روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لِّيَجۡزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّـٰدِقِينَ بِصِدۡقِهِمۡ وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ إِن شَآءَ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (24)

{ لّيَجْزِىَ الله الصادقين } أي الذين صدقوا ما عدوا الله تعالى عليه { بِصِدْقِهِمْ } أي بسبب صدقهم ، وصرح بذلك مع أنه يقتضيه تعليقه الحكم بالمشتق اعتناء بأمر الصدق ، ويكتفي بما يقتضيه التعليق في قوله تعالى : { وَيُعَذّبَ المنافقين } لأنه الأصل ولا داعي إلى خلافه ، والمراد ويعذب المنافقين بنفاقهم { إِن شَاء } أي تعذيبهم { أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } أي فلا يعذبهم بل يرحمهم سبحانه إن شاء عز وجل كذا قيل ، وظاهره أن كلا من التعذيب والرحمة للمنافقين يوم القيامة ولو ماتوا على النفاق معلق بمشيئته تعالى . واستشكل بأن النفاق أقبح الكفر كما يؤذن به قوله تعالى { إِنَّ المنافقين فِى الدرك الاسفل مِنَ النار } [ النساء : 5 14 ] وقد أخبر عز وجل أنه سبحانه يعذب الكفرة مطلقاً حتماً لا محالة فكيف هذا التعلق . وأجيب أنه لا إشكال فإن الله جل جلاله لا يجب عليه شيء والتعليق لذلك فهو جل شأنه إن شاء عذب المنافق وإن شاء رحمه لكن المتحقق أنه تبارك وتعالى شاء تعذيبه ولم يشأ رحمته فكأنه قيل : إن شاء يعذب المنافقين في الآخرة لكنه سبحانه شاء تعذيبهم فيما أو يتوب عليهم إن شاء لكنه جل وعلا لم يشاء ، ورفع مقدم الشرطية الثانية في مثل هذه القضية ينتج رفع التالي ، وإنما لم تقيد مجازاة الصادقين بالمشيئة كما قيد تعذيب المنافقين والتوبة عليهم بها مع أنه تعالى إن شاء يجزي الصادقين وإن شاء لم يجزهم لمكان نفي وجوب شيء عليه تعالى لمجموع أمرين هما تحقق مشيئة المجازاة وكون الرحمة مقصودة بالذات بخلاف العذاب ، وكأنه سبحانه لهذا الأخير لم يقل ليثيب أو لينعم وقال سبحانه في المقابل : «ويعذب » وقال بعض الأجلة : إن التوبة عليهم مشروطة بتوبتهم ومعنى توبته تعالى على العباد قبول توبتهم فكأنه قيل : أو يقبل توبتهم إن تابوا ، وحذف الشرط لظهور استلزام المذكور له ، ويجوز أن تفسر توبته تعالى عليهم بتوفيقه تعالى إياهم للتوبة إليه سبحانه ، وكلا هذين المعنيين لتوبته تعالى وارد كما في القاموس ، وأياً ما كان فالأمر معلق بالمشيئة ضرورة أنه لا يجب عليه سبحانه قبول التوبة ولا التوفيق لها ، والمراد من تعليق تعذيب المنافقين بالمشيئة أنه تعالى إن شاء عذبهم بإبقائهم منافقين وإن شاء سبحانه لم يعذبهم بأن يسلب عنهم وصف النفاق بالتوفيق إلى الإخلاص في الإيمان .

