{ وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ } أي في هؤلاء الصم البكم { خَيْرًا } أي شيئاً من جنس الخير الذي من جملته صرف قواهم إلى تحري الحق واتباع الهدى { لاسْمَعَهُمْ } سماع تدبر وتفهم ولوقفوا على الحق وآمنوا بالرسول عليه الصلاة والسلام وأطاعوه { وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ } سماع تفهم وتدبر وقد علم أن لا خير فيهم { لَتَوَلَّواْ } ولو ينتفعوا به وارتدوا بعد التصدق والقبول { وَهُم مُّعْرِضُونَ } لعنادهم ، والجملة حال مؤكدة مع اقترانها بالواو ، ومما ذكر يعلم الجواب عما قيل : إن الآية قياس اقتراني من شرطيتين ونتيجته غير صحيحة لما أنه أشير فيه أولاً إلى منع القصد إلى القياس لفقد الكلية الكبرى ، وثانياً إلى منع فساد النتيجة إذ اللازم لو علم الله تعالى فيهم خيراً في وقت لتولوا بعده قاله بعض المحققين ، وفي المغنى والجواب من ثلاثة أوجه اثنان يرجعان إلى منع كون المذكور قياساً وذلك لاختلاف الوسط . أحدهما أن التقدير لأسمعهم سماعاً نافعاً ولو أسمعهم سماعاً غير نافع لتولوا . والثاني أن يقدر ولو أسمعهم على تقدير علم عدم الخير فيهم كما أشير إليه . والثالث إلى منع استحالة النتيجة بتقدير كونه قياساً متحد الوسط ، إذ التقدير ولو علم الله تعالى فيهم خيراً في وقت ما لتولوا بعد ذلك ، ولا يخفى ضعف الجواب الأول لأنه لا قرينة على تقييد لو أسمعهم بالسماع الغير النافع ولأنه يحقق فيهم الاسماع الغير النافع إلا أن يقيد بالاسماع بعد نزول هذه الآية ، وكذا ضعف الثالث لأن علمه تعالى بالخير ولو في وقت لا يستلزم التولي بل عدمه . وأما الجواب الثاني فهو قوي لأن الشرطية الأولى قرينة على تقييد الاسماع في الشرطية الثانية بتقدير علم عدم الخير فيهم ، وذكر بعضهم في الجواب أن الشرطيتين مهملتان وكبرى الشكل الأول يجب أن تكون كلية ولو سلم فإنما ينتجان أي اللزومية لو كانتا لزوميتين وهو ممنوع ولو سلم فاستحالة النتيجة ممنوعة ، أي لا نسلم استحالة الحكم باللزوم بين المقدم والتالي وإن كان الطرفان محالين لأن علم الله تعالى فيهم خيراً محال والمحال جاز أن يستلزم المحال وإن لم يوجد بينهما علاقة عقلية على ما هو التحقيق من عدم اشتراط العلاقة في استلزام المحال للمحال .
واعترض على أصل السؤال بأن لفظ { لَوْ } لم يستعمل في فصيح الكلام في القياس الاقتراني وإنما يستعمل في القياس الاستثنائي المستثنى فيه نقيض التالي لأنها لامتناع الشي لامتناع غيره ، ولهذا لا يصح باستثناء نقيض التالي ، وعلى الجواب بأن فيه تسليم كون ما ذكر قياساف ومنع كونه منتجاً لانتفاء شرائط الإنتاج وكيف يصح اعتقاد وقوع قياس في كلام الحكيم تعالى أهملت فيه شرائط الإنتاج وإن لم يكن مراده تعالى قياسيته وذكر أن الحق أن قوله سبحانه : { لَوْ * عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا } وارد على قاعدة اللغة يعني أن سبب عدم الإسماع عدم العلم بالخير فيهم ثم ابتدأ قوله تعالى : { وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ } كلاماً آخر على طريقة لو لم يخف الله تعالى لم يعصه وحاصل ذلك أنه كلام منقطع عما قبله والمقصود منه تقرير قولهم في جميع الأزمنة حيث ادعى لزومه لما هو مناف له ليفيد ثبوته على تقدير الشرط وعدمه ، فمعنى الآية حينئذ أنه انتفى الإسماع لانتفاء علم الخير وأنهم ثابتون على التولي ففي الشرطية الأولى اللزوم في نفس الأمر وفي الثانية إدعائي فلا يكون على هيئة القياس .
