَ كَرَاهِيَةَ مَا زَادَ؛ لِأَنَّ الَّذِي قَالَ: اُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ عَالِمٌ بِذَلِكَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، وَاَلَّذِي زَادَ فِي الْإِذْنِ بِسَلَامٍ زَادَ مَا لَمْ يَسْمَعْ، وَقَالَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، وَضَمِنَ مَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْإِذْنَ شَرْطٌ فِي دُخُولِ الْمَنْزِلِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ من الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرُ. وَإِنْ كَانَ قَوْلُ الصَّغِيرِ لَغْوًا فِي الْأَحْكَامِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ؛ وَلَكِنَّ الْإِذْنَ فِي الْمَنَازِلِ مُرَخَّصٌ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ دُونَ الْبُلُوغِ يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَعْمَلُ عَلَى قَوْلِهِ، وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ مَعَ أَبْنَائِهِمْ، وَغِلْمَانِهِمْ.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(وإن قيل لكم: ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم).. ارجعوا دون أن تجدوا في أنفسكم غضاضة، ودون أن تستشعروا من أهل البيت الإساءة إليكم، أو النفرة منكم. فللناس أسرارهم وأعذارهم. ويجب أن يترك لهم وحدهم تقدير ظروفهم وملابساتهم في كل حين. (والله بما تعملون عليم).. فهو المطلع على خفايا القلوب، وعلى ما فيها من دوافع ومثيرات.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
أما قوله: {فإن لم تجدوا فيها أحداً} إلخ للاحتراس من أن يظن ظان أن المنازل غير المسكونة يدخلها الناس في غيبة أصحابها بدون إذن منهم توهماً بأن علة شرع الاستئذان ما يَكره أهل المنازل من رؤيتهم على غير تأهب بل العلة هي كراهتهم رؤية ما يحبون ستره من شؤونهم.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
ولعل هذه القواعد الثلاثة، تمثل البرنامج القرآني العملي في الدخول على بيوت الناس الخاصة، فليس للإنسان أن يدخل بيت غيره إذا لم يكن صاحبه موجوداً ولم يكن هناك إذنٌ سابق له بذلك، وعليه أن يرجع من حيث أتى إذا لم يؤذن له بدخول البيت مع وجود أهله فيه وقيل له ارجع من حيث أتيت، أمّا إذا حصل الإذن، فإن له أن يدخل من غير إشكال، وبهذه القواعد يضمن الإسلام للإنسان حريته في بيته، فلا يقتحم أحد عليه حياته دون سابق إنذار، ما يجعله آمناً على كل أسراره وخصوصياته، التي لا يريد أن يطّلع أحد عليها.