روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلطَّيۡرُ صَـٰٓفَّـٰتٖۖ كُلّٞ قَدۡ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسۡبِيحَهُۥۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ} (41)

{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُسَبّحُ لَهُ مَن فِى السموات والأرض } الخ استئناف خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم للإيذان كما في إرشاد العقل السليم بأن الله تعالى قد أفاض عليه أعلى مراتب النور وأجلاها وبين له من أسرار الملك والملكوت أدقها وأخفاها . وقال الطبرسي . هو بيان للآيات التي جعلها نوراً والخطاب له عليه الصلاة والسلام والمراد به جميع المكلفين والهمزة للتقرير والرؤية هنا بمعنى العلم والظاهر أن إطلاقها عليه حقيقة . وقيل هي حقيقة في الإبصار وإطلاقها على العلم استعارة أو مجاز لعلاقة اللزوم ، وأياً ما كان فالمراد لم تعلم بالوحي أو بالمكاشفة أو بالاستدلال أن الله تعالى ينزهه آناً فآناً في ذاته وصفاته وأفعاله عن كل ما لا يليق بشأنه الجليل من نقص أو خلل تنزيهاً معنوياً تفهمه العقول السليمة جميع من في السموات والأرض من العقلاء وغيرهم كائناً ما كان فإن كل موجود من الموجودات الممكنة مركباً كان أو بسيطاً فهو من حيث ذاته ووجوده وأحواله المتجددة له يدل على صانع واجب الوجود متصف بصفات الكمال منزه عن كل ما لا يليق بشأن من شؤونه الجليلة وقد نبه سبحانه على كمال قوة تلك الدلالة وغاية وضوحها حيث عبر عنها بما يخص العقلاء من التسبيح الذي هو أقوى مراتب التنزيه وأظهرها تنزيلاً للسان الحال منزلة لسان المقال وتخصيص التنزيه بالذكر مع دلالة ما فيهما على اتصافه تعالى بنعوت الكمال أيضاً لما أن مساق الكلام لتقبيح حال الكفرة في إخلالهم بالتنزيه بجعلهم الجمادات شركاء له سبحانه في الألوهية ونسبتهم إياه عز وجل إلى اتخاذ الولد ونحو ذلك مما تعالى الله عنه علواً كبيراف ، وإطلاق من على العقلاء وعيرهم بطريق التغليب ، ولا يغني عن اعتباره أو اعتبار مجاز مثله إسناد التسبيح المختص بالعقلاء بحسب الظاهر كما توهمه بعض الأجلة ، وحمل بعضهم التسبيح على معنى مجازي شامل لتسبيح العقلاء وغيرهم ويسمى عموم المجاز . ورد بأن بعضاً من العقلاء وهم الكفرة من الثقلين لا يسبحونه بذلك المعنى قطعاً وإنما تسبيحهم ما ذكر من الدلالة التي يشاركهم فيها غير العقلاء أيضاً . وفي ذلك من تخطئتهم وتعييرهم ما فيه ، والقول بأن الكفرة يسبحون كالمؤمنين لكن من حيث لا يشعرون كما قال الحلاج : جحودي لك تقديس مما لا يقبله ذوو العقول وحري بأن لا يكون من المقبول ، وقال بعضهم إذا كانت من للتغليب يندرج في عمومها العقلاء المطيعون والعقلاء العاصون وغير العقلاء مطلقاً فيحمل التسبيح على معنى مجازي يصح نسبته إلى كل مما ذكر وأي مانع من ذلك وهو كما ترى .

واستظهر أبو حيان إبقاء التسبيح على ظاهره وتخصيص من بالعقلاء المطيعين وما ذكر أولاً أولى .