وقال العلامة الثاني : يجوز أن يكون التولي منفياً بسبب انتفاء الإسماع كما هو مقتضى أصل { لَوْ } لأن التولي بمعنى الاعراض عن الشيء كما هو أصل معناه لا بمعنى مطلق التكذيب والأنكار ، فعلى تقدير عدم إسماعهم ذلك الشيء لم يتحقق التولي والاعراض لأن الاعراض عن الشيء فرع تحققه ولم يلزم من هذا تحقق الانقياد له لأن الانقياد للشيء وعدم الانقياد له ليسا على طرفي النقيض بل العدول والتحصيل لجواز ارتفاعهما بعدم ذلك الشيء وحاصله كما قيل : إنه إذا كان التولي بمعنى الاعراض يجوز أن يكون { لَوْ } بمعناه المشهور ، ويكون المقصود الأخبار بأن انتفاء الثاني في الخارج لانتفاء الأول فيه كالشرطية الأولى ولا ينتظم منهما القياس إذ ليس المقصود منهما بيان استلزام الأول للثاني في نفس الأمر ليستدل بل اعتبار السببية واللزوم بينهما ليعلم السببية بين الانتفائين المعلومين في الخارج ، وما يقال : من أن انتفاء التولي خير وقد ذكر أن لا خير فيهم مجاب عنه بأن لا نسلم ان انتفاء التولي بسبب انتفاء الاسماع خير لأنه يجوز أن يكون ذلك بسبب عدم الأهلية للاسماع وهو داء عضال وشر عظيم ، وإنما يكون خيراً لو كانوا من أهله بأن أسمعوا شيئاً ثم انقادوا له ولم يعرضوا وهذا كما يقال : لاخير في فلان لو كانت به قوة لقتل المسلمين ، فإن عدم قتل المسلمين بناء على عدم القوة والقدرة ليس خيراً فيه وإن كان خيراً له ا ه .
ورده الشريف قدس سره بما تعقبه السالكوتي عليه الرحمة . نعم قال مولانا محمد أمين بن صدر الدين : إن حمل التولي ههنا على معنى الاعراض غير ممكن لمكان قوله سبحانه : { وَهُم مُّعْرِضُونَ } وأوجب أن يحمل اما على لازم معناه وهو عدم الانتفاء لأنه يلزم الاعراض أو على ملزومه وهو الارتداد لأنه يلزمه الاعراض فليفهم ، وعن الجبائي أنهم كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أحي لنا قصيا فإنه كان شيخاً مباركاً حتى يشهد لك ونؤمن بك ، فالمعنى ولو أسمعهم كلام قصى الخ ، وقيل : هم بنو عبد الدار بن قصى لم يسلم منهم إلا مصعب بن عمير . وسويد بن حرملة كانوا يقولون : نحن صم بكم عمي عما جاء به محمد لا نسمعه ولا نجيبه قاتلهم الله تعالى فقتلوا جميعاً بأحد وكانوا أصحاب اللواء ، وعن ابن جريج أنهم المنافقون وعن الحسن أنهم أهل الكتاب ، والجملة الاسمية في موضع الحال من ضمير { تَوَلَّوْاْ } ، وجوز أن تكون اعتراضاً تذييلاً أي وهم قوم عادتهم الاعراض .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا } استعداداً صالحاً { لأسمعهم } سماع تفهم { وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ } مع عدم علم الخير فيهم { لَتَوَلَّواْ } [ الأنفال : 23 ] ولم ينتفعوا به وارتدوا سريعاً إذ شأن العارض الزوال وهم معرضون بالذات
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
اختلف أهل التأويل، فيمن عني بهذه الآية وفي معناها؛ فقال بعضهم: عني بها المشركون، وقال: معناه أنهم لو رزقهم الله الفهم لِما أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم لم يؤمنوا به، لأن الله قد حكم عليهم أنهم لا يؤمنون... قال ابن زيد، في قوله:"وَلَوْ أسْمَعْهُمْ لَتَوَلّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ": لو أسمعهم بعد أن يعلم أن لا خير فيهم ما انتفعوا بذلك، ولتولوا وهم معرضون...
