{ وتلك عَادٌ جَحَدُواْ } أنث اسم الإشارة باعتبار القبيلة على ما قيل ، فالإشارة إلى ما في الذهن وصيغة البعيد لتحقيرهم أو لتنزيلهم منزلة البعيد لعدمهم ، أو الإشارة إلى قبورهم ومصارعهم ، وحينئذٍ الإشارة للبعيد المحسوس والإسناد مجازي أو هو من مجاز الحذف أي تلك قبور عاد ، وجوز أن يكون بتقدير أصحاب تلك عاد ، والجملة مبتدأ وخبر ، وكان المقصود الحث على الاعتبار بهم والاتعاظ بأحوالهم ، وقوله سبحانه :
{ جَحَدُواْ بآيات رَبّهِمْ } الخ استئناف لحكاية بعض قبائحهم أي كفروا بآيات ربهم التي أيد بها رسوله الداعي إليه ودل بها على صدقه وأنكروها فقالوا : يا هود ما جئتنا ببينة ، أو أنكروا آياته سبحانه في الآفاق والأنفس الدالة عليه تعالى حسبما قال لهم هود عليه والسلام .
وجوز أن يراد بها الآيات التي أتى بها هود . وغيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام ، ويلائمه جمع الرسل الآتي على قول ، وعدي جحد بالباء حملاً له على كفر لأنه المراد ، أو بتضمينه معناه كما أن كفر يجري مجرى جحد فيعدي بنفسه نحو قوله سبحانه : { أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ } [ هود : 60 ] ، وقيل : كفر كشكر يتعدى بنفسه وبالباء ، وظاهر كلام «القاموس » أن جحد كذلك { وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ } قيل : المراد بالرسل هود عليه السلام والرسل الذين كانوا معه من قبله وهو خلاف الظاهر ، وقيل : المراد بهم هود عليه السلام وسائر الرسل من قبله تعالى للأمم من قبله ومن بعده عليه السلام بناءاً على أن عصيانه عليه السلام وكذا عصيان كل رسول بمنزلة عصيان الرسل جميعهم لأن الجميع متفقون على التوحيد فعصيان واحد عصيان للجميع فيه ، أو على أن القوم أمرهم كل رسول من قبل بطاعة الرسل والإيمان بهم إن أدركوهم فلم يمتثلوا ذلك الأمر { واتبعوا أَمْرَ كُلّ جَبَّارٍ } متعال عن قبول الحق ، وقال الكلبي : هو الذي يقتل على الغضب ويعاقب على المعصية .
وقال الزجاج : هو الذي يجبر الناس على ما يريد ، وذكر ابن الأنباري أنه العظيم في نفسه المتكبر على العباد { عَنِيدٍ } أي طاغ من عند بتثليث النون عنداً بالإسكان وعنداً بالتحريك وعنوداً بضم العين إذا طغا وجاوز الحد في العصيان ، وفسره الراغب بالمعجب بما عنده ، والجوهري بمن خالف الحق ورده وهو يعرفه ، وكذا عاند ، ويطلق الأخير على البعير الذي يجور عن الطريق ويعدل عن القصد ، وجمعه عند كراكع . وركع ، وجمع العنيد عند كرغيف . ورغف ، والعنود قيل : بمعنى العنيد .
وزعم بعضهم أنه يقال : بعير عنود ، ولا يقال : عنيد ، ويجمع الأول على عندة . والثاني على عند ، وآخر أن العنود العادل عن الطريق المحسوس .
والعنيد العادل عن الطريق في الحكم ؛ وكلاهما من عند وأصل معناه على ما قيل : اعتزل في جانب لأن العند بالتحريك الجانب يقال : يمشي وسطاً لا عنداً ، ومنه عند الظرفية ، ويقال للناحية أيضاً : العند مثلثة ، وهذا الحكم ليس كالحكمين السابقين من جحود الآيات وعصيان الرسل في الشمول لكل فرد فرد منهم فإن اتباع الأمر من أحكام الأسافل دون الرؤساء .
وقيل : هو مثل ذلك في الشمول ، والمراد بالأمر الشأن وبكل جبار عنيد من هذه صفته من الناس لا أناس مخصوصون من عاد متصفون بذلك ، والمراد باتباع الأمر ملازمته أو الرضا به على أتم وجه ، ويؤول ذلك إلى الاتصاف أي إن كلاً منهم اتصف بصفة كل جبار عنيد ، ولا يخفى ما فيه من التكلف الظاهر ، وقد يدعي العموم من غير حاجة إلى ارتكاب مثله ، والمراد على ما تقدم أنهم عصوا من دعاهم إلى سبيل الهدى وأطاعوا من حداهم إلى مهاوي الردى .
{ وَتِلْكَ عَادٌ } الذين أوقع الله بهم ما أوقع ، بظلم منهم لأنهم { جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ } ولهذا قالوا لهود : { ما جئتنا ببينة } فتبين بهذا أنهم متيقنون لدعوته ، وإنما عاندوا وجحدوا { وَعَصَوْا رُسُلَهُ } لأن من عصى رسولا ، فقد عصى جميع المرسلين ، لأن دعوتهم واحدة .
{ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ } أي : متسلط على عباد الله بالجبروت ، { عنيد } أي : معاند لآيات الله ، فعصوا كل ناصح ومشفق عليهم ، واتبعوا كل غاش لهم ، يريد إهلاكهم لا جرم أهلكهم الله .
واسم الإِشارة فى قوله - سبحانه - { وَتِلْكَ عَادٌ . . . } يعود إلى القبيلة أو إلى آثارهم التي خلفوها من بعدهم . أى : وتلك هى قصة قبيلة عاد مع نبيها هود - عليه السلام - وتلك هى عاقبتها وكانت الإِشارة للبعيد تحقيرا لهم ، وتهوينا من شأنهم بعد أن انتهوا ، وبعدوا عن الأنظارو الأفكار ، وقد كانوا يقولون : من أشد منا قوة .
وقوله : { جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ واتبعوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ . . } بيان لجرائمهم التى استحقوا بسببها العذاب الغليظ .
والجحد : الإِنكار الشديد للحق الواضح .
وآيات ربهم : الحجج والبراهين التى جاء بها الأنبياء من ربهم للدلالة على صدقهم .
والجبار : هو الشخص المتعالى المتعاظم على الناس ، المترفع عن الاستجابة للحق .
والعنيد : المعاند الطاغى الذى يعرف الحق ولكنه لا يتبعه .
أى : وتلك هى قصة قبيلة عاد مع نبيها ، كفروا بآيات ربهم الدالة على صدق أنبيائه ، وعصوا رسله الذين جاءوا لهدايتهم ، واتبع سفلتهم وعوامهم أمر كل رئيس متجبر متكبر معاند منهم ، بدون تفكر أو تدبر .
وقال - سبحانه - { وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ } مع أنهم قد عصوا رسولا واحده هو هود - عليه السلام - ، للإِشارة إلأى أن معصيتهم لهذا الرسول كانها معصية للرسل جميعا ، لأنهم قد جاءوا برسالة واحدة فى جوهرها وهى : عبادة الله - تعالى - وحده ، والتقيد بأوامره ونواهيه .
والإِشارة أيضا إلى ضخامة جرائمهم ، وإبراز شناعتها حيث عصوا رسلا لا رسولا .
وقد وصفهم - سبحانه - فى هذه الآية بثلاث صفات هى أعظم الصفات فى القبح والشناعة : أولها : جحودهم لآيات ربهم . وثانيها : عصيانهم لرسله . وثالثها : اتباعها أمر رؤسائهم الطغاة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.