{ واستبقا الباب } متصل بقوله سبحانه : { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا } [ يوسف : 24 ] الخ ، وقوله تعالى : { كذلك } [ يوسف : 24 ] الخ اعتراض جيء به بين المعطوفين تقريراً لنزاهته عليه السلام ، والمعنى لقد همت به وأبى هو واستبقا أي تسابقا إلى الباب على معنى قصد كل من يوسف عليه السلام وامرأة العزيز سبق الآخر إليه فهو ليخرج وهي لتمنعه من الخروج ؛ وقيل : المراد من السبق في جانبها الإسراع إثره إلا أنه عبر بذلك للمبالغة ، ووحد الباب هنا مع جمعه أولاً لأن المراد الباب البراني الذي هو المخلص ؛ واستشكل بأنه كيف يستبقان إليه ودونه أبواب جوانيه بناءاً على ما ذكروا من أن الأبواب كانت سبعة .
وأجيب بأنه روى عن كعب أن أقفال هاتيك الأبواب كانت تتناثر إذا قرب إليها يوسف عليه السلام وتتفتح له ؛ ويحتمل أنه لم تكن تلك الأبواب المغلقة على الترتيب باباً فباباً بل كانت في جهات مختلفة كلها منافذ للمكان الذي كانا فيه فاستبقا إلى باب يخرج منه ، ونصب الباب على الاتساع لأن أصل استبق أن يتعدى بإلى لكن جاء كذلك على حد { وَإِذَا كَالُوهُمْ } [ المطففين : 3 ] { واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً } [ الأعراف : 155 ] ، وقيل : إنه ضمن الاستباق معنى الابتدار فعدى تعديته { وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ } يحتمل أن يكون معطوفاً على { استبقا } ، ويحتمل أن يكون في موضوع الحال كما قال أبو حيان أي وقدقدت ، والقدّ القطع والشق وأكثر استعماله فيما كان طولاً وهو المراد هنا بناءاً على ما قيل : إنها جذبته من وراء فانخرق القميص إلى أسفله ، ويستعمل القط فيما كان عرضاً ، وعلى هذا جاء ما قيل في وصف علي كرم الله تعالى وجهه : إنه كان إذا اعتلى قدّ وإذا اعترض قط ، وقيل ، القدّ هنا مطلق الشق ، ويؤيده ما نقل عن ابن عطية أنه قرأت فرقة وقط وقد وجد ذلك في مصحف المفضل بن حرب .
وعن يعقوب تخصيص القدّ بما كان في الجلد والثوب الصحيحين ، والقميص معروف ، وجمعه أقمصة . وقمص . وقمصان ، وإسناد القدّ بأي معنى كان إليها خاصة مع أن لقوة يوسف عليه السلام أيضاً دخلا فيه إما لأنها الجزء الأخير للعلة التامة ، وإما للائيذان بمبالغتهافي منعه عن الخروج وبذل مجهودها في ذلك لفوت المحبوب أو لخوف الافتضاح { دُبُرٍ وَأَلْفَيَا } أي وجدا ، وبذلك قرأ عبد الله { سَيِّدَهَا } أي زوجها وهو فيعل( {[356]} ) من ساد يسود ، وشاع إطلاقه على المالك وعلى الرئيس ، وكانت المرأة إذ ذاك على ما قيل : تقول لزوجها سيدي ، ولذا لم يقل سيدهما ، وفي البحر إنما لم يضف إليهما لأنه لم يكن مالكاً ليوسف حقيقة لحريته { لدا * الباب } أي عند الباب البراني ، قيل : وجداه يريد أن يدخل مع ابن عمر لها { قَالَتْ } استئناف مبني على سؤال يقول ؛ فماذا كان حين ألفيا السيد عند الباب ؟ فقيل :
قالت : { مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءا } من الزنا ونحوه .