وقال آخرون: بل عني بها المنافقون...
وأولى القول في تأويل ذلك بالصواب عندي ما قاله...ابن زيد لما قد ذكرنا قبل من العلة، وأن ذلك ليس من صفة المنافقين.
فتأويل الآية إذن: ولو علم الله في هؤلاء القائلين خيرا لأسمعهم مواعظ القرآن وعبره، حتى يعقلوا عن الله حججه منه، ولكنه قد علم أنه لا خير فيهم وأنهم ممن كتب لهم الشقاء فهم لا يؤمنون. ولو أفهمهم ذلك حتى يعلموا ويفهموا لتولوا عن الله وعن رسوله، وهم معرضون عن الإيمان بما دلهم على حقيقته مواعظ الله وعبره وحججه معاندون للحقّ بعد العلم به.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
مَنْ أَقْصتْه سوابقُ القسمة لم تُدْنِه لواحقُ الخدمة، ومنْ عَلِمه اللهُ بنعت الشِّقوة حَرَمَه ما يوجبُ عَفْوَه. ويقال لو كانوا في متناولات الرحمة لألبسهم صدارَ العصمة، ولكن سبَق بالحرمان حكمُهم، فختم بالضلالةِ أمرُهم.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{وَلَوْ عَلِمَ الله} في هؤلاء الصم البكم {خَيْرًا} أي انتفاعاً باللطف {لأسْمَعَهُمْ} للطف بهم حتى يسمعوا سماع المصدقين، ثم قال: {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ} عنه. يعني: ولو لطف بهم لما نفع فيهم اللطف، فلذلك منعهم ألطافه. أو، ولو لطف بهم فصدقوا لارتدوا بعد ذلك وكذبوا ولم يستقيموا...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
ثم أخبر تعالى بأن عدم سمعهم وهداهم إنما هو بما علمه الله منهم وسبق من قضائه عليهم فخرج ذلك في عبارة بليغة في ذمهم في قوله {ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم} والمراد لأسمعهم إسماع تفهيم وهدى، ثم ابتدأ عز وجل الخبر عنهم بما هم عليه من حتمه عليهم بالكفر فقال {ولو أسمعهم} أي ولو أفهمهم {لتولوا} بحكم القضاء السابق فيهم ولأعرضوا عما تبين لهم من الهدى..
والمعنى أن كل ما كان حاصلا فإنه يجب أن يعلمه الله فعدم علم الله بوجوده من لوازم عدمه، فلا جرم حسن التعبير عن عدمه في نفسه بعدم علم الله بوجوده. وتقرير الكلام: لو حصل فيهم خير، لأسمعهم الله الحجج والمواعظ سماع تعليم وتفهيم، ولو أسمعهم بعد أن علم أنه لا خير فيهم لم ينتفعوا بها، ولتولوا وهم معرضون...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
ثم أخبر تعالى بأنهم لا فهم لهم صحيح، ولا قصد لهم صحيح، لو فرض أن لهم فهما، فقال: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ} أي: لأفهمهم، وتقدير الكلام: ولكن لا خير فيهم فلم يفهمهم؛ لأنه يعلم أنه {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ} أي: أفهمهم {لَتَوَلَّوْا} عن ذلك قصدا وعنادا بعد فهمهم ذلك، {وَهُمْ مُعْرِضُونَ} عنه...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم} أي ولو علم الله فيهم استعدادا للإيمان والهدى ببقية من نور الفطرة، لم تطفئها مفاسد التربية وسوء القدرة، لأسمعهم بتوفيقه وعنايته الكتاب والحكمة سماع تفقه وتدبر، ولكنه علم أنه لا خير فيهم لأنهم ممن أحاطت بهم خطاياهم وختم على قلوبهم {ولو أسمعهم} وقد علم أن لا خير فيهم {لتولّوا} عن القبول والإذعان لما فهموا {وهم معرضون} والحال أنهم معرضون من قبل ذلك بقلوبهم عن قبوله والعمل به- كما هو مدلول الجملة الحالية- كراهة وعنادا للداعي إليه ولأهله، لا توليا عارضا موقتا، ...
