روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَكَانَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ تِسۡعَةُ رَهۡطٖ يُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا يُصۡلِحُونَ} (48)

{ وَكَانَ فِى المدينة } أي مدينة ثمود وقريتهم وهي الحجر { تِسْعَةُ رَهْطٍ } هو اسم جمع يطلق على العصابة دون العشرة كما قال الراغب ؛ وفي الكشاف هو من الثلاثة أو من السبعة إلى العشرة ، وقيل : بل يقال إلى الأربعين وليس بمقبول ، وأصله على ما نقل عن الكرماني من الترهيط وهو تعظيم اللقم وشدة الأكل ، وقد أضيف العدد إليه . وقد اختلف في جواز إضافته إلى اسم الجمع فذهب الأخفش إلى أنه لا ينقاس وما ورد من الإضافة إليه فهو على سبيل الندور ، وقد صرح سيبويه أنه لا يقال ثلاث غنم .

وذهب قوم إلى أنه يجوز ذلك وينقاس وهو مع ذلك قليل ، وفصل قوم بين أن يكون اسم الجميع للقليل كرهط ونفر وذود فيجوز أن يضاف إليه إجراء له مجرى جمع القلة أو للكثير أو يستعمل لهما فلا يجوز إضافته إليه بل إذا أريد تمييزه به جيء به مقروناً بمن كخمسة من القوم ، وقال تعالى : { فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ الطير } [ البقرة : 260 ] وهو قول المازني . واختار غير واحد أن إضافة تسعة إلى رهط ههنا باعتبار أن رهطاً لكونه اسم جمع للقليل في حكم أشخاص ونحوه من جموع القلة وهي يضاف إليها العدد كتسعة أشخاص وتسع أنفس وهذا معنى قولهم : إن وقوع رهط تمييزاً لتسعة باعتبار المعنى فكأنه قيل تسعة أشخاص ، وقيل أي تسعة أنفس . وتأنيث العدد لأن المذكور في النظم الكريم { رَهْطٍ } وهو مذكر فليس ذاك من غير الفصيح كقوله ثلاثة أنفس وثلاث ذود ، نعم تقدير ما تقدم أسلم من المناقشة ، وأما ما قيل أي تسعة رجال ففيه الغفلة عما أشرنا إليه ، ثم إنه ليس المراد أن الرهط بمعنى الشخص أو بمعنى النفس بل أن التسعة من الأشخاص أو من الأنفس هي الرهط فليس المعدود بالتسعة ما دل عليه الرهط من الجماعة ليكون هناك تسع جماعة لا تسعة أفراد .

وقال الإمام الأقرب أن يكون المراد تسعة جمع إذ الظاهر من الرهط الجماعة ، ثم يحتمل أنهم كانوا قبائل ، ويحتمل أنهم دخلوا تحت العدد لاختلاف صفاتهم وأحوالهم لا لاختلاف النسب اه ، وقيل : كان هؤلاء التسعة رؤساء مع كل واحد منهم رهط ، ولذا قيل تسعة رهط وأسماؤهم عن وهب . الهذيب بن عبد رب . وعنم بن غنم . ودباب بن مهرج . وعمير بن كردية . وعاصم بن مخزمة . وسبيط بن صدقة . وسمعان بن صفى . وقدار بن سالف وهم الذين سعوا في عقر الناقة وكانوا عتادة قوم صالح ومن أبناء أشرافهم ، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن أسماءهم دعمى . ودعيم . وهرمى . وهريم . ودواب . وصواب . ودياب . ومسطح . وقدار وهو الذي عقر الناقة { يُفْسِدُونَ فِى الارض } لا في المدنية فقط افساداً بحتاً لا يخالطه شيء من الصلاح كما ينطق به قوله تعالى : { وَلاَ يُصْلِحُونَ } أي لا يفعلون شيئاً من الاصلاح أو لا يصلحون شيئاً من الأشياء ، والمراد أن عادتهم المستمرة ذلك الإفساد كما يؤذن به المضارع ، والجملة في موضع الصفة لرهط أو لتسعة .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَكَانَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ تِسۡعَةُ رَهۡطٖ يُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا يُصۡلِحُونَ} (48)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وكان في المدينة} قرية صالح: الحجر {تسعة رهط يفسدون في الأرض} يعني: يعملون في الأرض بالمعاصي {ولا يصلحون}، يعني: ولا يطيعون الله عز وجل فيها منهم: قدار بن سالف... عاقر الناقة..