{ إِلا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } الظاهر أن { مَا } نافية ، و { جَزَاء } مبتدأ ، و { مِنْ } موصولة أو موصوفة مضاف إليه ، والمصدر المؤول خبر ، و { أَوْ } للتنويع خبر المبدأ وما بعد معطوف على ذلك المصدر أي ليس جزاؤه إلا السجن أو العذاب الأليم ، والمراد به على ما قيل : الضرب بالسوط ، وعن ابن عباس أنه القيد ، وجوز أن تكون { مَا } استفهامية فجزاء مبتدأ أو خبر أي أي شيء جزاؤه غير ذلك أو ذلك ، ولقد أتت في تلك الحالة التي يدهش فيها الفطن اللوذعي حيث شاهدها زوجها على تلك الهيئة بحيلة جمعت فيها غرضيها وهما تبرئة ساحتها مما يلوح من ظاهر الحال . واستنزال يوسف عليه السلام عن رأيه في استعصائه عليها وعدم موتاته لها على مرادها بإلقاء الرعب في قلبه من مكرها طمعاً في مواقعته لها مكرهاً عند يأسها عن ذلك مختاراً كما قالت : { لَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا ءامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وليكونا مِنَ الصاغرين } [ يوسف : 32 ] ثم إنها جعلت صدور الإرادة المذكورة عن يوسف عليه السلام أمراً محققاً مفروغاً عنه غنياً عن الأخبار بوقوعه وإن ما هي عليه من الأفاعيل لأجل تحقيق جزائرها ، ولم تصرح بالاسم بل أتت بلفظ عام تهويلاً للأمر ومبالغة في التخويف كأن ذلك قانون مطرد في حق كل أحد كائناً من كان ، وذكرت نفسها بعنوان أهلية العزيز إعظاماً للخطب وإغراءاً له على تحقيق ما يتوخاه بحكم الغضب والحمية كذا قرره غيره واحد .
وذكر الإمام في تفسيره ما فيه نوع مخالف لذلك حيث قال : إن في الآية لطائف : أحدها : أن حبها الشديد ليوسف عليه السلام حملها على رعاية دقيقتين في هذا الموضوع وذلك لأنها بدأت بذكر السجن وأخرت ذكر العذاب لأن المحب لا يسعى في إسلام المحبوب ، وأيضاً إنها لم تذكر أن يوسف عليه السلام يجب أن يقابل بأحد هذين الأمرين بل ذكرت ذلك ذكراً كلياً صوناً للمحبوب عن الذكر بالشر والألم ، وأيضاً قالت : { إِلا أَن يُسْجَنَ } والمراد منه أن يسجن يوماً . أو أقل على سبيل التخفيف ، فأما الحبس الدائم فإنه لا يعبر عنه بهذه العبارة بل يقال : يجب أن يجعل من المسجونين ، ألا ترى أن فرعون كيف قال حين هدد موسى عليه السلام : { لَئِنِ اتخذت إلها غَيْرِى لاجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين } [ الشعراء : 29 ] .
وثانيها : أنها لما شاهدت من يوسف عليه السلام أنه استعصم منها مع أنه كان في عنفوان الشباب وكمال القوة ونهاية الشهوة عظم اعتقادها في طهارته ونزاهته فاستحيت أن تقول : إن يوسف قصدني بسوء وما وجدت من نفسها أن ترميه بهذا الكذب على سبيل التصريح بل اكتفت بهذا التعريض ، وليت الحشوية كانوا يكتفون بمثل ما اكتفت به ، ولكنهم لم يفعلوه ووصفوه بعد قريب من أربعة آلاف سنة بما وصفوه من القبيح وحاشاه .
وثالثها : أن يوسف عليه السلام أراد أن يضربها ويدفعها عن نفسه وكان ذلك بالنسبة إليها جارياً مجرى السوء فقولها { مَا جَزَاء } الخ جار مجرى التعريض فلعلها بقلبها كانت تقريد إقدامه على دفعها ومنعها ، وفي ظاهر الأمر كانت توهم أنه قصدني بما لا ينبغي انتهى المراد منه ، وفيه من الانظار ما فيه .
وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما أو عذاباً أليماً بالنصب على المصدرية كما قال الكسائي : أي أو يعذب عذاباً أليماً إلا أنه حذف ذلك لظهوره ، وهذه القراءة أوفق بقوله تعالى : { أَن يُسْجَنَ } ولم يظهر لي في سر اختلاف التعبير على القراءة المشهورة ما يعول عليه ، والله تعالى أعلم بأسرار كتابه فتدبر .
( ومن باب الإشارة { واستبقا الباب } فراراً من محل الخطر . قيل : لو فر إلى الله تعالى لكفاه ولما ناله بعد ما عناه { وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لدى الباب قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءا } [ يوسف : 25 ] نفت عن نفسها الذنب لأنها علمت إذ ذاك أنها لو بينت الحق لقتلت وحرمت من حلاوة محبة يوسف والنظر إلى وجهه :
لحبك أحببت البقاء لمهجتي *** فلا طال إن أعرضت عني بقائيا
وإنما عرضت بنسبة الذنب إليه لعلمها بأنه عليه السلام لم يبق في البؤس ولا يقدر أحد على أن يؤذيه لما أن وجهه سالب القلوب وجالب الأرواح :
ولما امتنع من إجابة طلبها بعد المراودة الشديدة ، ذهب ليهرب عنها ويبادر إلى الخروج من الباب ليتخلص ، ويهرب من الفتنة ، فبادرت إليه ، وتعلقت بثوبه ، فشقت قميصه ، فلما وصلا إلى الباب في تلك الحال ، ألفيا سيدها ، أي : زوجها لدى الباب ، فرأى أمرا شق عليه ، فبادرت إلى الكذب ، أن المراودة قد كانت من يوسف ، وقالت : { مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا } ولم تقل " من فعل بأهلك سوءا " تبرئة لها وتبرئة له أيضا من الفعل .
وإنما النزاع عند الإرادة والمراودة { إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي : أو يعذب عذابا أليما .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{واستبقا الباب}، يوسف أمامها هارب منها، وهي وراءه تتبعه لتحبسه على نفسها، فأدركته قبل أن ينتهي إلى الباب،
{وقدت قميصه من دبر}، يقول: فمزقت قميصه من ورائه...
{لدا الباب}، يعني: عند الباب...
{قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا}، يعني: الزنا،
{أو عذاب أليم}، يعني: ضربا وجيعا.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول جلّ ثناؤه: واستبق يوسف وامرأة العزيز باب البيت. أما يوسف ففرارا من ركوب الفاحشة لما رأى برهان ربه، فزجره عنها. وأما المرأة فطلبها يوسف لتقضي حاجتها منه التي راودته عليها، فأدركته فتعلقت بقميصه، فجذبته إليها مانعة له من الخروج من الباب، فقدّته من دبر، يعني: شقته من خلف، لا من قدّام، لأن يوسف كان هو الهارب، وكانت هي الطالبة...
وقوله: {وألْفَيا سَيّدَها لَدَى البابِ}، يقول جلّ ثناؤه: وصادفا سيدها، وهو زوج المرأة، لدى الباب، يعني: عند الباب...