...والآية نص في أنه تعالى لم يسمعهم أي لم يوفقهم للسماع النافع لأن الباعث عليه هو ما في الفطرة من نور الحق المحبب للنفس في الخير، وقد، فقدوا ذلك بإفسادهم لفطرتهم، وإطفائهم لنور الاستعداد للحق والخير الذي يذكيه سماع الحكمة والموعظة الحسنة، فصاروا ممن وصفهم في سورة المطففين المكية بقوله: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطففين: 14] وقوله في سورة البقرة {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 81]...
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
.وهذا دليل على أن اللّه تعالى لا يمنع الإيمان والخير، إلا لمن لا خير فيه، الذي لا يزكو لديه ولا يثمر عنده.. وله الحمد تعالى والحكمة في هذا.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
والمعنى أن جبلتهم لا تقبل دعوة الخير والهداية والكمال، فلذلك انتفى عنهم الانتفاع بما يسمعون من الحكمة والموعظة والإرشاد، فكانوا كالصم، وانتفى عنهم أن تصدر منهم الدعوة إلى الخير والكلام بما يفيد كمالاً نفسانياً فكانوا كالبكم، فالمعنى: لو علم الله في نفوسهم قابلية لتلقي الخير لتعلقت إرادته بخلق نفوذ الحق في نفوسهم لأن تعلق الإرادة يجري على وَفق التعلم، ولكنهم انتفت قابلية الخير عن جبلتهم التي جبلوا عليها فلم تنفذ دعوة الخير من أسماعهم إلى تعقلهم، أي بحيث لا يدخل الهدى إلى نفوسهم إلاّ بما يُقلب قلوبهم من لطف إلاّ هي بنحو اختراق أنوار نبوية إلى قلوبهم ...
ولما كان (لو) حرفاً يفيد امْتناع حصول جوابه بسبب حصول شرطه، كان أصل معنى {لوْ علم الله فيهم خيراً لأسمعهم} ولو كان في إدراكهم خير يعلمه الله لقبِلوا هديه ولكنهم لا خير في جبلة مداركهم فلا يعلم الله فيهم خيراً، فلذلك لم ينتفعوا بكلام الله فهُم كمن لا يسمع. فوقعت الكناية عن عدم استعداد مداركهم للخير، بعلم الله عدمَ الخير فيهم. ووقع تشبيه عدم انتفاعهم بفهم آيات القرآن بعدم إسماع الله إياهم، لأن الآيات كلام الله فإذا لم يقبلوها فكأن الله لم يُسمعهم كلامه فالمراد انتفاء الخير الجبلي عنهم، وهو القابلية للخير، ومعلوم أن انتفاء علم الله بشيء يساوي علمَه بعدمه لأن علم الله لا يختلف عن شيء. فصار معنى {لو علم الله فيهم خيراً} لو كان في نفوسهم خير، وعُبر عن قبولهم الخير المسموع وانفعالِ نفوسهم به بإسماع الله إياهم ما يُبلغهم الرسول عليه الصلاة والسلام من القرآن والمواعظ، فالمراد انتفاء الخير الانفعالي عنهم وهو التخلّق والامتثال لِما يسمعونه من الخير. وحاصل المعنى: لو جبلهم الله على قبول الخير لَجَعَلَهم يسمعون أي يعملون بما يدخل أصماخهم من الدعوة إلى الخير. فالكلام استدلال بانتفاء فرد من أفراد جنس الخير. وذلك هو فرد الانتفاع بالمسموع الحق، على انتفاء جنس الخير من نفوسهم، ...