وقال ابن عطية : تعذيب المنافقين ثمرة إقامتهم على النفاق وموتهم عليه والتوبة موازنة لتلك الإقامة وثمرتها تركهم بلا عذاب فهناك أمران : إقامة على النفاق . وتوبة منه وعنها ثمرتان تعذيب ورحمة فذكر تعالى على جهة الإيجاز واحدة من هاتين وواحدة من هاتين ودل ما ذكر على ما ترك ذكره ، ويدلك على أن معنى قوله تعالى : { لّيُعَذّبَ } ليديم على النفاق قوله سبحانه : { إِن شَاء } ومعادلته بالتوبة وحرف { أَوْ } انتهى ، وأراد بذلك حل الإشكال ، وكأن ما ذكره يؤل إلى أن التقدير ليقيموا على النفاق فيموتوا عليه إن شاء فيعذبهم أو يتوب عليهم فيرحمهم فحذف سبب التعذيب وأثبت المسبب وهو التعذيب وأثبت سبب الرحمة والغفران وحذف المسبب وهو الرحمة والغفران وذلك من قبيل الاحتياك ، قال في البحر : وهذا من الإيجاز الحسن ، وقال السدى : المعنى ويعذب المنافقين إن شاء أن يميتهم على نفاقهم أو يتوب عليهم بنقلهم من النفاق إلى الإيمان ، وكأنه جعل مفعول المشيئة الإماتة على النفاق دون التعذيب كما هو الظاهر لما سمعت من استشكال تعليق تعذيبهم بالمشيئة مع أنه متحتم ، وقيل لذلك أيضاً : إن المراد يعذبهم في الدنيا إن شاء أو يتوب عليهم فلا يعذبهم فيها ، وحكى هذا عن الجبائي والكلام عليه في غاية الظهور ، وقد يقال : المراد بالمنافقين الجماعة المخصوصون القائلون { مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً } [ الأحزاب : 12 ] على أن ذلك كالاسم لهم فلا يلاحظ فيه مبدأ الاشتقاق ولا يجعل علة للحكم بل العلة له ما يفهم من سياق الكلام فيكون المعلق بالمشيئة تعذيب أناس مخصوصين ويكون المعنى يعذب فلاناً وفلاناً مثلاً إن شاء بأن يميتهم سبحانه مصرين على ما هم عليه مما يقتضي التعذيب أو يتوب عليهم بأن يوفقهم للتوبة فيرحمهم ، ويجوز أن يراد بالصادقين نحو هذا وحينئذ يكون قوله سبحانه : { يصدقهم } تصريحاً بما يفهم من السياق ، ويفهم من كلام شيخ الإسلام أن ذكر الصدق وحده من باب الاكتفاء حيث قال في معنى الآية : ليجزي الله الصادقين بما صدر عنهم من الأقوال والوفاء قولاً وفعلاً ويعذب المنافقين بما صدر عنهم من الأعمال والأقوال المحكية ، قيل : ولم يقل في جانب المنافقين بنفاقهم لقوله سبحانه : { شَاء أَوْ يَتُوبَ } الخ فإنه يستدعي فعلاً خاصاً بهم فتأمل ، والظاهر أن اللام في { لِيَجْزِىَ } للتعليل ، والكلام عند كثير تعليل للمنطوق من نفى التبديل عن الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه والمعرض به من إثبات التعريض لمن سواهم من المنافقين فإن الكلام على ما سمعت في قوة وما بدلوا تبديلاً كما بدل المنافقون فقوله : { لِيَجْزِىَ وَيُعَذّبَ } متعلق بالمنفى والمثبت على اللف والنشر التقديري ، وجعل تبديل المنافقين علة للتعذيب مبني على تشبيه المنافقين بالقاصدين عاقبة السوء على نهج الاستعارة المكنية والقرينة إثبات معنى التعليل ، وقيل : إن اللام للعلة حقيقة بالنظر إلى المنطوق ومجازاً بالنظر إلى المعرض به ويكون من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز وقد جوزه من جوزه .

وقيل : لا يبعد جعل { لِيَجْزِىَ } الخ تعليلاً للمنطوق المقيد بالعرض به فكأنه قيل : ما بدلوا كغيرهم ليجزيهم بصدقهم ويعذب غيرهم إن لم يتب ، وأنه يظهر بحسن صنيعهم قبح غيره ، وبضدها تتبين الأشياء ، وقيل : تعليل لصدقوا وحكى ذلك عن الزجاج ، وقيل : لما يفهم من قوله تعالى : { وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيماً } [ الأحزاب : 22 ] وقيل : لما يستفاد من قوله تعالى : { وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الاحزاب } [ الأحزاب : 22 ] كأنه قيل : ابتلاهم الله تعالى برؤية ذلك الخطب ليجزي الآية ، واختاره الطيبي قائلاً : إنه طريق أسهل مأخذاً وأبعد عن التعسف وأقرب إلى المقصود من جعله تعليلاً للمنطوق والمعرض به . واختار شيخ الإسلام كونه متعلقاً بمحذوف والكلام مستأنف مسوق بطريق الفذلكة لبيان ما هو داع إلى وقوع ما حكى من الأقوال والأفعال على التفصيل وغاية كما في قوله تعالى : { لِّيَسْأَلَ الصادقين عَن صِدْقِهِمْ } [ الأحزاب : 8 ] كأنه قيل : وقع جميع ما وقع ليجزي الله الخ ، وهو عندي حسن وإن كان فيه حذف فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هداك { إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } أي لمن تاب ، وهذا اعتراض فيه بعث إلى التوبة .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{لِّيَجۡزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّـٰدِقِينَ بِصِدۡقِهِمۡ وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ إِن شَآءَ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (24)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم قال: {ليجزي الله} بالإيمان والتسليم {الصادقين} بوفاء العهد.