وقوله: {قالَتْ ما جَزَاءُ مَنْ أرَادَ بأهْلِكَ سُوءا}، يقول تعالى ذكره: قالت امرأة العزيز لزوجها لما ألفياه عند الباب، فخافت أن يتهمها بالفجور: ما ثواب رجل أراد بامرأتك الزنا {إلا أن يسجن} في السجن، أو إلا {عذاب أليم}؟ يقول: موجع...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
استبقا، هذا ليَهْرَبَ، وهذه للفعلة التي كانت تطلب. ولم يضر يوسفَ -عليه السلام- أَنْ قَدَّتْ قميصه وهو لِبَاسُ دنياه بعد ما صحَّ عليه قميصُ تقواه. ويقال لم تَقْصِدْ قَدَّ القميصِ وإنما تَعَلَّقَتْ به لتَحْبِسَه على نفسها، وكان قصدُها بقاءَ يوسف -عليه السلام- معها، ولكن صار فعلُها وَبالاً على نَفْسِها، فكان بلاؤها من حيث طَلَبَتْ راحتهَا وشفاءَها. ويقال تولَّد انخراقُ القميصِ من قبضها عليه وكان في ذلك افتضاح أمرها؛ لأن قَبْضَها على قميصه كان مزجوراً عنه.. ليُعْلَمَ أنَّ الفاسِدَ شَجُّه فاسدٌ. ويقال لشدة استيلاء الهوى عليها لم تعلم في الحالِ أنها تقدُّ قميصه من ورائه أو من قُدَّامِه.. كذلك صاحبُ البلاءِ في الهوى مسلوبُ التمييز. ويقال لمّا لم تَصِلْ ولم تتمكن من مرادها من يوسف خَرَقَتْ قميصَه ليكونَ لها في إلقائها الذَّنْبَ على يوسف -عليه السلام- حُجَّةٌ، فَقَلَبَ اللَّهُ الأمرَ حتى صار ذلك عليها حجة، وليوسف دلالة صدق، قال تعالى: {وَلاَ يَحِيقُ المَكْرُ السَّيئ إلاَّ بِأَهْلِهِ} [فاطر:43]. قوله تعالى: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا البَابِ}: لمَّا فَتَحَا البابَ وجدا سيدها لدى الباب، والإشارة فيه إلى أن ربك بالمرصاد؛ إذا خَرَجَ العبدُ عن الذي هو عليه من التكليف في الحال وقع في ضِيق السؤال. ويقال قال: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا} ولم يقل سيدهما لأن يوسف في الحقيقة كان حراً ولم يكن العزيزُ له سيداً. قوله جلّ ذكره: {قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. شَغَلَتْهُ بإغرائها إياه بيوسف عن نَفْسِها بأن سَبَقَتْ إلى هذا الكلام. ويقال لقنته حديث السجن أو العذاب الأليم لئلا يقصد قتلَه؛ ففي عين ما سَعَتْ به نظرت له وأَبْقتْ عليه. ويقال قالت ما جزاء من فعل هذا إلا السجن فإن لم ترضَ بذلك، وستزيد؛ فالعذاب الأليم يعني الضّرب المُبَرِّح.. كأنما ذكرت حديث العقوبة بالتدريج. ويقال أوقعت السجن الذي يبقى مؤجَّلاً في مقابلة الضرب الأليم المعجل ليُعْلَم أَنّ السجنَ الطويل- وإنْ لم يكن فيه في الظاهر ألم -فهو في مقابلة الضرب الشديد الموجِع؛ لأنه- وإنْ اشتدّ فلا يقابله.
ويقال قالت: {مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً} فذِكْرُ الأهل ها هنا غايةُ تهييج الحميّة وتذكيرُ بالأَنَفَةِ.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
... {وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ}: اجتذبته من خلفه فانقد، أي انشق حين هرب منها إلى الباب وتبعته تمنعه... لما اطلع منها زوجها على تلك الهيئة المريبة وهي مغتاظة على يوسف إذ لم يؤاتها جاءت بحيلة جمعت فيها غرضيها: وهما تبرئة ساحتها عند زوجها من الريبة والغضب على يوسف، وتخويفه طمعاً في أن يؤاتيها خيفة منها ومن مكرها، وكرها لما أيست من مؤاتاته طوعاً. ألا ترى إلى قولها: {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا ءامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ} [يوسف: 32] و «ما» نافية، أي: ليس جزاؤه إلا السجن. ويجوز أن تكون استفهامية، بمعنى: أي شيء جزاؤه إلا السجن، كما تقول: مَنْ في الدار إلا زيد.