... وكل من آمن منهم فهو في وقت عناده وتصميمه على العناد قد انتفت مخالطة الخير نفسه ولكن الخير يلمع عليه، حتى إذا استولى نور الخير في نفسه على ظلمة كفره ألقى الله في نفسه الخيرَ فأصبح قابلاً للإرشاد والهدى، فحق عليه أنه قد علم الله فيه خيراً حينئذٍ فأسمعه ...
وجملة: {ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} معطوفة على جملة: {ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم} أي لأفهمهم ما يسمعون وهو ارتقاء في الأخبار عنهم بانتفاء قابلية الاهتداء عن نفوسهم في أصل جبلتهم. فإنهم لما أخبر عنهم بانتفاء تعلمهم الحكمة والهدى فلذلك انتفى عنهم الاهتداء، ارتقى بالإخبار في هذا المعنى بأنهم لو قبلوا فهم الموعظة والحكمة فيما يسمعونه من القرآن وكلام النبوة لغلب ما في نفوسهم من التخلق بالباطل على ما خالطها من إدراك الخير، فحال ذلك التخلق بينهم وبين العمل بما علموا، فتولوا وأعرضوا. وهذا الحال المستقر في نفوس المشركين متفاوت القوة، وبمقدار تفاوته وبلوغه نهايته تكون مدة دوامهم على الشرك، فإذا انتهى إلى أجله الذي وضعه الله في نفوسهم وكان انتهاؤه قبل انتهاء أجل الحياة استطاع الواحد منهم الانتفاع بما يُلقى إليه فاهتدى، وعلى ذلك حال الذين اهتدوا منهم إلى الإسلام بعد التريّث على الكفر زمناً متفاوت الطول والقصر...
فهو سبحانه وتعالى قد علم أنه ليس فيهم خير، فلم يسمعهم سماع الاستجابة. والمولى سبحانه وتعالى منزه من أن يبتدئهم بعدم إسماعهم، لأنهم لم يوجد فيهم خير، والخير هنا مقصود به الإيمان الأول بالرسول، وهم لم يؤمنوا. فلم يستمعوا لنداء الهداية منه صلى الله عليه وسلم كمبلغ عن الله تعالى. إذن فعدم وجود الخير بدأ من ناحيتهم، وسبحانه وتعالى القائل: {والله يهدي القوم الكافرين} (من الآية 264 سورة البقرة) وهم – إذن -سبقوا بالكفر فلم يهدهم الله. وسبحانه وتعالى القائل: {والله لا يهدي القوم الظالمين} (من الآية 258 سورة البقرة)، وهم سبقوا بالظلم فلم يهدهم الله. وسبحانه وتعالى القائل: {والله لا يهدي القوم الفاسقين} (من الآية 108 سورة المائدة)، وهم سبقوا بالفسق فلم يهدهم الله. والله منزه عن الافتئات على بعض عباده، فلم يسمعهم سماع الاستجابة لنداء رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون). وعلم الله تعالى أزلي، لكنه لا يحاكم عباده بما علم عنهم أزلا. بل ينزل لهم حق الاختيار في التجربة الحياتية العملية...
فسبحانه وتعالى العالم أزلا، لكنه شاء أن يعلم أيضا علم الإقرار من العبد نفسه؛ لأن الله لو حكم على العباد بما علم أزلا، لقال العبد: كنت سأفعل ما يطلبه المنهج يا رب. لذلك يترك الحق الاختيار للبشر ليعلموا على ضوء اختياراتهم ويكون العمل إقرارا بما حدث منهم...