روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالَ هِيَ رَٰوَدَتۡنِي عَن نَّفۡسِيۚ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٖ فَصَدَقَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ} (26)

{ قَالَ } استئناف وجواب عما يقال : فماذا قال يوسف عليه السلام حينئذ ؟ فقيل : قال : { هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى } أي طالبتني للمواتاة لا أني أردت بها سوءاً كما زعمت وإنما قاله عليه السلام لتنزيه نفسه عن التهمة ودفع الضرر عنها لا لتفضيحها .

وفي التعبير عنها بضمير الغيبة دون الخطاب أو اسم الإشارة مراعاة لحسن الأدب مع الإيماء إلى الإعراض عنها كذا قالوا ، وفي هذا الضمير ونحو كلام فقد ذكر ابن هشام في بعض حواشيه على قول ابن مالك في ألفيته :

فما الذي غيبة أو حضور *** الخ لينظر إلى نحو { هِىَ رَاوَدَتْنِى } فإن { هِىَ } ضمير باتفاق ، وليس هو للغائب بل لمن بالحضرة ، وكذا { ياأبت استجره } [ القصص : 26 ] وهذا في المتصل وذاك في المنفصل ، وقول من يخاطب شخصاً في شأن آخر حاضر معه قلت له : اتق الله تعالى وأمرته بفعل الخير ، وقد يقال : إنه نزل الضمير فيهن منزلة الغائب وكذا في عكس ذلك يبلغك عن شخص غائب شيء فنقول : ويحك يا فلان أتفعل كذا ؟ تنزلاً له منزلة من بالحضرة ، وحينذ يقال : الحد المستفاد مما ذكر إنما هو للضمير باعتبار وضعه اه .

وقال السراج البلقيني في رسالته المسماة نشر العبير لطي الضمير المفسر لضمير الغائب إما مصرح به أو مستغنى بحضور مدلوله حساً أو علماً فالحس نحو قوله تعالى : { هِىَ رَاوَدَتْنِى } و { ياأبت استجره } [ القصص : 26 ] كما ذكره ابن مالك ، وتعقبه شيخنا أبوحيان بأنه ليس كما مثل به لأن هذين الضميرين عائدان على ما قبلهما فضمير { هِىَ رَاوَدَتْنِى } عائد على الأهل في قولها : { مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءا } [ يوسف : 25 ] ولما كنت عن نفسها بذلك ولم تقل بي بدل { بِأَهْلِكَ } كنى هو عليه السلام عنها بضمير الغيبة فقال : { هِىَ رَاوَدَتْنِى } ولم يخاطبها بأنت راودتيني ، ولا أشار إليها بهذه راودتني وكل هذا على سبيل الأدب في الألفاظ والاستيحاء في الخطاب الذي لا يليق بالأنبياء عليهم السلام ، فأبرز الاسم في صورة ضمير الغائب تأدباً مع العزيز وحياءاً منه ، وضمير { استجره } عائد على موسى فمفسره مصرح بلفظه ، وكأن ابن مالك تخيل أن هذا موضع إشارة لكون صاحب الضمير حاضراً عند المخاطب فاعتقد أن المفسر يستغنى عنه بحضور مدلوله حساً فجرى الضمير مجرى اسم الإشارة ، والتحقيق ما ذكرناه هذا كلامه .

وعندي أن الذي قاله ابن مالك أرجح مما قاله الشيخ ، وذلك أن الإثنين إذا وقعت بينهما خصومة عند حاكم فيقول المدعي للحاكم : لي على هذا كذا : فيقول المدعى عليه : هو يعلم أنه لا حق له علي ، فالضمير في هو إنما هو لحضور مدلوله حسالاً لقوله : لي كما هو المتبادر إلى الأفهام ، وأيضاً يرد على ما ذكره في ضمير