فإن قلت: كيف لم تصرح في قولها بذكر يوسف، وإنه أراد بها سوءاً؟ قلت: قصدت العموم، وأنّ كل من أراد بأهلك سوءاً فحقه أن يسجن أو يعذب، لأنّ ذلك أبلغ فيما قصدته من تخويف يوسف. وقيل: العذاب الأليم الضرب بالسياط.
اعلم أنه تعالى لما حكى عنها أنها {همت} أتبعه بكيفية طلبها وهربه فقال: {واستبقا الباب} والمراد أنه هرب منها وحاول الخروج من الباب وعدت المرأة خلفه لتجذبه إلى نفسها، والاستباق طلب السبق إلى الشيء، ومعناه تبادر إلى الباب يجتهد كل واحد منهما أن يسبق صاحبه فإن سبق يوسف فتح الباب وخرج، وإن سبقت المرأة أمسكت الباب لئلا يخرج...
واعلم أن يوسف عليه السلام سبقها إلى الباب وأراد الخروج والمرأة تعدو خلقه فلم تصل إلا إلى دبر القميص فقدته، أي قطعته طولا، وفي ذلك الوقت حضر زوجها وهو المراد من قوله {وألفيا سيدها لدى الباب} أي صادفا بعلها تقول المرأة لبعلها سيدي، وإنما لم يقل سيدهما لأن يوسف عليه السلام ما كان مملوكا لذلك الرجل في الحقيقة، فعند ذلك خافت المرأة من التهمة فبادرت إلى أن رمت يوسف بالفعل القبيح، وقالت: {ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم} والمعنى ظاهر. وفي الآية لطائف:..
وثانيها: أن حبها الشديد ليوسف حملها على رعاية دقيقتين في هذا الموضع وذلك لأنها بدأت بذكر السجن، وأخرت ذكر العذاب، لأن المحب لا يسعى في إيلام المحبوب، وأيضا أنها لم تذكر أن يوسف يجب أن يعامل بأحد هذين الأمرين، بل ذكرت ذلك ذكرا كليا صونا للمحبوب عن الذكر بالسوء والألم، وأيضا قالت: {إلا أن يسجن} والمراد أن يسجن يوما أو أقل على سبيل التخفيف. فأما الحبس الدائم فإنه لا يعبر بهذه العبارة، بل يقال: يجب أن يجعل من المسجونين ألا ترى أن فرعون هكذا قال حين تهدد موسى عليه السلام في قوله: {لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين}...
ورابعها: أن يوسف عليه السلام أراد يضربها ويدفعها عن نفسه، وكان ذلك بالنسبة إليها جاريا مجرى السوء فقولها: {ما جزاء من أراد بأهلك سوءا} جاريا مجرى التعريض فلعلها بقلبها كانت تريد إقدامه على دفعها ومنعها. وفي ظاهر الأمر كانت توهم أنه قصدني بما لا ينبغي...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ثم ذكر سبحانه وتعالى مبالغته في الامتناع بالجد في الهرب دليلاً على إخلاصه وأنه لم يهمّ أصلاً فقال: {واستبقا الباب} أي أوجد المسابقة بغاية الرغبة من كل منهما، هذا للهرب منها، وهذه لمنعه، فأوصل الفعل إلى المفعول بدون "إلى"، دليلاً على أن كلا منهما بذل أقصى جهده في السبق، فلحقته عند الباب الأقصى مع أنه كان قد سبقها بقوة الرجولية وقوة الداعية إلى الفرار إلى الله، ولكن عاقة إتقانها للمكر بكون الأبواب كانت مغلقة، فكان يشتغل بفتحها فتعلقت بأدنى ما وصلت إليه من قميصه، وهو ما كان من ورائه خوف فواته، فاشتد تعلقها به مع إعراضه هو عنها وهربه