{ والطير } بالرفع عطفاً على { مِنْ } وتخصيصها بالذكر عليه مع اندراجها في جملة ما في الأرض لعدم استمرار قرارها فيها واستقلالها بصنع بارع وإنشار رائع قصد بيان تسبيحها من تلك الجهة لوضوح إنبائها عن كمال قدرة صانعها ولطف تدبير مبدعها حسبما يعرب عنه التقييد بقوله تعالى : { صافات } أي تسبحه الطير حال كونها صافات أجنحتها فإن إعطاءه تعالى للأجرام الثقيلة ما يتمكن به من الوقوف في الجو والحركة كيف شاء من الأجنحة والأذناب الخفيفة وإرشادها إلى كيفية استعمالها بالقبض والبسط والتحريك يميناً وشمالاً ونحو ذلك حجة واضحة الدلالة على كمال قدرة الصانع المجيد ، وغاية حكمة المبدىء المعيد ، والعطف على ما استظهره أبو حيان على { مِنْ } أيضاً وقد صرح بذلك ، ونقل عن الجمهور أن تسبيحها حقيقي وظاهره أنه على نحو تسبيح العقلاء من الثقلين ، ولعل ملتزم ذلك لا يلتزم وجوب كون التسبيح الحقيقي بالألفاظ المألوفة لنا وإلا لا يتسنى القول بأن تسبيحها حقيقي مع هذا الوجوب لفقد الألفاظ المألوفة لنا منها ، ويجوز أن يقال : إنه تعالى ألهم الطير تسبيحاً مخصوصاً يليق بها هو غير التسبيح الحالي الذي هو الدلالة السابقة ويقدر فعل رافع لها يراد منه ذلك المعنى الملهم أي ويسبح الطير ، وتخصيص تسبيحها بذلك المعنى بالذكر لما أن أصواتها أظهر وجوداً وأقرب حملاً على التسبيح لكن التقييد بالحال على هذا حاله في الحسن دون حاله على ما سبق .

وقرأ الأعرج { والطير } بالنصب على أنه مفعول معه ، وقرأ الحسن . وخارجة عن نافع { والطير صافات } برفعهما على الابتداء والخبرية ، والظاهر على هذه القراءة أن قوله تعالى : { كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } خبر بعد خبر وعلى قراءة الجمهور استئناف جىء به لبيان كمال عراقة كل واحد مما ذكر من الطير وما اندرج في عموم { مَن فِى السموات والأرض } في التنزيه ورسوخ قدمه فيه بتمثيل حاله بحال من يعلم ما يصدر عنه من الأفاعيل فيفعلها عن قصد ونية لا عن اتفاق بلا روية ، وقد أدمج سبحانه في تضاعيفه الإشارة إلى أن لكل واحد من الأشياء المذكورة مع ما ذكر من التنزيه حاجة ذاتية إليه تعالى واستفاضة منه عز وجل لما يهمه بلسان استعداده ، وتحقيقه أن كل واحد من الموجودات الممكنة في حد ذاته بمعزل عن استحقاق الوجود لكنه مستعد لأن يفيض عليه منه تعالى ما يليق بشأنه من الوجود وما يتبعه من الكمالات ابتداءً وبقاءً فهو مستفيض منه تعالى على الاستمرار فيفيض عليه في كل آن من فنون الفيوض المتعلقة بذاته وصفاته ما لا يحيط به نطاق البيان بحيث لو انقطع ما بينه وبين العناية الربانية من العلاقة لانعدم بالمرة ، وقد عبر عن تلك الاستفاضة المعنوية بالصلاة التي هي الدعاء والابتهال لتكميل التمثيل ، وتقديمها على التسبيح في الذكر لتقدمها عليه في الرتبة كذا في إرشاد العقل السليم ، والكلام عليه استعارة تمثيلية والمضاف إليه الذي ناب عنه تنوين { كُلٌّ } ما يشمل المذكور المصرح به والمندرج تحت العموم حتى الجماد وضمير { عِلْمٍ } وكذا ضميرا { صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } لكل واحد وإليه ذهب الزجاج .