{بصدقهم ويعذب المنافقين} ينقض العهد {إن شاء أو يتوب عليهم} فيهديهم من النفاق إلى الإيمان.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

وقوله:"لِيَجْزِيَ اللّهُ الصّادِقِينَ بصِدْقِهِمْ" يقول تعالى ذكره: "مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ لِيَجْزِيَ اللّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ": يقول: ليثيب الله أهل الصدق بصدقهم الله بما عاهدوه عليه، ووفائهم له به. "وَيُعَذّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ "بكفرهم بالله ونفاقهم، "أوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ" من نفاقهم، فيهديهم للإيمان...

إن قال قائل: ما وجه الشرط في قوله: "وَيُعَذّبَ المُنافِقِينَ" بقوله: "إنْ شاءَ" والمنافق كافر وهل يجوز أن لا يشاء تعذيب المنافق، فيقال ويعذّبه إن شاء؟ قيل: إن معنى ذلك على غير الوجه الذي توهمته، وإنما معنى ذلك: ويعذّب المنافقين بأن لا يوفقهم للتوبة من نفاقهم حتى يموتوا على كفرهم إن شاء، فيستوجبوا بذلك العذاب، فالاستثناء إنما هو من التوفيق لا من العذاب إن ماتوا على نفاقهم.

وقد بين ما قلنا في ذلك قوله: "أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ" فمعنى الكلام إذن: ويعذّب المنافقين إذ لم يهدهم للتوبة، فيوفقهم لها، أو يتوب عليهم فلا يعذّبهم.

وقوله: "إنّ اللّهَ كانَ غَفُورا رَحِيما" يقول: إن الله كان ذا ستر على ذنوب التائبين، رحيما بالتائبين أن يعاقبهم بعد التوبة.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{إن الله كان غفورا رحيما} أي لم يزل غفورا رحيما، {رحيما} حين رحمهم ولم يأخذهم وقت ارتكابهم الجرم ولكن أمهلهم...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

في الدنيا يجزي الصادِقين بالتمكين والنصرة على العدو وإعلاء الراية، وفي الآخرة بجميل الثواب وجزيلِ المآب والخلودِ في النعيم المقيم والتقديمِ على الأمثال بالتكريم والتعظيم.

{وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} على الوجه الذي سَبق به العلم، وتَعَلَّقت به المشيئة، ويقال: إذا لم يجزم بعقوبة المنافق وعَلَّقَ القولَ فيه بالرجاء فبالحريّ ألا يُخَيِّبَ المؤمنَ في رجائه.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

{ليجزي الله الصادقين بصدقهم} أي بصدق ما وعدهم في الدنيا والآخرة كما صدقوا مواعيدهم ويعذب المنافقين الذين كذبوا واخلفوا.

{إن شاء} ذلك فيمنعهم من الإيمان أو يتوب عليهم إن أراد، وإنما قال ذلك حيث لم يكن قد حصل يأس النبي عليه الصلاة والسلام عن إيمانهم وآمن بعد ذلك ناس منهم.

{ويعذب المنافقين} مع أنه كان غفورا رحيما، لكثرة ذنبهم وقوة جرمهم ولو كان دون ذلك لغفر لهم.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

إنما يختبر عباده بالخوف والزلزال ليميز الخبيث من الطيب، فيظهر أمر هذا بالفعل، وأمر هذا بالفعل، مع أنه تعالى يعلم الشيء قبل كونه، ولكن لا يعذب الخلق بعلمه فيهم، حتى يعملوا بما يعلمه فيهم.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان كأنه قيل: قد فهم من سياق هذه القصة أن القصد الإقبال عليه سبحانه، وقطع جميع العلائق من غيره، لأنه قادر على كل شيء، فهو يكفي من أقبل عليه كل مهم وإن كان في غاية العجز عنه، تارة بسبب ظاهر، وتارة بغيره، فما له لم يحكم بالاتفاق على كلمة السلام، لتحصل الراحة من هذا العناء كله، فأجيب بأن هذا لتظهر صفة العز والعظمة والعدل وغيرها ظهوراً تاماً إلى غير ذلك من حكم ينكشف عنها الحجاب، وترفع لتجليها غاية التجلي ستور الأسباب، فقال تعالى معلقاً بقوله: {جاءتكم جنود}: {ليجزي الله} أي الذي يريد إظهار جميع صفاته يوم البعث للخاص والعام ظهوراً تاماً.