منها، ففتحه وأراد الخروج فمنعته {و} لم تزل تنازعه حتى {قدت قميصه} وكان القد {من دبر} أي الناحية الخلف منه، وانقطعت منه قطعة فبقيت في يدها {وألفيا} أي وجدا مع ما بهما من الغبار والهيئة التي لا تليق بهما {سيدها} أي زوجها، ولم يقل: سيدهما، لأن يوسف عليه الصلاة والسلام لم يدخل في رق -كما مضى- لأن المسلم لا يملك وهو السيد {لدا} أي عند ذلك {الباب} أي الخارج، على كيفية غريبة جداً، هكذا ينبغي أن يفهم هذا المقام لأن السيد لا يقدر على فتحه فضلاً عن الوصول إلى غيره لتغليق الجميع. ولما علم السامع أنهما ألفياه وهما على هذه الحالة كان كأنه قيل: فما اتفق؟ فقيل: {قالت} مبادرة من غير حياء ولا تلعثم {ما} نافية، ويجوز أن تكون استفهامية {جزاء من أراد} أي منه ومن غيره كائناً من كان، لما لك من العظمة {بأهلك سوءاً} أي ولو أنه غير الزنا {إلا أن يسجن} أي يودع في السجن إلى وقت ما، ليحكم فيه بما يليق {أو عذاب أليم} أي دائم ثابت غير السجن؛ والجزاء: مقابلة العمل بما هو حقه، هذا كان حالها عند المفاجأة، وأما هو عليه الصلاة والسلام فجرى على سجايا الكرام بأن سكت ستراً عليها وتنزهاً عن ذكر الفحشاء،...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{واستبقا الباب} أي فر يوسف من أمامها هاربا إلى باب الدار يريد الخروج منه للنجاة منها ترجيحا للفرار على الدفاع الذي لا يعرف مداه، وتبعته تبغي إرجاعه حتى لا يفلت من يدها وهي لا تدري أين يذهب إذا هو خرج ولا ما يقول وما يفعل، وتكلف كل منهما أن يسبق الآخر، فأدركته {وقدت قميصه من دبر} إذ جذبته به من ورائه فأنقد، قالوا إن القد خاص بقطع الشيء أو شقه طولا والقط قطعه عرضا {وألفيا سيدها لدا الباب} أي وجد زوجها عند الباب، وكان النساء في مصر يلقبن الزوج بالسيد واستمر هذا إلى زماننا، ولم يقل سيدهما لأن استرقاق يوسف غير شرعي وهذا كلام الله عز وجل لا كلام الرجل المسترق له، ولعله كان قد تبناه بالفعل، فلما دخل ورآهما في هذه الحالة المنكرة {قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا} أي شيئا يسوءك مهما يكن صغيرا أو كبيرا كما يدل عليه تنكير [سوءا] {إلا أن يسجن} أي إلا سجن يعاقب به {أو عذاب أليم} موجع يؤدبه ويلزمه الطاعة. وكان هذا القول مكرا وخداعا لزوجها من وجوه.
أحدها: إيهام زوجها أن يوسف قد اعتدى عليها بما يسوءه ويسوءها. ثانيها: أنها لم تصرح بذنبه لئلا يشتد غضبه فيعاقبه بغير ما تريده كبيعه مثلا. ثالثها: تهديد يوسف وإنذاره ما يعلم به أن أمره بيدها ليخضع لها ويطيعها، فماذا قال يوسف في دفع التهمة الباطلة عنه وإسنادها إليها بالحق؟ ولولاه لأسبل عليها ذيل الستر؟
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
الاستباق: افتعال من السبْق. وتقدم آنفاً، وهو هنا إشارة إلى تكلفهما السبق، أي أن كل واحد منهما يحاول أن يكون هو السابق إلى الباب.