{ استجره } [ القصص : 26 ] أن موسى عليه السلام لم يسبق له ذكر عند حضوره مع بنت شعيب عليه السلام ، وقد قالت : { إِحْدَاهُمَا ياأبت استجره } [ القصص : 26 ] وقصدها بالضمير الرجل الحاضر الذي بان لها من قوته وأمانته الأمر العظيم ، ثم إن من خاصم زوجته فقال للحاضرين من أهلها . أو من غيرهم : هي طالق تطلق زوجته لوجود ما قرره ابن مالك ، ولا يتمشى على ما قرره الشيخ كما لا يخفى ، وبالجملة إن التأويل الذي ذكره في الآيتين وإن سلم فيهما لكن لا يكاد يتمشى معه في غيرهما هذا فليفهم { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا } ذهب جمع إلى أنه كان ابن خالها( {[357]} ) ، وكان طفلاً في المهد( {[358]} ) أنطقه الله تعالى ببراءته عليه السلام ، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم : " تكلم أربعة في المهد وهم صغار : ابن ماشطة ابنة فرعون . وشاهد يوسف عليه السلام . وصاحب جريج . وعيسى ابن مريم عليهما السلام " وتعقب ذلك الطيبي بقوله : يرده دلالة الحصر في حديث الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى ابن مريم . وصاحب جريج . وصبي كان يرضع من أمه فمر راكب حسن الهيئة فقالت : أمه اللهم اجعل ابني مثل هذا فترك الصبي الثدي ، وقال اللهم لا تجعلني مثله " اه ، ورده الجلال السيوطي فقال : هذا منه على جاري عادته من عدم الإطلاع على طرق الأحاديث ، والحديث المتقدم صحيح أخرجه أحمد في مسنده . وابن حبان في صحيحه . والحاكم في مستدركه وصححه من حديث ابن عباس ، ورواه الحاكم أيضاً منحديث أبي هريرة ، وقال صحيح على شرط الشيخين ، وفي حديث الصحيحين المشار إليه آنفاً زيادة على الأربعة " الصبي الذي كان يرضع من أمه فمر راكب " الخ فصاروا خمسة وهم أكثر من ذلك ، ففي «صحيح مسلم » تكلم الطفل في قصة أصحاب الأخدود ، وقد جمعت من تكلم في المهد فبلغوا أحد عشر ، ونظمتها فقلت :

تكلم في المهد النبي محمد *** ويحيى وعيسى والخليل ومريم

ومبرى جريج ثم شاهد يوسف *** وطفل لذي الأخدود وديرويه مسلم

وطفل عليه مر بالأمة التي *** يقال لها تزنى ولا تتكلم

وماشطة في عهد فرعون طفلها *** وفي زمن الهادي المبارك يختم

اه ، وفيه أنه لم يرد الطيبي الطعن على الحديث الذي ذكر كما توهم ، وإنما أراد أن بين الحديث الدال على الخصر وغيره تعارضاً يحتاج إلى التوفيق ؛ وفي «الكشف » بعد ذكره حديث الأربعة ، وما تعقب به مما تقدم عن الطيبي أنه نقل الزمخشري في سورة البروج خامساً فإن ثبتت هذه أيضاً فالوجه أن يجعل في المهد قيداً وتأكيداً لكونه في مبادىء الصبا ، وفي هذه الرواية يحمل على الإطلاق أي سواء كان في المبادي أو بعيدها بحيث يكون تكلمه من الخوارق ، ولا يخفى أنه توفيق بعيد .