وزعم بعضهم أنه يكون في { عِلْمٍ } على ذلك استعارة تبعية وقال في بيان ذلك : إنه يشبه دلالة كل واحد من المذكورين على الحق بلسان الحق والمقال وميل كل منهم إلى النفع اختياراً أو طبعاً بعلم التسبيح والصلاة فيطلق على كل واحد من تلك الدلالة والميل اسم العلم على سبيل الاستعارة ويشتق منه لفظ علم ، ومن له أدنى ذوق لا يرتضيه ، وجوز أيضاً أن يكون الصلاة مجازاً عن الميل والتسبيح مجازاً عن الدلالة ومع هذا قيل إنه وإن صح غير مناسب للتمثيل ، وزعم بعض أن الأولى أن يجعل المضاف إليه غير شامل لجماد وليس بذاك ، وجوز أن يكون ضميرا { صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } لله تعالى على أن الإضافة للمفعول ، وجوز أن يكون لكل واحد مما في السموات والأرض ويكون ضمير { عِلْمٍ } لله عز وجل ، وقال غير واحد : يجوز أن لا يكون هناك استعارة والعلم على حقيقته ويراد به مطلق الإدراك ويراد بما ناب عنه التنوين أنواع الطير أو أفرادها وبالصلاة والتسبيح ما ألهمه الله عز وجل كل واحد من الدعاء والتسبيح المخصوصين به ، ولا بعد في هذا الإلهام فقد ألهم سبحانه كل نوع من أنواع الحيوانات علوماً دقيقة لا يكاد يهتدي إليها جهابذة العقلاء وهذا مما لا سبيل إلى إنكاره أصلاً كيف لا وأن القنفذ مع كونه أبعد الحيوانات من الإدراك قالوا : إنه يحس بالشمال والجنوب قبل هبوبهما فيغير المدخل إلى جحره ، والجملة على هذا لبيان كمال الرسوخ في الأمرين وأن صدورهما عن الطير ليس بطريق الاتفاق بلا روية بل عن علم وإتقان نظير ما مر لكن لا على سبيل التمثيل ، وقدر فعل رافع للطير عليه أي ويسبح الطير كما تقدم ولم تجعل معطوفة على { مِنْ } مرفوعة برافعها قيل لأنه يؤدي إلى أن يراد بالتسبيح الدال عليه الفعل المذكور معنى مجازي شامل للتسبيح المقالي والحالي من العقلاء وغيرهم ، وقد تقدم ما فيه ، وجوز جعل ما ناب عنه التنوين ما يشمل الطير وغيره من المندرج في العموم السابق ، وفيه أن مما اندرج في العموم الجماد ولا ينسب إليه العلم وإن كان بمعنى مطلق الإدراك والتزم أن له علماً وأنه سبحانه ألهمه صلاة وتسبيحاً لائقين به مما لا يرتضيه كثير من الناس ، وقد تقدم لك ما يتعلق بهذا المقام في سورة الإسراء فتذكر .

وجوز بعضهم على تقدير حمل العلم على المعنى الحقيقي أن يكون عطف التسبيح على الصلاة من عطف التفسير ، وأنت تعلم أنه إذا قيل ذلك على ذلك التقدير فما المانع من قبوله على التقدير السابق من جعل الاستعارة تمثيلية ، نعم يفوت حينئذٍ الإدماج الذي أشير إليه فيما مر وهو ليس بمانع ، والحق أن احتمال التفسير بعيد ولا داعي إلى ارتكابه بل يفوت عليه ما يفوت كما لا يخفى ، وقوله تعالى : { والله عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } أي بالذي يفعلونه اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله ، و { مَا } إما عبارة عن الدلالة الشاملة لجميع الموجودات من العقلاء وغيرهم والتعبير عنها بالفعل مسنداً إلى ضمير العقلاء لما أشرنا إليه أول الكلام ، وأما عبارة عنها وعن التسبيح الخاص بالطير معاً أو عن تسبيح الطير فقط فالفعل على حقيقته وإسناده إلى ضمير العقلاء لما مر ، والاعتراض حينئذٍ مقرر لتسبيح الطير فقط وعلى الأولين لتسبيح الكل ، وإما عبارة عن الأعم من الصلاة والتسبيح وغيرهما من الأفعال الصادرة عمن في السموات والأرض والأحوال العارضة له والاعتراض حينئذٍ مقرر لمضمون { كُلٌّ قَدْ عَلِمَ } أي الله تعالى صلاته وتسبيحه وأمر التعبير بالفعل والإسناد إلى ضمير العقلاء لا يخفى ، ولتعدد الأوجه فيما مر تعددت الاحتمالات هنا فتأمل ولا تغفل .

