{ قَالُواْ } استئناف بيان بعض ما فعلوا من الفساد أي قال بعضهم لبعض في أثناء المشاورة في أمر صالح عليه السلام . وكان ذلك على ما روي عن ابن عباس بعد أن عقروا الناقة أنذرهم بالعذاب ، وقوله : { تَمَتَّعُواْ فِى دَارِكُمْ ثلاثة أَيَّامٍ } [ هود : 65 ] الخ { تَقَاسَمُواْ بالله } أمر من التقاسم أي التحالف وقع مقول القول وهو قول الجمهور .
وجوز أن يكون فعلاً ماضياً بدلاً من { قَالُواْ } أو حالا من فاعله بتقدير قد أو بدونها أي قالوا متقاسمين ومقول القول { لَنُبَيّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ } الخ ، وجوز أبو حيان على هذا أن يكون بالله من جملة المقول . والبيات مباغتة العدو مفاجأته بالإيقاع به ليلاً وهو غافل . وأراد واقتله عليه السلام وأهله ليلاً وهم غافلون . وعن الاسكندر أنه أشير عليه بالبيات فقال : ليس من آيين الملوك استراق الظفر .
وقرأ ابن أبي ليلى { تُقْسِمُواْ } بغير ألف وتشديد السين ، والمعنى كما في قراءة الجمهور . وقرأ الحسن . وحمزة . والكسائي { لتبيتنه } بالتاء على خطاب بعضهم لبعض . وقرأ مجاهد . وابن وثاب . وطلحة . والأعمش { ليبيتنه } بياء الغيبة . و { قَالُواْ تَقَاسَمُواْ } على هذه القراءة لا يصح إلا أن يكون خبراً بخلافه عن القراءتين الأوليين فإنه يصح أن يكون خبراً كما يصح أن يكون أمراً . وذلك لأن الأمر خطاب والمقسم عليه بعده لو نظر إلى الخطاب وجب تاء الخطاب ولو نظر إلى صيغة قولهم عند الحلف وجب النون فأما ياء الغائب فلا وجه له . وإما إذا جعل خبراً فهو على الغائب كما تقول حلف ليفعلن { ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيّهِ } أي لولي صالح . والمراد به طالب ثاره من ذوي قرابته إذا قتل . وقرأ { لتقولن } بالتاء من قرأ { لتبيتنه } كذلك . وقرأ { لَّيَقُولَنَّ } بياء الغيبة من قرأ بها فيما تقدم . وقرأ حميد بن قيس الأول بياء الغيبة وهذا بالنون . قيل : والمعنى على ذلك قالوا متقاسمين بالله ليبيتنه قوم مناثم لنقولن جميعنا لوليه { مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ } أي ما حضرنا هلاكهم على أن { مُهْلِكَ } مصدر كمرجع أو مكان هلاكهم على أنه للمكان أو زمان هلاكهم على أنه للزمان . والمراد نفي شهود الهلاك الواقع فيه . واختاروا نفي شهود مهلك أهله على نفي قتلهم إياهم قصداً للمبالغة كأنهم قالوا ما شهدنا ذلك فضلاً عن أن نتولى إهلاكهم . ويعلم من ذلك نفي قتلهم صالحاً عليه السلام أيضاً لأن من لم يقتل اتباعه كيف يقتله ، وقيل في الكلام حذف أي ما شهدنا مهلك أهله ومهلكه ، واستظهره أبو حيان ثم قال وحذف مثل هذا المعطوف جائز في الفصيح كقوله تعالى : { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر } [ النحل : 81 ] أي والبرد وقال الشاعر :
فما كان بين الخير لو جاء سالما *** أبو حجر الا ليال قلائل
أي بين الخير وبيني اه وفيه ما لا يخفى . وقيل : الضمير في { أَهْلِهِ } يعود على الولي . والمراد بأهل الولي صالح وأهله . واعترض بأنه لو أريد أهل الولي لقيل أهلك أو أهله . ومنع بأن ذلك غير لازم . فقد قرئ { قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ } [ آل عمران : 12 ] بالخطاب والغيبة ووجه ذلك ظاهر . نعم رجوع الضمير إلى الولي خلاف الظاهر كما لا يخفى . وقرأ الجمهور { مُهْلِكَ } بضم الميم وفتح اللام من أهلك وفيه الاحتمالات الثلاث . وقرأ أبو بكر { مُهْلِكَ } بفتحهما على أنه مصدر { وِإِنَّا لصادقون } عطف على { مَا شَهِدْنَا } كما ذهب إليه الزجاج . والمعنى ونخلف وإنا لصادقون . وجوز أن تكون الواو للحال أي والحال إنا لصادقون فيما ذكرنا واستشكل ادعاؤهم الصدق في ذلك وهم عقلاء ينفرون عن الكذب ما أمكن . وأجيب بأن حضور الأمر غير مباشرته في العرف لأنه لا يقال لمن قتل رجلا أنه حضر قتله وإن كان الحضور لازماً للمباشرة فحلفوا على المعنى العرفي على العادة في الإيمان وأوهموا الخصم أنهم أرادوا معناه اللغوي فهم صادقون غير حانثين ، وكونهم من أهل التعارف أيضاً لا يضر بل يفيد فائدة تامة ، وقال الزمخشري . كأنهم اعتقدوا أنهم إذا بيتوا صالحاً