روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ} (6)

{ فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ } بيان كما قال الطبرسي لعذابهم الأخروي إثر بيان عذابهم الدنيوي خلا أنه تعرض كما قيل لبيان مبادي أحوال المكلفين جميعاً لكونه أدخل في التهويل . والفاء عند البعض لترتيب الأحوال الأخروية على الدنيوية ذكراً حسب ترتبها عليها وجوداً . وذكر العلامة الطيبي أن الفاء فصيحة على معني فما كان دعواهم في الدنيا إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا فقطعنا دابرهم ثم لنحشرنهم فلنسألنهم ، ووضع على هذا الظاهر موضع الضمير لمزيد التقرير . وقال في «الكشف » : لعل الأوجه أن يجعل هذا متعلقاً بقوله تعالى : { اتبعوا * وَلاَ تَتَّبِعُواْ } [ الأعراف : 3 ] ويجعل قوله سبحانه : { وَكَم مّن قَرْيَةٍ } [ الأعراف : 4 ] الخ معترضاً حثا على الاعتبار بحال السابقين ليتشمروا في الاتباع اه . والأمر عند من جعل الكلام السابق على التقديم والتأخير وادعى أن مجيء البأس في الآخرة سهل كما لا يخفى ، أي لنسألن الأمم قاطبة أو هؤلاء قائلين ماذا أجبتم المرسلين ؟ .

{ وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين } ماذا أجيبوا ، والمراد من هذا السؤال توبيخ الكفرة وتقريعهم ، والمنفي في قوله تعالى : { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } [ الرحمن : 39 ] سؤال الاستعلام فلا منافاة بين الآيتين ، وجمع آخرون بينهما بأن للمثبت موقفاً وللمنفي آخر . وقال الإمام : «إنهم لا يسألون عن الأعمال ( أي ما فعلتم ) ولكن يسألون عن الدواعي التي دعتهم إلى الأعمال والصوارف التي صرفتهم عنها » أي لم كان كذا ، وقيل : معنى { لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } لا يعاقب بذنبه غيره ، وقيل : المراد من الذين أرسل إليهم الأنبياء ومن المرسلين الملائكة الذين بلغوهم رسالات ربهم . وروي ذلك عن فرقد وهو كما ترى ، وقيل : لا حاجة إلى التوفيق فإن المنفى هو السؤال عن الذنب لا مطلق السؤال . ورد بأن عدم قبول دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام ذنب وأي ذنب فسؤالهم عنه ينافيه وفيه نظر .

وتخصيص سؤال المرسلين عليهم السلام بما ذكرنا هو الذي يشهد به الأخبار وتدل عليه الآثار ، وفي القرآن ما يؤيد ذلك فقد قال سبحانه : { يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ } [ المائدة : 109 ] وتخصيص سؤال الذين أرسل إليهم بما تقدم هو الذي جرى عليه جماعة من المفسرين . وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري أنه يقال للذين أرسل إليهم : هل بلغكم الرسل ؟ ويقال للمرسلين : ماذا ردوا عليكم . وأخرج أيضاً عن القاسم أبي عبد الرحمن أنه تلا هذه الآية فقال يسأل العبد يوم القيامة عن أربع خصال يقول ربك : ألم أجعل لك جسداً ففيم أبليته ؟ ألم أجل لك علماً ففيم عملت بما علمت ؟ ألم أجعل لك ماًلا ففيم أنفقته في طاعتي أم في معصيتي ؟ ألم أجعل لك عمرا ففيم أفنيته ؟ . وأخرج هو وغيره عن طاوس أنه قرأ ذلك فقال الإمام : يسأل عن الناس والرجل يسأل عن أهله والمرأة تسأل عن بيت زوجها والعبد يسأل عن مال سيده ، ولعل الظاهر أن سؤال كل من المرسل إليهم والمرسلين هنا عن أمر يتعلق بصاحبه ، ولا يأبى هذا أن المكلفين يسألون عن أمور أخر والمواقف يوم القيامة شتى ويسأل السيد ذو الجلال عباده فيها عن مقاصد عديدة فطوبى لمن أحذ بعضده السعد فأجاب بما ينجيه .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ} (6)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم قال: {فلنسألن} في الآخرة {الذين أرسل إليهم}، يعني الأمم الخالية الذين أهلكوا في الدنيا: ما أجابوا الرسل...؟ {ولنسألن المرسلين} ماذا أجيبوا...؟