وقيل : كان ابن عمها الذي كان مع زوجها لدى الباب وكان رجلاً ذا لحية ولا ينافي هذا قول قتادة : إنه كان رجلاً حكيماً من أهلها ذا رأي يأخذ الملك برأيه ويستشيره ، وجوز أن يكون بعض أهلها وكان معهما في الدار بحيث لم يشعرا به فبصر بما جرى بينهما فأغضبه الله تعالى ليوسف فقال الحق ، وعن مجاهد أن الشاهد هو القميص المقدود وليس بشيء كما لا يخفى ، وجعل الله تعالى الشاهد من أهلها قيل : لكون أدل على نزاهته عليه السلام وأنفى للتهمة وألزم لها ، وخص هذا بماإذا لم يكن الشاهد الطفل الذي أنطقه الله تعالى الذي أنطق كل شيء ، وأما إذا كان ذلك فذكر كونه من أهلها لبيان الواقع فإن شهادة الصبي حجة قاطعة ولا فرق فيها بين الأقارب وغيرهم ، وتعقب بأن كون شهادة القريب مطلقاً أقوى مما لا ينبغي أن يشك فيه ، وسمي شاهداً لأنه أدى تأديته في أن ثبت بكلامه قول يوسف وبطل قولها ، وقيل : سمي بذلك من حيث دل على الشاهد وهو تخريق القميص ، وفسر مجاهد فيما أخرجه عنه ابن جرير الشهادة بالحكم أي وحكم حاكم من أهلها { إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ } أي من قدام يوسف عليه السلام . أو من قدام القميص ؛ و { ءانٍ } شرطية ، و { كَانَ } فعل الشرط وقوله سبحانه : { فَصَدَقَتْ } جواب الشرط وهو بتقدير قد ، وإلا فالفاء لا تدخل في مثله ، وعن ابن خروف أن مثل هذا على إضمار المبتدا ، والجملة جواب الشرط لا الماضي وحده ، وفي «الكشاف » إن الشرطية هنا نظير قولك : إن أحسنت إليك منقبل لمن يمتنّ عليك بإحسانه فإنه على معنى إن تمتن على أمتن عليك ، وكذا هنا المراد أن يعلم أنه كان قميصه قدّ ونحوه وإلا فبين أن الذي للاستقبال و { كَانَ } تناف قيل : وهو مبني على ما ذهب إليه البعض من أن { كَانَ } قوية في الدلالة على الزمان فحرف الشرط لا يقلب ماضيها مستقبلاً وإلا فلا ماض دخل عليه الشرط قلبه مستقبلاً من غير حاجة إلى التأويل ، وتعقب بأنه لا بد من التأويل ههنا وجعل حدوث العلم ونحوه جزئي الشرطية كأن يقال : إن يعلم أو يظهر كونه كذلك فقد ظهر الصدق ، ويقال نظيره في الشرطية الأخرى الآتية : وإن كانت { كَانَ } مما يقلب حرف الشرط ماضيها مستقبلاً كسائر الأفعال الماضية لأن المعنى ليس على تعليق الصدق أو الكذب في المستقبل على كون القميص كذا أو كذا كذلك بل على تعليق ظهور أحد الأمرين الصدق والكذب على حدوث العلم بكونه كذلك وهو ظاهر ، وهل هذا التأويل من باب التقدير .

أو من غيره ؟ فيه خلاف ، والذي يشير إليه كلام بعض المدققين أنه ينزل في مثل ذلك العلم بالشيء منزلة استقباله لما بينهما من التلازم كما قيل : أي شيء يخفى ؟ فقيل : ما لا يكون فليفهم ، ثم إن متعلق الصدق ما دل كلامها عليه من أن يوسف أراد بها سوءاً وهو متعلق الكذب المسند إليها فيما بعد ، وهما كما يتعلقن بالنسبة التي يتضمنها الكلام باعتبار منطوقه يتعلقان بالنسبة التي يتضمنها باعتبار ما يستلزمه فكأنه قيل : { إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ } في دعواها أن يوسف أراد بها سوءاً { وَهُوَ مِنَ الكاذبين } في دعواه أنها راودته عن نفسه .

( ومن باب الإشارة ثم إنه عليه السلام لم يسعه بعد تهمتها له إلا الذب عن ساحة النبوة التي هي أمانة الله تعالى العظمى فقال : { هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى } [ يوسف : 26 ] وإلا فاللائق بمقام الكرم السكوت عن جوابها لئلا يفضحها ، وقيل : إنها لما ادعت محبة يوسف وتبرأت منها عند نزول البلاء أراد يوسف عليه السلام أن يلزمها ملامة المحبة فإن الملامة شعار المحبين ومن لم يكن ملوماً في العشق لم يكن متحققاً فيه { إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ } [ يوسف : 28 ] عظم كيدهن لأنهن إذا ابتلين بالحب أظهرن مما يجلب القلب ما يعجز عنه إبليس مع مساعدة الطبيعة إلى الميل إليهن وقوة المناسبة بين الرجال وبينهن كما يشير إليه قوله تعالى : { خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } [ النساء : 1 ] فما في العالم فتنة أضر على الرجال من النساء { قَدْ شَغَفَهَا حُبّا } قال الجنيد قدس سره : الشغف أن لا يرى المحب جفاء له جفاء بل يراه عدلاً منه ووفاء :

وتعذيبكم عذب لدى وجوركم *** علي بما يقضي الهوى لكم عدل


[357]:- وفي بعض الآثار أنه ابن أخت لها وكان عمره إذ ذاك ثلاثة أشهر اهـ منه.
[358]:- ولم يرتض ذلك الجبائي لوجوه ذكرها الإمام، ولا يخفى ما فيها اهـ منه.
 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{قَالَ هِيَ رَٰوَدَتۡنِي عَن نَّفۡسِيۚ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٖ فَصَدَقَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ} (26)

فبرأ نفسه مما رمته به ، وقال : { هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي } فحينئذ احتملت الحال صدق كل واحد منهما ولم يعلم أيهما .