وقرأ الحسن . وعيسى . وسلام . وهارون عن أبي عمرو { تَفْعَلُونَ } بتاء الخطاب ، وفيه كما قيل وعيد وتخويف ولعل الظاهر أن الخطاب فيه للكفرة ، وربما يجوز أن يكون ضمير الجمع على قراءة الجمهور لهم أيضاً على أن المراد بالجملة تخويفهم لإعراضهم عن تسبيحه تعالى بعد أن أخبر سبحانه عمن أخبر بأنه قد علم صلاته وتسبيحه ، وهذا وإن كان بعيداً إلا أن في القراءة المذكورة نوع تأييد له .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلطَّيۡرُ صَـٰٓفَّـٰتٖۖ كُلّٞ قَدۡ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسۡبِيحَهُۥۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ} (41)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ألم تر أن الله يسبح له} يقول: ألم تعلم أن الله يذكره {من في السماوات} من الملائكة {و} من في {والأرض} من المؤمنين: من الإنس والجن {والطير صافات} الأجنحة {كل} من فيها: في السماوات والأرض {قد علم صلاته} من الملائكة، والمؤمنين من الجن والإنس، ثم قال عز وجل: {وتسبيحه} يعني: ويذكره كل مخلوق بلغته غير كفار الإنس والجن {والله عليم بما يفعلون}..

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم تنظر يا محمد بعين قلبك فتعلم أن الله يصلي له من في السموات والأرض من مَلَك وإنس وجنّ. "والطّيْرُ صَافّاتٍ "في الهواء أيضا تسبح له.

"كُلّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَه"، والتسبيح عندك صلاة، فيقال: قيل: إن الصلاة لبني آدم والتسبيح لغيرهم من الخلق، ولذلك فصّل فيما بين ذلك...

ويتوجه قوله: "كُلّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ" لوجوه: أحدها: أن تكون الهاء التي في قوله: صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ من ذكر «كلّ»، فيكون تأويل الكلام: كل مصلّ ومسبح منهم قد علم الله صلاته وتسبيحه، ويكون «الكلّ» حينئذٍ مرتفعا بالعائد من ذكره في قوله: "كُلّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ"، وهو الهاء التي في الصلاة.

والوجه الآخر: أن تكون الهاء في الصلاة والتسبيح أيضا ل«الكلّ»، ويكون «الكلّ» مرتفعا بالعائد من ذكره عليه في: عَلِمَ، ويكون: عَلِمَ فعلاً ل«الكلّ»، فيكون تأويل الكلام حينئذٍ: قد علم كلّ مصلّ ومسبح منهم صلاة نفسه وتسبيحه الذي كُلّفه وأُلْزمه.

والوجه الآخر: أن تكون الهاء في الصلاة والتسبيح من ذكر الله، والعلم ل«الكل»، فيكون تأويل الكلام حينئذٍ: قد علم كلّ مسبّح ومُصَلّ صلاة الله التي كلّفه إياها، وتسبيحه.

وأظهر هذه المعاني الثلاثة على هذا الكلام، المعنى الأوّل، وهو أن يكون المعنى: كلّ مصلّ منهم ومسبّح، قد علم الله صلاته وتسبيحه.

وقوله: "وَاللّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ" يقول تعالى ذكره: والله ذو علم بما يفعل كلّ مصلّ ومسبح منهم، لا يخفى عليه شيء من أفعالهم، طاعتها ومعصيتها، محيط بذلك كله، وهو مجازيهم على ذلك كله.

