{ لِيَجْزِيَهُمُ الله } متعلق على ما استظهره أبو حيان ب { يسبح } [ النور : 36 ] وجوز أبو البقاء أن يتعلق بلا تلهيهم أو بيحافون ولا يخفى أن تعلقه بأحد المذكورين محوج إلى تأويل ، ولعل تعلقه بفعل محذوف يدل عليه ما حكى عنهم أولى من جميع ذلك أي يفعلون ما يفعلون من التسبيح والذكر وإيتاء الزكاة والخوف من غير صارف لهم عن ذلك ليجزيهم الله تعالى : { أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ } واللام على سائر الأوجه للتعليل وقال أبو البقاء : يجوز أن تكون لام الصيرورة كالتي في قوله تعالى : { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } [ القصص : 8 ] وموضع الجملة حال والتقدير يخافون ملهمين ليجزيهم الله وهو كما ترى ، والجزاء المقابلة والمكافأة على ما يحمد ويتعدى إلى الشخص المجزي بعن قال تعالى : { لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا } [ البقرة : 48 ] وإلى ما فعله ابتداء بعلى تقول جزيته على فعله وقد يتعدى إليه بالباء فيقال جزيته بفعله وإلى ما وقع في مقابلته بنفسه وبالباء ، قال الراغب : يقال جزيته كذا وبكذا ، والظاهر أن أحسن هو ما وقع في المقابلة فيكون الجزاء قد تعدى إليه بنفسه ويحتاج إلى تقدير مضاف أي ليجزيهم أحسن جزاء عملهم أو الذي عملوه حسبما وعد لهم بمقابلة حسنة واحدة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف ليكون الأحسن من جنس الجزاء .
وجوز أن يكون الأحسن هو الفعل المجزي عليه أو به الشخص وليس هناك مضاف محذوف والكلام على حذف الجار أي ليجزيهم على أحسن أو بأحسن ما عملوا . وأحسن العمل أدناه المندوب فاحترز به عن الحسن وهو المباح إذ لا جزاء له ورجح الأول بسلامته عن حذف الجار الذي هو غير مقيس في مثل ما نحن فيه بخلاف حذف المضاف فإنه كثير مقيس ، وجوز أن يكون المضاف المحذوف قبل «أحسن » أي جزاء أحسن ما عملوا ، والظاهر أن المراد بما عملوا أعم مما سبق وبعضهم فسره به { وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ } أي يتفضل عليهم بأشياء لم توعد لهم بخصوصياتها أو بمقاديرها ولم يخطر ببالهم كيفياتها ولا كميتها بل إنما وعدت بطريق الإجمال في مثله قوله تعالى : { لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ } [ يونس : 26 ] وقوله صلى الله عليه وسلم حكاية عنه عز وجل : " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر " إلى غير ذلك من المواعيد الكريمة التي من جملتها قوله سبحانه : { والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } فإنه تذييل مقرر للزيادة ووعد كريم بأنه تعالى يعطيهم غير أجزية أعمالهم من الخيرات ما لا يفي به الحساب والموصول عبارة عمن ذكرت صفاهم الجميلة كأنه قيل والله يرزقهم بغير حساب ، ووضعه موضع ضميرهم للتنبيه بما في حيز الصلة على أن مناط الرزق المذكور محض مشيئته تعالى لا أعمالهم المحكية كما أنها المناط لما سبق من الهداية لنوره عز وجل وللإيذان بأنهم ممن شاء الله تعالى أن يرزقهم كما أنهم ممن شاء سبحانه أن يهديهم لنوره حسبما يعرب عنه ما فصل من أعمالهم الحسنة فإن جميعها من آثار الهداية .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
وقوله:"ليَجْزِيَهُمُ اللّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا" يقول: فعلوا ذلك، يعني أنهم لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وأقاموا الصلاة وآتَوا الزكاة وأطاعوا ربهم، مخافة عذابه يوم القيامة كي يثيبهم الله يوم القيامة بأحسن أعمالهم التي عملوها في الدنيا، ويزيدهم على ثوابه إياهم على أحسن أعمالهم التي عملوها في الدنيا، من فضله، فيُفْضِل عليهم عن عنده بما أحبّ من كرامته لهم. وقوله: "وَاللّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بغيرِ حِسابٍ "يقول تعالى ذكره: يتفضل على من شاء وأراد من طَوْله وكرامته، مما لم يستحقه بعمله ولم يبلغه بطاعته بغير حساب يقول: بغير محاسبة على ما بذل له وأعطاه.