{الصادقين} في ادعاء أنهم آمنوا به.

{بصدقهم} فيعلي أمرهم في الدنيا وينعمهم في الأخرى، فالصدق سبب وإن كان فضلاً منه لأنه الموفق له.

{ويعذب المنافقين} في الدارين بكذبهم في دعواهم الإيمان المقتضي لبيع النفس والمال.

{إن شاء} يعذبهم على النفاق.

{أو يتوب عليهم} أي بما يرون من صدقه سبحانه في إعزاز أوليائه وإذلال أعدائه بقدرته التامة، حيث كانوا قاطعين بخلاف ذلك.

ولما كانت توبة المنافقين مستعبدة لما يرون من صلابتهم في الخداع وخبث سرائرهم، قال معللاً ذلك كله على وجه التأكيد: {إن الله} أي بما له من الجلال والجمال {كان} أزلاً وأبداً {غفوراً رحيماً} يستر الذنب وينعم على صاحبه بالكرامة، أما في الإثابة لكل فالرحمة عامة، وأما في تعذيب المنافق فيخص الصادقين، لأن عذاب أعدائهم من أعظم نعيمهم، وفي حكمه بالعدل عموم الرحمة أيضاً، فهو لا يعذب أحداً فوق ما يستحق...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وهذه الصورة الوضيئة لهذا النموذج من المؤمنين تذكر هنا تكملة لصورة الإيمان، في مقابل صورة النفاق والضعف ونقض العهد من ذلك الفريق، لتتم المقابلة في معرض التربية بالأحداث وبالقرآن. ويعقب عليها ببيان حكمة الابتلاء، وعاقبة النقض والوفاء؛ وتفويض الأمر في هذا كله لمشيئة الله

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والجزاء: الثواب لأن أكثر ما يستعمل فعل جَزى أن يكون في الخير، ولأن ذكر سبب الجزاء وهو {بصدقهم} يدل على أنه جزاء إحسان،وإظهار اسم الجلالة في مقام إضماره للدلالة على عظمة الجزاء.

وتعليق التعذيب على المشيئة تنبيه لهم بسَعَة رحمة الله وأنه لا يقطع رجاءهم في السعي إلى مغفرة ما أتوه بأن يتُوبوا فيتوب الله عليهم، أي غفور للمذنب إذا أناب إليه، رحيم بالمحسن أن يجازيه على قدر نصبه.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

تأمل هنا رحمة الخالق بالخلق، هذه الرحمة التي ما حرم منها حتى المنافق، فقال سبحانه {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ... وسبق أن تحدثنا عن صفتي المغفرة والرحمة وقلنا: غفور رحيم من صيغ المبالغة، الدالة على كثرة المغفرة وكثرة الرحمة، وأن القرآن كثيرا ما يقرن بينهما، فالمغفرة أولا لتستر العيب والنقائص، ثم يتلوها الرحمة من الله، بأن تمتد يده سبحانه بالإحسان...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

تبيّن الآية التالية النتيجة النهائية لأعمال المؤمنين والمنافقين في جملة قصيرة، فتقول: (ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذّب المنافقين إن شاء) فلا يبقى صدق وإخلاص ووفاء المؤمنين بدون ثواب، ولا ضعف وإعاقات المنافقين بدون عقاب.

ومع ذلك ولكي لا يغلق طريق العودة والإنابة بوجه هؤلاء المنافقين العنودين، فإنّ الله سبحانه قد فتح أبواب التوبة أمامهم بجملة: (أو يتوب عليهم) إذا تابوا ووصف نفسه بالغفور والرحيم (إنّ الله كان غفوراً رحيماً) ليحيي فيهم الحركة نحو الإيمان والصدق والإخلاص والوفاء بالتزاماتهم أمام الله والعمل بمقتضاها.

ولمّا كانت هذه الجملة قد ذكرت كنتيجة لأعمال المنافقين القبيحة، فإنّ بعض كبار المفسّرين رأى على أساسها بأنّ الذنب الكبير في القلوب التي لها قابلية الهداية، ربّما كان دفعاً للحركة المضادّة والرجوع إلى الحقّ والحقيقة، وقد يكون الشرّ مفتاحاً للخير والرشاد.