أحكام القرآن للجصاص 370 هـ :

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}، فإن التسبيح هو التنزيه لله تعالى عما لا يجوز عليه من الصفات، فجميع ما خلقه الله منزّه له من جهة الدلالة عليه، والعقلاء المطيعون ينزهونه من جهة الاعتقاد والوصف له بما يليق به وتنزيهه عما لا يجوز عليه.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{ألم تر} تنبيه، و «الرؤية» رؤية الفكر... {من في السماوات والأرض} عامة لكل شيء من له عقل وسائر الجمادات، لكنه لما اجتمع ذلك عبر عنه ب {من} تغليباً لحكم من يعقل...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أنه سبحانه لما وصف أنوار قلوب المؤمنين وظلمات قلوب الجاهلين أتبع ذلك بدلائل التوحيد:

فالنوع الأول: ما ذكره في هذه الآية ولا شبهة في أن المراد ألم تعلم، لأن التسبيح لا تتناوله الرؤية بالبصر ويتناوله العلم بالقلب، وهذا الكلام وإن كان ظاهره استفهاما فالمراد التقرير والبيان، فنبه تعالى على ما يلزم من تعظيمه بأن من في السماوات يسبح له وكذلك من في الأرض.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان قيام الأمور، وظهورها كل ظهور، إنما هو بالنور، حساً بالإيجاد، ومعنى بجعل الموجودات آيات مرئيات تدل على موجدها، قال تعالى دالاً على ما أخبر به من أنه وحده نور السماوات والأرض، أي موجدهما بعلمه وقدرته ومن أن من كساه من نوره فإن في يوم البعث الذي يجازي فيه الخلق على ما يقتضيه العلم الذي هو النور في الحقيقة من مقادير أعمالهم، ومن أعراه من النور هلك: {ألم تر} أي تعلم يا رأس الفائزين برتبة الإحسان علماً هو في ثباته كما بالمشاهدة {أن الله} الحائز لصفات الكمال {يسبح له} أي ينزه عن كل شائبة نقص لأجله خاصة بما له فيه من القدرة الكاملة {من في السماوات}.

ولما كان مبنى السورة على شمول العلم والقدرة لم يؤكد فقال: {والأرض} أي هما وكل ما فيهما بلسان حاله، أو آلة مقاله، وعرف أن المراد العموم بعطفه بعض ما لا يعقل، وعبر ب "من "لأن المخبر به من وظائف العقلاء.

ولما كان أمر الطير أدل لأنه أعجب، قال مخصصاً: {والطير صافات} أي باسطات أجنحتها في جو السماء، لا شبهة في أنه لا يمسكهن إلا الله، وإمساكه لها في الجو مع أنها أجرام ثقيلة، وتقديره لها فيه على القبض والبسط حجة قاطعة على كمال قدرته.

ولما كان العلم يوصف به ما هو سبب كالكتاب المصنف ونحوه، ويشتق للشيء اسم فاعل مما لابسه كما يقال: ليله قائم، ونهاره صائم، {ولا تزال تطلع على خائنة منهم} [المائدة: 13] وكانت أسطر القدرة مجودة على كل كائن، شديدة الوضوح في صفحات كل شيء، فكانت الكائنات بذلك دالة على خالقها وما له من كل صفة كمال، صح إطلاق العلم عليها وإسناده إليها فقال: {كل} أي من المخلوقات {قد علم} أي بما كان سبباً له من العلم بما فيه من الآيات الدالة المعلمة بما لموجده من صفات الكمال {صلاته} أي الوجه الذي به وصلته بمولاه ونسبته إليه {وتسبيحه} أي الحال الذي به براءة صانعه من الشين وتعاليه عن النقص، وقد صرحت بذلك ألسن أحوالها، نيابة عن بيان مقالها، هذا بقيامه صامتاً جامداً، وهذا بنموه مهتزاً رابياً، إلجاء وقهراً، وهذا بحركته بالإرادة، وقصد وجوه منافعه، وبعده عن أحوال مضاره بمجرد فطرته وما أودع في طبيعته، وهذا بنطقه وعقله، ونباهته وفضله، مع أن نسبة كل منهم إلى الأرض والسماء واحدة...