وانتصب {الباب} على نزع الخافض. وأصله: واستبقا إلى الباب، مثل {واختار موسى قومَه سبعين رجلاً} [سورة الأعراف: 155]، أي من قومه، أو على تضمين استبقا} معنى ابتدرا.
والتعريف في (الباب) تعريف الجنس إذ كانت عدة أبواب مغلقة. وذلك أن يوسف عليه السّلام فرّ من مراودتها إلى الباب يريد فتحه والخروج وهي تريد أن تسبقه إلى الباب لتمنعه من فتحه.
وجملة {وقدّت قميصه} في موضع الحال. و {قدت} أي قطعت، أي قطعت منه قداً، وذلك قبل الاستباق لا محالة. لأنه لو كان تمزيق القميص في حال الاستباق لم تكن فيه قرينة على صدق يوسف عليه السّلام أنها راودته، إذ لا يدل التمزيق في حال الاستباق على أكثر من أن يوسف عليه السّلام سبقها مسرعاً إلى الباب، فدل على أنها أمسكته من قميصه حين أعرض عنها تريد إكراهه على ما راودته فجذب نفسه فتخرق القميص من شدة الجذبة. وكان قطع القميص من دبر لأنه كان مولياً عنها معْرضاً فأمسكته منه لرده عن إعراضه.
وقد أبدع إيجاز الآية في جمع هذه المعاني تحت جملة {استبقا الباب وقَدت قميصه}.
وصادف أن ألفيا سيدها، أي زوجها، وهو العزيز، عند الباب الخارجي يريد الدخول إلى البيت من الباب الخارجي. وإطلاق السيد على الزوج قيل: إن القرآن حكى به عادة القبط حينئذٍ، كانوا يدعون الزوج سيداً. والظاهر أنه لم يكن ذلك مستعملاً في عادة العرب، فالتعبير به هنا من دقائق التاريخ مثل قوله الآتي {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} [سورة يوسف: 76]. ولعل الزواج في مصر في ذلك العهد كان بطريق الملك غالباً. وقد علم من الكلام أن يوسف عليه السّلام فتح الأبواب التي غَلّقتها زليخا باباً باباً حتى بلغ الخارجي، كل ذلك في حال استبَاقهما، وهو إيجاز.
والإلفاء: وجدان شيء على حالة خاصة من غير سعي لوجدانه، فالأكثر أن يكون مفاجئاً، أو حاصلاً عن جهل بأول حصول، كقوله تعالى: {قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا} [سورة البقرة: 170].
وجملة {قالت ما جزاء} الخ مستأنفة بيانياً، لأن السامع يسأل: ماذا حدث عند مفاجأة سيدها وهما في تلك الحالة.
وابتدرته بالكلام إمعاناً في البهتان بحيث لم تتلعثم، تخيل له أنها على الحق، وأفرغت الكلام في قالب كلي ليأخذ صيغة القانون، وليكون قاعدة لا يعرف المقصود منها فلا يسع المخاطب إلا الإقرار لها. ولعلها كانت تخشى أن تكون محبة العزيز ليوسف عليه السّلام مانعة له من عقابه، فأفرغت كلامها في قالب كلي. وكانت تريد بذلك أن لا يشعر زوجها بأنها تهوى غير سيدها، وأن تخيف يوسف عليه السّلام من كيدها لئلا يمتنع منها مرة أخرى.
ورددت يوسف عليه السّلام بين صنفين من العقاب، وهما: السجن، أي الحبس. وكان الحبس عقاباً قديماً في ذلك العصر، واستمر إلى زمن موسى عليه السّلام، فقد قال فرعون لموسى عليه السّلام: {لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين} [سورة الشعراء: 29].
وأما العذاب فهو أنواع، وهو عقاب أقدمُ في اصطلاح البشر. ومنه الضرب والإيلام بالنار وبقطع الأعضاء. وسيأتي ذكر السجن في هذه السورة مراراً.