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
{لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا} فذكر الجزاء على الحسنات ولم يذكر الجزاء على السيئات وإن كان يجازى عليها لأمرين: أحدهما: أنه ترغيب فاقتصر على ذكر الرغبة. الثاني: أنه يكون في صفة قوم لا تكون منهم الكبائر فكانت صغائرهم مغفورة...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ} أي أحسن جزاء أعمالهم، كقوله: {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى} [يونس: 26] والمعنى يسبحون ويخافون، ليجزيهم ثوابهم مضاعفاً ويزيدهم على الثواب تفضلاً. وكذلك معنى قوله: {الحسنى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] المثوبة وزيادة عليها من التفضل. وعطاء الله تعالى: إما تفضل وإما ثواب، وإما عوض {والله يَرْزُقُ} ما يتفضل به {بِغَيْرِ حِسَابٍ} فأما الثواب فله حساب لكونه على حسب الاستحقاق.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
أي: هؤلاء من الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم. وقوله: {وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} أي: يتقبل منهم الحسن ويضاعفه لهم...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما بين تعالى أفعال هؤلاء الرجال التي أقبلوا بها عليه، وأعرضوا عما عداه، بين غايتهم فيها فقال: {ليجزيهم} أي يفعلون ذلك ليجزيهم {الله} أي في دار كرامته بعد البعث بعظمته وجلاله، وكرمه. وجماله {أحسن ما عملوا} أي جزاءه. ويغفر لهم سيئه {ويزيدهم من فضله} على العدل من الجزاء ما لم يستحقوه -كما هي عادة أهل الكرم.
ولما كان التقدير: فإن الله لجلاله، وعظمته وكماله، لا يرضى أن يقتصر في جزاء المحسن على ما يستحقه فقط، عطف عليه بياناً لأن قدرته وعظمته لا حد لها قولَه: {والله} أي الذي لا كفوء له فلا اعتراض عليه {يرزق من يشاء}. ولما كان المعنى: رزقاً يفوق الحد، ويفوت العد، عبر عنه بقوله: {بغير حساب} فهو كناية عن السعة، ويجوز أن يكون مع السعة التوفيق، فيكون بشارة بنفي الحساب في الآخرة أيضاً أصلاً ورأساً، لأن ذلك المرزوق لم يعمل ما فيه درك عليه فلا يحاسب، أو يحاسب ولا يعاقب؛ فيكون المراد بنفي الحساب نفي عسره وعقابه، ويجوز أن يزاد الرزق كفافاً، وقد ورد أنه لا حساب فيه.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
{لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا} والمراد بأحسن ما عملوا: أعمالهم الحسنة الصالحة، لأنها أحسن ما عملوا، لأنهم يعملون المباحات وغيرها، فالثواب لا يكون إلا على العمل الحسن...
{وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} زيادة كثيرة عن الجزاء المقابل لأعمالهم، {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} بل يعطيه من الأجر ما لا يبلغه عمله، بل ولا تبلغه أمنيته، ويعطيه من الأجر بلا عد ولا كيل، وهذا كناية عن كثرته جدا.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
{لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا} اللام هي لام العاقبة، أي لتكون عاقبة هذا اليوم بالنسبة لهؤلاء الأطهار أن يكون جزاء حسنا لأحسن أعمالهم، وجعل سبحانه وتعالى الجزاء لأحسن الأعمال، والجزاء لهم على أعمالهم، وذكر الكلام بهذه الصيغة لبيان أن الجزاء مساو للعمل تماما، والله قد يزيد على الأعمال رحمة منه وفضلا، ولذا قال تعالى: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} الرزق هنا هو الثواب الذي يزيد عن العمل، وهو فيض من رحمته، وفضل منه سبحانه، وقوله {بغير حساب} فيه إشارة إلى أنه عطاء غير مجذوذ...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
وقال بعض المفسّرين عما تعنيه عبارة (أحسن ما عملوا) في هذه الآية، أنّها إشارة إلى جميع الأعمال الطيبة، سواء كانت واجبة أم مستحبة، صغيرة أم كبيرة. ويرى آخرون أنّها إشارة إلى أنّ الله يكافئ الحسنة بعشر أمثالها، وأحياناً بسبعمائة مثلها...كما يمكن أن تفسّر العبارة السابقة بأنّ المقصود هو أنَّ الله يكافئ جميع أعمالهم بموجب أفضلها، ويشمل ذلك أبسط أعمالهم وأوسطها، حيث يجعلها الله بمستوى أفضل الأعمال حين منحه المكافأة.
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.