ولما كان التقدير: فالله قدير على جميع تلك الشؤون، عطف عليه قوله: {والله} أي المحيط علماً وقدرة {عليم بما يفعلون} بما ثبت مما أخبركم به في هذه السورة دقائق أقوالكم وأحوالكم، وضمائركم وأفعالكم، وقد تقدم في الأعراف عند {أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض} [الأعراف: 185] ما ينفع هنا.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

إن الإنسان ليس مفردا في هذا الكون الفسيح؛ فإن من حوله، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته؛ وحيثما امتد به النظر أو طاف به الخيال.. إخوان له من خلق الله، لهم طبائع شتى، وصور شتى، وأشكال شتى. ولكنهم بعد ذلك كله يلتقون في الله، ويتوجهون إليه، ويسبحون بحمده: (والله عليم بما يفعلون).. والقرآن يوجه الإنسان إلى النظر فيما حوله من صنع الله، وإلى من حوله من خلق الله في السماوات والأرض، وهم يسبحون بحمده وتقواه؛ ويوجه بصره وقلبه خاصة إلى مشهد في كل يوم يراه، فلا يثير انتباهه ولا يحرك قلبه لطول ما يراه. ذلك مشهد الطير صافات أرجلها وهي طائرة في الفضاء تسبح بحمد الله: (كل قد علم صلاته وتسبيحه).. والإنسان وحده هو الذي يغفل عن تسبيح ربه؛ وهو أجدر خلق الله بالإيمان والتسبيح والصلاة.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

{كل قد علم صلاته وتسبيحه}...فتسبيح العقلاء حقيقة، وتسبيح الطير مجاز مرسل في الدلالة على التنزيه. وفيه استعمال لفظ التسبيح في حقيقته ومجازه، ولذلك خولف بينهما في الجملة الثانية فعبر بالصلاة والتسبيح مراعاة لاختلاف حال الفريقين: فريق العقلاء. وفريق الطير وإن جمعتهما كلمة {كل} فأطلق على تسبيح العقلاء اسم الصلاة لأنه تسبيح حقيقي. فالمراد بالصلاة الدعاء وهو من خصائص العقلاء، وليس في أحوال الطير ما يستقيم إطلاق الدعاء عليه على وجه المجاز وأبقي لدلالة أصوات الطير اسم التسبيح لأنه يطلق مجازاً على الدلالة بالصوت بعلاقة الإطلاق وذلك على التوزيع؛ ولولا إرادة ذلك لقيل: كل قد علم تسبيحه، أو كل قد علم صلاته. والخطاب في قوله: {ألم تر} للنبيء صلى الله عليه وسلم والمراد من يَبلُغ إليه، أو الخطاب لغير معيّن فيعم كل مخاطب كما هو الشأن في أمثاله.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

الاستفهام في {ألم تر}، إنكاري بمعنى النفي مع التنبيه إلى الحقائق لإدراكها، وهو داخل على نفي، وهو (لم)، ونفي النفي إثبات، والمعنى: قد رأيت أن الله يسبح له من في السموات والأرض...والتعبير ب (من) في قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ} مع أن فيها ما لا يعقل، فلأنها كلها في دلالتها على التسبيح أقيمت مقام العاقل، ولأن فيها عقلاء وغير عقلاء، غلّب في البيان العقلاء، لأنهم أعلى مكانة من غيرهم كالملائكة، فإنهم أعلى من غيرهم، ومثل ذلك عقلاء الإنس والجن المهديون، وغيرهم...

{وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ}، أي تطير في الفضاء تسير صافات، أي في صفوف متتالية ومتوازية، الأجنحة وراء الأجنحة، كما ترى في أسراب الحمام وغيرها من الطير من انتقالها من مكان إلى مكان متآخية منتظمة في صفوف، وذلك من إلهام العلي الخبير لها...