{ يَغْفرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } جواب للأمر المدلول عليه بلفظ الخبر كما في قولهم : اتقى الله تعالى امرؤ وفعل خيراً يثب عليه ؛ أو جواب لشرط ، أو استفهام دل عليه الكلام ، والتقدير أن تؤمنوا وتجاهدوا يغفر لكم ، أو هل تقبلون أن أدلكم ؟ أو هل تتجرون بالإيمان والجهاد ؟ يغفر لكم ، وقال الفراء : جواب للاستفهام المذكور أي هل أدلكم ، وتعقب بأن مجرد الدلالة لا يوجب المغفرة ، وأجيب بأنه كقوله تعالى : { قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة } [ إبراهيم : 31 ] وقد قالوا فيه : إن القول لما كان للمؤمن الراسخ الإيمان كان مظنة لحصول الامتثال فجعل كالمحقق وقوعه فيقال ههنا : لما كانت الدلالة مظنة لذلك نزلت منزلة المحقق ، ويؤيده { إن كنتم تعلمون } [ الصف : 11 ] لأن من له عقل إذا دله سيده على ما هو خير له لا يتركه ، وادعاء الفرق بما ثمة من الإضافة التشريفية وما هنا من المعاتبة قيل : غير ظاهر فتدبر ، والإنصاف أن تخريج الفراء لا يخلو عن بعد ، وأما ما قيل : من أن الجملة مستأنفة لبيان أن ذلك خير لهم ، و { يغفر } مرفوع سكن آخره كما سكن آخر { أشرب } في قوله
: فاليوم ( أشرب ) غير مستحقب *** إثماً من الله ولا واغل
فليس بشيء لما صرحوا به من أن ذلك ضرورة .
{ وَيُدْخلْكُمْ جنات تَجْري مِنْ تَحْتهَا الأنهار ومساكن طَيِّبَةً } أي طاهرة زكية مستلذة ، وهذا إشارة إلى حسنها بذاتها ، وقوله تعالى : { في جنات عَدْن } إشارة إلى حسنها باعتبار محلها { ذلك } أي ما ذكر من المغفرة وما عطف عليها { الفَوْزُ العَظيمُ } الذي لا فوز وراءه .
{ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } وهذا شامل للصغائر والكبائر ، فإن الإيمان بالله والجهاد في سبيله ، مكفر للذنوب ، ولو كانت كبائر .
{ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } أي : من تحت مساكنها [ وقصورها ] وغرفها وأشجارها ، أنهار من ماء غير آسن ، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ، وأنهار من خمر لذة للشاربين ، وأنهار من عسل مصفى ، ولهم فيها من كل الثمرات ، { وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ } أي : جمعت كل طيب ، من علو وارتفاع ، وحسن بناء وزخرفة ، حتى إن أهل الغرف من أهل عليين ، يتراءاهم أهل الجنة كما يتراءى الكوكب الدري في الأفق الشرقي أو الغربي ، وحتى إن بناء الجنة بعضه من لبن ذهب [ وبعضه من ] لبن فضة ، وخيامها من اللؤلؤ والمرجان ، وبعض المنازل من الزمرد والجواهر الملونة بأحسن الألوان ، حتى إنها من صفائها يرى ظاهرها من باطنها ، وباطنها من ظاهرها ، وفيها من الطيب والحسن ما لا يأتي عليه وصف الواصفين ، ولا خطر على قلب أحد من العالمين ، لا يمكن أن يدركوه حتى يروه ، ويتمتعوا بحسنه وتقر أعينهم به ، ففي تلك الحالة ، لولا أن الله خلق أهل الجنة ، وأنشأهم نشأة كاملة لا تقبل العدم ، لأوشك أن يموتوا من الفرح ، فسبحان من لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه ، بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني عليه عباده{[1084]} وتبارك الجليل الجميل ، الذي أنشأ دار النعيم ، وجعل فيها من الجلال والجمال ما يبهر عقول الخلق ويأخذ بأفئدتهم .
وتعالى من له الحكمة التامة ، التي من جملتها ، أنه الله لو أرى الخلائق الجنة حين خلقها{[1085]} ونظروا إلى ما فيها من النعيم لما تخلف عنها أحد ، ولما هناهم العيش في هذه الدار المنغصة ، المشوب نعيمها بألمها ، وسرورها{[1086]} بترحها .
وسميت الجنة جنة عدن ، لأن أهلها مقيمون فيها ، لا يخرجون منها أبدا ، ولا يبغون عنها حولا ، ذلك الثواب الجزيل ، والأجر الجميل ، الفوز العظيم ، الذي لا فوز مثله ، فهذا الثواب الأخروي .
{ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 12 ) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ ( 13 ) } .
إن فعلتم -أيها المؤمنون- ما أمركم الله به يستر عليكم ذنوبكم ، ويدخلكم جنات تجري من تحت أشجارها الأنهار ، ومساكن طاهرة زكية في جنات إقامة دائمة لا تنقطع ، ذلك هو الفوز الذي لا فوز بعده .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.