وقوله تعالى : { وَمَا أدراك ما الحاقة } أي أي شيء أعلمك ما هي تأكيد لهولها وفظاعتها ببيان خروجها عن دائرة علوم المخلوقات على معنى أن أعظم شأنها ومدى هولها وشدتها بحيث لا يكاد تبلغه دراية أحد ولا وهمه وكيفما قدرت حالها فهي وراء ذلك وأعظم وأعظم فلا يتسنى الإعلام ومنه يعلم أن الاستفهام كني به عن لازمه من أنها لا تعلم ولا يصل إليها دراية دار ولا تبلغها الأوهام والأفكار وما في موضع الرفع على الابتداء وإدراك خبره ولا مساغ ههنا للعكس وما الحاقة جملة محلها النصب على إسقاط الخافض لا أن أدرى يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء كما في قوله تعالى : { وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ } [ يونس : 16 ] فلما وقعت جملة الاستفهام معلقة له كانت في موضع المفعول الثاني وتعليق هذا الفعل على ما قيل لما فيه من معنى العلم والجملة أعني { مَا أَدْرَاكَ } الخ معطوفة على ما قبلها من الجملة الصغرى .
و " ما " فى قوله { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحاقة } اسم استفهام المقصود به هنا التهويل والتعظيم ، وهى مبتدأ . وخبرها جملة { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحاقة } وما الثانية وخبرها فى محل نصب سادة مسد المفعول الثانى لقوله { أَدْرَاكَ } لأن أدرى يتعدى لمفعولين ، الأول بنفسه والثانى بالباء ، كما فى قوله - تعالى - : { قُل لَّوْ شَآءَ الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ } .
وهذا الأسلوب الذى جاءت به هذه الآيات الكريمة ، فيه ما فيه من التهويل من شأن الساعة ، ومن التعظيم لأمرها ، فكأنه - تعالى - يقول : يوم القيامة الذى يخوض فى شأنه الكافرون ، والذى تَحِق فيه الأمور وتثبت . أتدرى أى شئ عظيم هو ؟ وكيف تدرى أيها المخاطب ؟ ونحن لم نحط أحدا بكنه هذا اليوم ، ولا بزمان وقوعه ؟
وإنك - أيها العاقل - مهما تصورت هذا اليوم ، فإن أهواله فوق ما تتصور ، وكيفما قدرت لشدائده : فإن هذه الشدائد فوق ما قدرت .
ومن مظاهر هذا التهويل لشأن يوم القيامة افتتاح السورة بلفظ " الحاقة " الذى قصد به ترويع المشركين ، لأن هذا اللفظ يدل على أن يوم القيامة حق .
كما أن تكرار لفظ " ما " ثلاث مرات ، مستعمل - أيضا - فى التهويل والتعظيم ، كما أن إعادة المبتدأ فى الجملة الواقعة خبرا عنه بلفظه ، بأن قال { مَا الحآقة } ولم يقل ما هى : يدل أيضا على التهويل .
لأن إظهار فى مقام الإِضمار يقصد به ذلك ، ونظيره قوله - تعالى - : { وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين } { وَأَصْحَابُ الشمال مَآ أَصْحَابُ الشمال } والخطاب فى الآيات الكريمة ، لكل من يصلح له ، لأن المقصود تنبيه الناس إلى أن الساعة حق . وأن الحساب والجزاء فيها حق ، لكى يستعدوا لها بالإِيمان والعمل الصالح .
قال بعض العلماء ما مخلصه : واستعمال " ما أدراك " غير استعمال " ما يدريك " . . فقد روى عن ابن عباس أنه قال : كل شئ من القرآن من قوله { وَمَآ أَدْرَاكَ } فقد أدراه ، وكل شئ من قوله : { وَمَا يُدْرِيكَ } فقد طوى عنه .
فإن صح هذا عنه فمراده أن مفعول " ما أدراك " محقق الوقوع ، لأن الاستفهام فيه للتهويل وأن مفعول " ما يدريك " غير محقق الوقوع لأن الاستفهام فيه للإِنكار ، وهو فى معنى نفى الدراية .
قال - تعالى - : { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ . نَارٌ حَامِيَةٌ } وقال - سبحانه - { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ }
قوله : { وما أدراك } ، ما استفهامية وهي مبتدأ . ما الثانية مبتدأ ثان ، وخبره الحاقة . والمبتدأ الثاني وخبره في موضع نصب للفعل أدراك{[4612]} .
والحاقة ، اسم من أسماء القيامة وهي يوم الحق . وقد سميت بذلك ، لأن كل إنسان حقيق بأن يجزى بعمله . فهي التي تحق فيها الأمور ويجب فيها الجزاء على الأعمال . أو لأن وقوعها حق لا شك فيه { ما الحاقة } والاستفهام معناه التفخيم والتعظيم لشأن الحاقة ، وهي الساعة ، كأن تقول : زيد ما زيد { وما أدراك ما الحاقة } يخاطب الله نبيه صلى الله عليه وسلم : وأي شيء أعلمك ما هي الحاقة وذلك تعظيم ثان لها . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم عالما بصفات القيامة .
يضاف إلى ذلك شدة الإيقاع البليغ الذي يتجلى في كلمة { الحاقة } بحرف القاف فيها ، وبمدها اللازم المثقل .
ومما يتجلى في القرآن من ظواهر الإعجاز ، ملاءمة الألفاظ فيه للمعاني من حيث الرقة واللين ، أو الفخامة والتهويل ، أو الترغيب والتحضيض ، أو الترهيب والتحريض . والحاقة بشدة وقعها على السمع والنفس تكشف لكل سامع متدبر أن أمر الساعة هائل وجلل ، وأن الخطب فيها مذهل وجسيم ومروّع .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.