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: لنسألنّ الأمم الذين أرسلت إليهم رسلي ماذا عملت فيما جاءتهم به الرسل من عندي من أمري ونهيي؟ هل عملوا بما أمرتهم به وانتهوا عما نهيتهم عنه وأطاعوا أمري، أم عصوني، فخالفوا ذلك؟ "وَلَنَسْأَلَنّ المُرْسَلِينَ "يقول: ولنسألنّ الرسل الذين أرسلتهم إلى الأمم، هل بلغتهم رسالاتي وأدّت إليهم ما أمرتهم بأدائه إليهم، أم قصّروا في ذلك ففرّطوا ولم يبلغوهم؟.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

أقسم الله تعالى في هذه الآية أنه يسأل المكلفين الذين أرسل إليهم رسله، وأقسم أيضا أنه يسأل الصادقين المرسلين الذين بعثهم، فيسأل هؤلاء عن الإبلاغ، ويسأل أولئك عن الامتثال، وهو تعالى وإن كان عالما بما كان منهم، فإنما أخرجه مخرج التهديد والزجر ليتأهب العباد ويحسنوا الاستعداد لذلك السؤال.

تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :

(فلنسألن الذين أرسل إليهم): هذا سؤال توبيخ، لا سؤال استعلام.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

وقد نُفي السؤال في آيات وذلك هو سؤال الاستفهام الحقيقي. وقد أُثبت في آيات كهذه الآية وهذا هو سؤال التقرير، فإن الله قد أحاط علماً بكل ذلك قبل السؤال فأما الأنبياء والمؤمنون فيعقبهم جوابهم رحمة وكرامة، وأما الكفار ومن نفذ عليه الوعيد من العصاة فيعقبهم جوابهم عذاباً وتوبيخاً، فمن أنكر منهم قص عليه بعلم.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

لقائل أن يقول: المقصود من السؤال أن يخبر المسؤول عن كيفية أعماله، فلما أخبر الله عنهم في الآية المتقدمة أنهم يقرون بأنهم كانوا ظالمين، فما الفائدة في ذكر هذا السؤال بعده؟ وأيضا قال تعالى بعد هذه الآية: {فلنقصن عليهم بعلم} فإذا كان يقصه عليهم بعلم، فما معنى هذا السؤال؟ والجواب: أنهم لما أقروا بأنهم كانوا ظالمين مقصرين، سئلوا بعد ذلك عن سبب ذلك الظلم والتقصير، والمقصود منه التقريع والتوبيخ. فإن قيل: فما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنه لم يصدر عنهم تقصير البتة؟ قلنا: لأنهم إذا أثبتوا أنه لم يصدر عنهم تقصير البتة التحق التقصير بكليته بالأمة، فيتضاعف إكرام الله في حق الرسل لظهور براءتهم عن جميع موجبات التقصير، ويتضاعف أسباب الخزي والإهانة في حق الكفار، لما ثبت أن كل التقصير كان منهم...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وسؤال المرسلين عن تبليغهم الرّسالة سؤال إرهاب لأمُمِهم، لأنّهم إذا سمعوا شهادة رسلهم عليهم أيقنوا بأنّهم مسوقون إلى العذاب ...

...

فإن فائدة الإرسال هي إجابة الرّسل، فلا جرم أن يسأل عن ذلك المُرسَل إليهم، ولمّا كان المقصود الأهمّ من السّؤال هو الأمم، لإقامة الحجّة عليهم في استحقاق العقاب، قُدّم ذكرهم على ذكر الرّسل، ولما تدُلّ عليه صلة (الذي) وصلة (ال) من أنّ المسؤول عنه هو ما يتعلّق بأمر الرّسالةِ، وهو سؤال الفريقين عن وقوع التّبليغ.