ولكن الله تعالى جعل للحق والصدق علامات وأمارات تدل عليه ، قد يعلمها العباد وقد لا يعلمونها ، فمنَّ الله في هذه القضية بمعرفة الصادق منهما ، تبرئة لنبيه وصفيه يوسف عليه السلام ، فانبعث شاهد من أهل بيتها ، يشهد بقرينة من وجدت معه ، فهو الصادق ، فقال : { إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ } لأن ذلك يدل على أنه هو المقبل عليها ، المراود لها المعالج ، وأنها أرادت أن تدفعه عنها ، فشقت قميصه من هذا الجانب .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قَالَ هِيَ رَٰوَدَتۡنِي عَن نَّفۡسِيۚ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٖ فَصَدَقَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ} (26)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{قال} يوسف للزوج: {هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها}، وهو... ابن عم المرأة، فتكلم بعقل ولب، قال: {إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين}، أي: إن كان يوسف هو الذي راودها، فقدت، يعني: فمزقت قميصه من قبل، يعني من قدامه، فصدقت على يوسف، ويوسف من الكاذبين في قوله.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: قال يوسف، لما قذفته امرأة العزيز بما قذفته من إرداته الفاحشة منها مكذّبا لها فيما قذفته به ودفعا لما نُسِب إليه: ما أنا راودتها عن نفسها، بل هي راودتني عن نفسي. وقد قيل: إن يوسف لم يرد ذكر ذلك لو لم تقذفه عند سيدها بما قذفته به...

وأما قوله: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها}، فإن أهل العلم اختلفوا في صفة الشاهد؛ فقال بعضهم: كان صبيّا في المهد... حدثنا الحسن بن محمد، قال: أخبرنا عفان، قال: حدثنا حماد، قال: أخبرني عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «تَكَلّمَ أرْبَعَةٌ وَهُمْ صِغَارٌ»، فذكر فِيهمْ شاهِدَ يُوسُفَ.

وقال آخرون: كان رجلاً ذا لحية... عن عكرمة، وذكره عنده:"وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها" فقالوا: كان صبيّا، فقال: إنه ليس بصبيّ ولكنه رجل حكيم...

وقيل: معنى قوله: {وَشَهِدَ شاهِدٌ}: حكم حاكم.

حدثت بذلك عن الفراء، عن معلى بن هلال، عن أبي يحيى، عن مجاهد.

وقال آخرون: إنما عنى بالشاهد: القميص المقدود...

والصواب من القول في ذلك، قول من قال: كان صبيّا في المهد للخبر الذي ذكرناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر من تكلم في المهد، فذكر أن أحدهم صاحب يوسف. فأما ما قاله مجاهد من أنه القميص المقدود، فما لا معنى له؛ لأن الله تعالى ذكره أخبر عن الشاهد الذي شهد بذلك أنه من أهل المرأة، فقال: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها}، ولا يقال للقميص هو من أهل الرجل ولا المرأة.

وقوله: {إنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدّ مِنْ قُبُلً فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ}، لأن المطلوب إذا كان هاربا فإنما يؤتى من قبل دبره، فكان معلوما أن الشقّ لو كان من قُبُل لم يكن هاربا مطلوبا، ولكن كان يكون طالبا مدفوعا، وكان ذلك شهادة على كذبه...

وقوله: {فَلَمّا رأى قَمِيصَهُ قُدّ مِنْ دُبُرٍ}، خبر عن زوج المرأة، وهو القائل لها: إن هذا الفعل {من كيدكنّ}: أي صنيعكنّ، يعني: من صنيع النساء، {إن كيدكنّ عظيم}. وقيل: إنه خبر عن الشاهد أنه القائل ذلك.