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: وكان في مدينة صالح، وهي حِجر ثمود، تسعة أنفس يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وكان إفسادهم في الأرض: كفرهم بالله، ومعصيتهم إياه، وإنما خصّ الله جلّ ثناؤه هؤلاء التسعة الرهط بالخبر عنهم أنهم كانوا يفسدون في الأرض، ولا يصلحون، وإن كان أهل الكفر كلهم في الأرض مفسدين، لأن هؤلاء التسعة هم الذين سعوا فيما بلغنا في عقر الناقة، وتعاونوا عليه، وتحالفوا على قتل صالح من بين قوم ثمود.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{وَلاَ يُصْلِحُونَ} يعني أن شأنهم الإفساد البحت الذي لا يخلط بشيء من الصلاح كما ترى بعض المفسدين قد يندر منه بعض الصلاح.

البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :

و {يفسدون}: صفة لتسعة رهط، والمعنى: أنهم يفسدون الفساد العظيم الذي لا يخالطه شيء من الإصلاح، فلذلك قال: {ولا يصلحون}.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

يخبر تعالى عن طغاة ثمود ورؤوسهم، الذين كانوا دعاة قومهم إلى الضلالة والكفر وتكذيب صالح، وآل بهم الحال إلى أنهم عقروا الناقة، وهموا بقتل صالح أيضًا، بأن يبيتوه في أهله ليلا فيقتلوه غيْلَة، ثم يقولوا لأوليائه من أقربيه: إنهم ما علموا بشيء من أمره، وإنهم لصادقون فيما أخبروهم به، من أنهم لم يشاهدوا ذلك، فقال تعالى: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ} أي: مدينة ثمود، {تِسْعَةُ رَهْطٍ} أي: تسعة نفر، {يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ} وإنما غلب هؤلاء على أمر ثمود؛ لأنهم كانوا كبراء فيهم ورؤساءهم.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان الكفرة كلهم مفسدين بالكفر، وكان بعضهم ربما كان يصلح في بعض أفعاله، بين أن هؤلاء ليسوا كذلك، بل هم شر محض فحقق خلوصهم للفساد بقوله مصرحاً بما أفهمته صيغة المضارع: {ولا يصلحون}.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

و {المدينة}: هي حِجْر ثمود بكسر الحاء وسكون الجيم المعروف مكانُها اليوم بديار ثمود ومدائن صالح، وهي بقايا تلك المدينة من أطلال وبيوت منحوتة في الجبال. وهي بين المدينة المنورة وتبوك في طريق الشام وقد مرّ بها النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون في مسيرهم في غزوة تبوك ورأوا فيها آباراً نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الشرب والوضوء منها إلا بئراً واحدة أمرهم بالشرب والوضوء بها وقال:"إنها البئر التي كانت تشرب منها ناقة صالح"...و {الأرض}: أرض ثمود فالتعريف للعهد. وعطف {لا يصلحون} على {يفسدون} احتراس للدلالة على أنهم تمحّضوا للإفساد ولم يكونوا ممن خلطوا إفساداً بإصلاح.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَكَانَ في الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرض وَلاَ يُصْلِحُونَ} كانوا يخططون لإبقاء المجتمع تحت سلطة الكفر، في أجواء الشرّ التي تفسد الواقع بالامتيازات الظالمة التي يحصل عليها المستكبرون على حساب المستضعفين، وبالانحراف الفكري عن خط الإيمان الذي يوحّد للناس حياتهم على أساس الارتباط بالله وحده، ليكون الارتباط بكل شيء في الحياة من خلاله. وهكذا كان هؤلاء يشعرون بخطورة الرسالة الجديدة على مواقعهم ومخططاتهم، ويخافون أن يكون الموقع المميز المستقبلي لصالح وللمؤمنين معه على حساب مواقعهم الخاصة، فيتغيّر الواقع من حولهم لمصلحة الرسالة، وتختلف المفاهيم في مسائل التقييم للأوضاع وللأشخاص، فبدأوا يخططون لمواجهة هذا الخطر الجديد عليهم ويتآمرون على صالح ومن معه.

أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري 1439 هـ :

الهداية: -العمل بمعاصي الله تعالى هو الفساد في الأرض، والعمل بطاعته هو الإصلاح في الأرض.