روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا} (62)

{ وَهُوَ الذى جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً } أي ذوي خلفة يخلف كل منهما الآخر بأن يقوم مقامه فيما ينبغي أن يعمل فيه . وروي هذا عن ابن عباس . والحسن . وسعيد بن جبير . وقيل : بأن يعقبه ويجيء بعده وهو اسم للحالة من خلف كالركبة والجلسة من ركب وجلس . ونصبه على أنه مفعول ثان لجعل أو حال إن كان بمعنى خلق . وجعله بعضهم بمعنى اختلافاً والمراد الاختراف في الزيادة والنقصان كما قيل أو في الوساد والبياض كما روي عن مجاهد أو فيما يعم ذلك وغيره كما هو محتمل ؛ وفي البحر يقال : بفلان خلفة واختلاف إذا اختلف كثيراً إلى متبرزه . ومن هذا المعنى قول زهير :

بها العين والآرام يمشين خلفة *** واطلاؤها ينهضن من كل مجثم

وقول الآخر يصف امرأة تنتقل من منزل في الشتاء إلى منزل في الصيف دأباً :

ولها بالماطرون إذا *** أكل النمل الذي جمعا

خلفة حتى إذا ارتفعت *** سكنت من جلق بيعا

في بيوت وسط دسكرة *** حولها الزيتون قد نبعا

انتهى وجوز عليه أن يكون المراد يذهب كل منهما ويجيء كثيراً . واعتبار المضاف المقدر على حاله وكذا فيما قبله . وفي القاموس الخلف والخلفة بالكسر المختلف . وعليه لا حاجة إلى تقدير المضاف . والمعنى جعلهما مختلفين والإفراد لكونه مصدراً في الأصل { لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ } أي ليكونا وقتين للمتذكر من فاته ورده من العبادة في أحدهما تداركة في الآخر ، وروي هذا عن جماعة من السلف ، وروي الطيالسي . وابن أبي حاتم أن عمر رضي الله تعالى عنه أطال صلاة الضحى فقيل له . صنعت شيئاً لم تكن تصنعه قال : إنه بقي على من وردى شيء فأحببت أن أتمه أو قال : أقضيه وتلا هذه الآية . وكأن التذكر مجاز عن أداء ما فات وهو «مما يتوقف الأداء عليه ، وفي الكلام تقدير كما أشير إليه . ويجوز أن يكون تقدير معنى لا إعراب { أَوْ أَرَادَ شُكُوراً } أن يشكر الله تعالى بأداء نوع من العبادة لم يكن ورداً له . وفي مجمع البيان المعنى لمن أراد النافلة بعد أداء الفريضة ، ويجوز أن يكون المعنى لمن أراد أن يتذكر ويتفكر في بدائع صنع الله تعالى فيعلم أنه لا بد لما ذكر من صانع حكيم واجب الذات ذي رحمة على العباد أو أراد أن يشكر الله سبحانه على ما فيهما من النعم وهو وجه حسن يكاد لا يلتفت لغيره لو لم يكن مأثوراً ، والظاهر أن اللام على هذا صلة { جَعَلَ } ولما كان ظهور فائدة ذلك لمن أراد التذكر أو أراد الشكر اقتصر عليه ، وجوز أن تكون للتعليل و { أَوْ } للتنويع على معنى الاشتمال على هذين المعنيين أو للتخيير على معنى الاستقلال بكل ولا منع من الاجتماع . وفائدة هذا الأسلوب إفادة الاستقلال ولو ذكر الواو بدلها لتوهم المعية ، ولعل في التعبير أولاً بأن والفعل دون المصدر الصريح كما في الشق الثاني مع أنه أخصر إيماء إلى الاعتناء بأمر التذكر فتذكر .

وقرأ أبي بن كعب { ءانٍ * يَتَذَكَّرُ } وهو أصل ليذكر فابدل التاء ذالا وأدغم . وقرأ النخعي . وابن وثاب . وزيد بن علي . وطلحة . وحمزة { أَن يَذَّكَّرَ } مضارع ذكر الثلاثي بمعنى تذكر .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا} (62)

{ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً } أي : يذهب أحدهما فيخلفه الآخر ، هكذا أبدا لا يجتمعان ولا يرتفعان ، { لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا } أي : لمن أراد أن يتذكر بهما ويعتبر ويستدل بهما على كثير من المطالب الإلهية ويشكر الله على ذلك ، ولمن أراد أن يذكر الله ويشكره وله ورد من الليل أو النهار ، فمن فاته ورده من أحدهما أدركه في الآخر ، وأيضا فإن القلوب تتقلب وتنتقل في ساعات الليل والنهار فيحدث لها النشاط والكسل والذكر والغفلة والقبض والبسط والإقبال والإعراض ، فجعل الله الليل والنهار يتوالى على العباد ويتكرران ليحدث لهم الذكر والنشاط والشكر لله في وقت آخر ، ولأن أوراد العبادات تتكرر بتكرر الليل والنهار ، فكما تكررت الأوقات أحدث للعبد همة غير همته التي كسلت في الوقت المتقدم فزاد في تذكرها وشكرها ، فوظائف الطاعات بمنزلة سقي الإيمان الذي يمده فلولا ذلك لذوى غرس الإيمان ويبس . فلله أتم حمد وأكمله على ذلك .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا} (62)

قوله تعالى : { وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً } اختلفوا فيها ، قال ابن عباس والحسن وقتادة : يعني خلفاً وعوضاً ، يقوم أحدهما مقام صاحبه ، فمن فاته عمله في أحدهما قضاه في الآخر . قال شقيق : جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ، قال : فاتتني الصلاة الليلة ، فقال : أدرك ما فاتك من ليلتك في نهارك ، فإن الله عز وجل ( جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر ) . وقال مجاهد : يعني جعل كل واحد منهما مخالفاً لصاحبه ، فجعل هذا أسود وهذا أبيض . وقال ابن زيد وغيره يعني يخلف أحدهما صاحبه إذا ذهب أحدهما جاء الآخر فهما يتعاقبان في الضياء والظلمة والزيادة والنقصان . { لمن أراد أن يذكر } قرأ حمزة بتخفيف الذال والكاف وضمها من الذكر ، وقرأ الآخرون بتشديدهما أي : يتذكر ويتعظ { أو أراد شكوراً } قال مجاهد : أي : شكر نعمة ربه عليه فيهما .