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

{قال هي راودتني عن نفسي} لأنها لما برأت نفسها بالكذب عليه احتاج أن يبرئ نفسه بالصدق عليها، ولو كفت عن الكذب عليه لكف عن الصدق عليها...

{وشهد شاهد من أهلها} لأنهما لما تعارضا في القول احتاج الملك إلى شاهد يعلم به صدق الصادق منهما من الكاذب، فشهد شاهد من أهلها، أي حكم حاكم من أهلها لأنه حكم منه وليس شهادة...

ا

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

أفصح يوسف عليه السلام بِجُرْمِها إذ ليس للفاسق حُرْمَة يجب حِفْظُهُا، فلم يُبَالِ أَنْ هَتَك سترها فقال: {هِي رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي} فلمَّا كان يوسفُ صادقاً في قوله؛ ولم يكن له شاهدٌ أنطق اللَّهُ الصبيَ الصغير الذي لم يبلغ أوانَ النطق. ولهذا قيل إذا كان العبد صادقاً في نفسه لم يبالِ اللَّهُ أن يُنْطِقَ الحجرَ لأجله. قوله: {فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ...

} لما اتضح الأمرُ واستبان الحالُ وظهرت براءة ساحة يوسف عليه السلام قال العزيز: {إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ}: دلَّت الآية على أَنَّ الزنا كان مُحرَّماً في شرعهم.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

ولما أغرت به وعرّضته للسجن والعذاب وجب عليه الدفع عن نفسه فقال: {هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى} ولولا ذلك لكتم عليها... إنما ألقى الله الشهادة على لسان من هو من أهلها؛ لتكون أوجب للحجة عليها، وأوثق لبراءة يوسف، وأنفى للتهمة عنه...

فإن قلت: لم سمي قوله شهادة وما هو بلفظ الشهادة؟ قلت: لما أدّى مؤدى الشهادة في أن ثبت به قول يوسف وبطل قولها سمي شهادة... فإن قلت: إن دل قدّ قميصه من دبر على أنها كاذبة وأنها هي التي تبعته واجتبذت ثوبه إليها فقدّته، فمن أين دل قدّه من قبل على أنها صادقة، وأنه كان تابعها؟ قلت: من وجهين، أحدهما: أنه إذا كان تابعها وهي دافعته عن نفسها قدت قميصه من قدّامه بالدفع. والثاني: أن يسرع خلفها ليلحقها فيتعثر في مقادم قميصه فيشقه...

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

لَيْسَتْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ مِنْ شَهَادَاتِ الْأَحْكَامِ الَّتِي تُفِيدُ الْإِعْلَامَ عِنْدَ الْحُكَّامِ، وَيَتَفَرَّدُ بِعِلْمِهَا الشَّاهِدُ فَيطلِعُ عَلَيْهَا الْحَاكِم، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى أَخْبَرَ عَنْ عِلْمِ مَا كَانَ عَنْهُ الْقَوْمُ غَافِلِينَ... قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْمُفَسِّرِينَ: لَوْ كَانَ هَذَا الْشاهِدُ طِفْلًا لَكَانَ فِي كَلَامِهِ فِي الْمَهْدِ وَشَهَادَتِهِ آيَةٌ لِيُوسُفَ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى ثَوْبٍ وَلَا إلَى غَيْرِهِ. وَهَذَا ضَعِيفٌ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ يَتَكَلَّمُ فِي الْمَهْدِ مُنَبِّهًا لَهُمْ عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ الَّذِي كَانُوا عَنْهُ غَافِلِينَ، وَكَانَتْ آيَةً تَبَيَّنَتْ بِهَا بَرَاءَةُ يُوسُفَ مِنْ الْوَجْهَيْنِ: مِنْ جِهَةِ نُطْقِ الصَّبِيِّ، وَمِنْ جِهَةِ ذِكْرِ الدَّلِيلِ...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أن المرأة لما ذكرت هذا الكلام ولطخت عرض يوسف عليه السلام احتاج يوسف إلى إزالة هذه التهمة فقال: {هي راودتني عن نفسي}، وأن يوسف عليه السلام ما هتك سترها في أول الأمر إلا أنه لما خاف على النفس وعلى العرض أظهر الأمر. واعلم أن العلامات الكثيرة كانت دالة على أن يوسف عليه السلام هو الصادق:

فالأول: أن يوسف عليه السلام في ظاهر الأمر كان عبدا لهم والعبد لا يمكنه أن يتسلط على مولاه إلى هذا الحد.