وبيتوا أهله فجمعوا بين البياتين ، ثم قالوا ما شهدنا مهلك أهله فذكروا أحدهما كانوا صادقين لأنهم فعلوا البياتين جميعاً لا أحدهما . وتعقب بأن من فعل أمرين وجحد أحدهما لم يكن في كذبه شبهة وإنما تتم الحيلة لو فعلوا أمرا واحداً وادعى عليهم فعل أمرين فجحدوا المجموع . ولذا لم يختلف العلماء في أن من حلف لا أضرب زيداً فضرب زيداً وعمراً كان حانثاً بخلاف من حلف لا أضرب زيداً وعمراً ولا آكل رغيفين فأكل أحدهما فإنه محل خلاف للعلماء في الحنث وعدمه ، والحق أن تبرئتهم من الكذب فيما ذكر غير لازمة حتى يتكلف لها وهم الذين كذبوا على الله تعالى ورسوله عليه السلام وارتكبوا ما هو أقبح من الكذب فيما ذكر ، ومقصود الزمخشري تأييد ما يزعمه هو وقومه من قاعدة التحسين والتقبيح بالعقل بموافقة قوم صالح عليها ولا يكاد يتم له ذلك .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{قالوا تقاسموا بالله} يعني: تحالفوا بالله عز وجل {لنبيتنه وأهله} ليلا بالقتل يعني: صالحا وأهله، {ثم لنقولن لوليه} يعني: ذا رحم صالح إن سألوا عنه {ما شهدنا مهلك أهله} قالوا: ما ندري من قتل صالحا وأهله، ما نعرف الذين قتلوه {وإنا لصادقون} فيما نقول.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
وقوله:"قالُوا تَقاسَمُوا باللّهِ لَنُبَيّتَنّهُ وأهْلَهُ" يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء التسعة الرهط الذين يُفسدون في أرض حجر ثمود ولا يصلحون، تقاسموا بالله: تحالفوا بالله أيها القوم، ليحلف بعضكم لبعض: لنبيتنّ صالحا وأهله، فلنقتلنه، ثم لنقولنّ لوليه: ما شهدنا مهلك أهله...
وقوله: "وَإنّا لَصَادقُونَ "نقول لوليه: وإنا لصادقون، أنا ما شهدنا مُهلِكَ أهله.
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
{لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} أي لنقتلنه وأهله ليلاً، والبيات: قتل الليل.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما اقتضى السياق السؤال عن بيان بعض حالهم، أجاب بقوله: {قالوا تقاسموا} أمر مما منه القسم، أي أوقعوا المقاسمة والمحالفة بينكم {بالله} أي الذي لا سمى له لما شاع من عظمته، وشمول إحاطته في علمه وقدرته، فليقل كل منكم عن نفسه ومن معه إشارة إلى أنكم كالجسد الواحد: {لنبيتنّه} أي صالحاً {وأهله} أي لنهلكن الجميع ليلاً، فإن البيات مباغتة العدو ليلاً.
ولما كانت العادة جارية بأن المبيتين لا بد أن يبقى بعضهم، قالوا: {ثم لنقولن لوليّه} أي المطالب بدمه إن بقي منهم أحد: {ما شهدنا} أي حضرنا حضوراً تاماً {مهلك} أي هلاك {أهله} أي أهل ذلك الولي فضلاً عن أن نكون باشرنا، أو أهل صالح عليه السلام فضلاً عن أن نكون شهدنا مهلك صالح أو باشرنا قتله ولا موضع إهلاكهم. ولما كانت الفجيعة من وليه بهلاكه -عليه السلام- أكثر من الفجيعة بهلاك أهله وأعظم، كان في السياق بالإسناد إلى الولي -على تقدير كون الضمير لصالح عليه السلام- أتم إرشاد إلى أن التقدير: ولا مهلكه.
ولما كانوا قد صمموا على هذا الأمر، وظنوا أنفسهم على المبالغة في الحلف والاجتراء على الكذب فقالو: {وإنا} أي ونقول في جملة القسم تأكيداً للقسم، إيهاماً لتحقق الصدق: وإنا {لصادقون} فيا للعجب من قوم إذا عقدوا اليمين فزعوا إلى الله العظيم، ثم نفروا عنه نفور الظليم، إلى أوثان أنفع منها الهشيم.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
... وهذا الجزء من قصة ثمود لم يذكر في غير هذه السورة. وأحسب أن سبب ذكره أن نزول هذه السورة كان في وقتتٍ تآمرَ فيه المشركون على الإيقاع بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو التآمر الذي حكاه الله في قوله: {وإذ يمكُرُ بك الذين كفروا ليُثْبِتُوك أو يَقْتُلُوك أو يُخْرِجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} [الأنفال: 30]؛ فضرب الله لهم مثلاً بتآمر الرهط من قوم صالح عليه ومكرِهم وكيف كان عاقبة مكرهم، ولذلك ترى بين الآيتين تشابهاً وترى تكرير ذكر مكرهم ومكر الله بهم، وذكر أن في قصتهم آية لقوم يعلمون.
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.