والثاني: أنهم شاهدوا أن يوسف عليه السلام كان يعدو عدوا شديدا ليخرج والرجل الطالب للمرأة لا يخرج من الدار على هذا الوجه، والثالث: أنهم رأوا أن المرأة زينت نفسها على أكمل الوجوه، وأما يوسف عليه السلام فما كان عليه أثر من آثار تزيين النفس فكان إلحاق هذه الفتنة بالمرأة أولى، الرابع: أنهم كانوا قد شاهدوا أحوال يوسف عليه السلام في المدة الطويلة فما رأوا عليه حالة تناسب إقدامه على مثل هذا الفعل المنكر، وذلك أيضا مما يقوي الظن، الخامس: أن المرأة ما نسبته إلى طلب الفاحشة على سبيل التصريح بل ذكرت كلاما مجملا مبهما، وأما يوسف عليه السلام فإنه صرح بالأمر ولو أنه كان متهما لما قدر على التصريح باللفظ الصريح فإن الخائن خائف؛ ...، فلما حصلت هذه الأمارات الكثيرة الدالة على أن مبدأ هذه الفتنة كان من المرأة استحيا الزوج وتوقف وسكت لعلمه بأن يوسف صادق والمرأة كاذبة...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

فكأنه قيل: فماذا قال حين قذفته بهذا؟ فقيل {قال} دافعاً عن نفسه لا هاتكاً لها {هي} بضمير الغيبة لاستيحائه عن مواجهتها بإشارة أو ضمير خطاب {راودتني عن نفسي} وما قال ذلك إلا حين اضطرته إليه بنسبته إلى الخيانة، وصدقه لعمري فيما قال لا يحتاج إلى بيان أكثر من الحال الذي كانا فيه، وهو أنهما عند الباب، ولو كان الطلب منه لما كانا إلا في محلها الذي تجلس فيه، وهو صدر البيت وأشرف موضع فيه {وشهد} ولما كان كل صالح للشهادة كافياً، فلم تدع ضرورة إلى تعيينه، قال: {شاهد} أي عظيم {من أهلها} لأن الأهل أعظم في الشهادة، رضيع ببراءته -نقله الرماني عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهما وسعيد ابن جبير، كما شهد للنبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع صبي من أهل اليمامة يوم ولد بأنه رسول الله، فكان يدعى: مبارك اليمامة. فقال ذلك الشاهد {إن كان} أي حال المراوغة {قميصه} أي فيما يتبين لكم {قدَّ} أي شق شقاً مستأصلاً {من قبل} أي من جهة ما أقبل من جسده {فصدقت} ولا بد من تقدير فعل التبين، لأن الشروط لا تكون معانيها إلا مستقبلة ولو كانت ألفاظها ماضية. ولما كان صدقها ليس قاطعاً في منع صدقه، قال: {وهو من الكاذبين} لأنه لولا إقباله- وهي تدفعه عنها أو تهرب منه وهو يتبعها ويعثر في قميصه -ما كان القد من القبل...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{قال هي راودتني عن نفسي} فامتنعت وفررت كما ترى، فصارت النازلة أو القضية باختلاف قوليهما موضوع بحث وتحقيق وتشاور بين زوجها وأهلها لم يبين لنا التنزيل تفصيله لأن المقصود من القصة فيه بيان نزاهة يوسف وفضائله للعبرة بها وإنما علمنا أن هذا وقع بالفعل، كما نعلم أنه كان متوقعا بحكم العادة والعقل، ومن قوله تعالى: {وشهد شاهد من أهلها} أي أخبر عن مشاهدة أو علم كالمشاهدة، وقيل حكم مستدلا بما ذكر، وقد اختلفوا في هذا الشاهد كعادتهم في المبهمات التي يكثر فيها التخيل والاختراع هل كان صغيرا أو كبيرا أو حكيما أو من خاصة الملك أو حيوانا حتى رووا عن مجاهد أنه قال ليس بأنسي ولا جان هو خلق من خلق الله: مع قول الله إنه من أهلها، ولكن الرواية عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك أنه كان صبيا في المهد يؤيدها ما رواه أحمد وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم) وابن جرير عن أبي هريرة قال: (عيسى ابن مريم، وصاحب يوسف، وصاحب جريج تكلموا في المهد) وهذا موقوف والمرفوع ضعيف، وقد اختاره ابن جرير وحكاه ابن كثير بدون تأييد ولا رد، وأما هذه الشهادة وفسرها بعضهم بالحكم فهي قوله: {إن كان قميصه قد من قبل} أي من قدام {فصدقت} في دعواها أنه أراد بها سوءا، فإنه لما وثب عليها أخذت بتلابيبه فجاذبها فانقد قميصه وهما يتنازعان ويتصارعان {وهو من الكاذبين} في دعواه أنها راودته فامتنع وفر فتبعته وجذبته تريد إرجاعه.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

جملة {قال هي راودتني عن نفسي} من قول يوسف عليه السّلام، وفصلت لأنها جاءت على طريقة المحاورة مع كلامها. ومخالفة التعبير بين {أن يسجن أو عذابٌ} دون أن يقول: إلا السجنُ أو عذاب، لأن لفظ السجن يطلق على البيت الذي يوضع فيه المسجون ويطلق على مصدر سجن، فقوله: {أن يسجن} أوضح في تسلط معنى الفعل عليه.

وتقديم المبتدأ على خبره الذي هو فعل يفيد القصر، وهو قصر قلب للرد عليها. وكان مع العزيز رجل من أهل امرأته، وهو الذي شهد وكان فطناً عارفاً بوجوه الدلالة.

وسمي قوله شهادة لأنه يؤول إلى إظهار الحق في إثبات اعتداء يوسف عليه السّلام على سيدته أو دحضه. وهذا من القضاء بالقرينة البينة لأنها لو كانت أمسكت ثوبه لأجل القبض عليه لعقابه لكان ذلك في حال استقباله له إياها فإذا أراد الانفلات منها تخرق قميصه من قُبُل، وبالعكس إن كان إمساكه في حال فرار وإعراض. ولا شك أن الاستدلال بكيفية تمزيق القميص نشأ عن ذكر امرأة العزيز وقوع تمزيق القميص تحاول أن تجعله حجة على أنها أمسكته لتعاقبه، ولولا ذلك ما خطر ببال الشاهد أن تمزيقاً وقع وإلا فمن أين علم الشاهد تمزيق القميص. والظاهر أن الشاهد كان يظن صدقها فأراد أن يقيم دليلاً على صدقها فوقع عكس ذلك كرامة ليوسف عليه السّلام.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

ولكن يوسف أدرك أنّ السكوت هنا غير جائز.. فأماط اللثام عن عشق امرأة العزيز (وقال هي راودتني عن نفسي).

وطبيعي أنّ مثل هذا الحادث من العسير تصديقه في البداية، أي إنّ شابّاً يافعاً غير متزوّج لا يُعدّ آثماً، ولكن امرأة متزوّجة ذات مكانة اجتماعية ظاهراً آثمة! فلذلك كانت أصابع الاتهام تشير إلى يوسف أكثر من امرأة العزيز.

ولكن حيث أنّ الله حامي الصالحين والمخلصين فلا يرضى أن يحترق هذا الشاب المجاهد بشعلة الاتهام، لذلك يقول القرآن في هذا الصدد: (وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قدّ من قُبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قدّ من دُبر فكذبت وهو من الصادقين). وأي دليل أقوى من هذا الدليل، لأنّ طلب المعصية إن كان من طرف امرأة العزيز فقد ركضت خلف يوسف وقدّت قميصه من دُبر، لأنّه كان يريد الفرار فأمسكت بثوبه فقدّته، وإذا كان يوسف هو الذي هجم عليها وهي تريد الفرار أو وقفت أمامه للمواجهة والدفاع، فمن المسلّم أن يُقدّ قميص يوسف من قُبل! وأيّ شيء أعجب من أن تكون هذه المسألة البسيطة «خرق الثوب» مؤشّراً على تغيير مسير حياة بريء وسنداً على طهارته ودليلا على افتضاح المجرم!.