روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدٗا فَلَا تَدۡخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤۡذَنَ لَكُمۡۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرۡجِعُواْ فَٱرۡجِعُواْۖ هُوَ أَزۡكَىٰ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ} (28)

{ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَداً } بأن كانت خالية من الأهل { فَلاَ تَدْخُلُوهَا } واصبروا { حتى يُؤْذَنَ لَكُمُ } من جهة من يملك الإذن عند وجدانكم إياه ، ووجه ذلك أن الدخول في البيوت الخالية من غير إذن سبب للقيل والقال ، وفيه تصرف بملك الغير بغير رضاه وهو يشبه الغصب ، وهذه الآية لبيان حكم البيوت الخالية عن أهلها كما أن الآية الأولى لبيان حكم البيوت التي فيها أهلها .

وجوز أن تكون هذه تأكيداً لأمر الاستئناس وأنه لا بد منه والأمر دائر عليه ، والمعنى فإن لم تجدوا فيها أحداً من الآذنين أي ممن يملك الإذن فلا تدخلوها الخ ويفيد هذا حرمة دخول ما فيه من لا يملك الإذن كعبد وصبي من دون إذن من يملكه ، ومن اختار الأول قال : إن حرمة ما ذكر ثابتة بدلالة النص فتأمل .

وقال سبحانه : { فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ } إلى آخره دون فإن لم يكن فيها أحد لأن المعتبر وجد أنها خالية من الأهل مطلقاً أو ممن يملك الإذن سواء كان فيها أحد في الواقع أم لم يكن كذا قيل : وعليه فالمراد من قولهم في تفسير ذلك ، بأن كانت خالية كونها خالية بحسب الاعتقاد ، وكذا يقال في نظيره فلا تغفل ، ثم أن ما أفادته الآيتان من الحكم قد خصصه الشرع فجوز الدخول لإزالة منكر توقفت على الدخول من غير إذن أهل البيت والدخول في البيت الخالي لإطفاء حريق فيه أو نحو ذلك .

وقد ذكر الفقهاء الصور التي فيها الدخول من غير إذن ممن يملك الإذن فلتراجع ، وقيل : المراد بالإذن في قوله سبحانه : { حتى يُؤْذَنَ لَكُمُ } ما يعم الإذن دلالة وشرعاً ولذا وقع بصيغة المجهول وحينئذٍ لا حاجة إلى القول بالتخصيص وفيه خفاء { وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارجعوا فارجعوا } أي إن أمرتم من جهة أهل البيت بالرجوع سواء كان الآمر من يملك الإذن أم لا فارجعوا ولا تلحوا { هُوَ } أي الرجوع { أزكى لَكُمْ } أي أطهر مما لا يخلو عنه اللج والعناد والوقوف على الأبواب بعد القول المذكور من دنس الدناءة والرذالة أو أنفع لدينكم ودنياكم على أن { أزكى } من الزكاة بمعنى النمو .

والظاهر أن صيغة أفعل في الوجهين للمبالغة ، وقيدنا الوقوف على الأبواب بما سمعت لأنه ليس فيه دناءة مطلقاً ، فقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يأتي دور الأنصار لطلب الحديث فيقعد على الباب ولا يستأذن حتى يخرج إليه الرجل فإذا خرج ورآه قال : يا ابن عم رسول الله لو أخبرتني بمكانك فيقول : هكذا أمرنا أن نطلب العلم ، وكأنه رضي الله تعالى عنه عغد ذلك من التواضع وهو من أقوى أسباب الفتوح لطالب العلم ، وقد أعطاني الله عز وجل نصيباً وافياً منه فكنت أكثر التلامذة تواضعاً وخدمة للمشايخ والحمد لله تعالى على ذلك { والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } فيعلم ما تأتون وما تذرون مما كلمتموه فيجازيكم عليه .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدٗا فَلَا تَدۡخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤۡذَنَ لَكُمۡۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرۡجِعُواْ فَٱرۡجِعُواْۖ هُوَ أَزۡكَىٰ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ} (28)

ثم بين - سبحانه - حالة أخرى توجب عليهم الاستئذان ، فقال : { فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حتى يُؤْذَنَ لَكُمْ . . } .

أى : فإن لم تجدوا فى هذه البيوت أحدا ، بأن كانت خالية من سكانها لظرف من الظروف ، فلا يصح لكم - أيضا - أن تدخلوها ، حتى يؤذن لكم فى دخولها ممن يملك الإذن بذلك .

قال صاحب الكشاف : " وذلك أن الاستئذان لم يشرع لئلا يطلع الدامر - أى الداخل بغير إذن - على عورة ، ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه فقط ، وإنما شرع لئلا يوقف على الأحوال التى يطويها الناس فى العادة عن غيرهم ، ويتحفظون من اطلاع أحد عليها ، ولأنه تصرف فى ملك غيرك ، فلا بد من أن يكون برضاه ، وإلا أشبه الغصب والتغلب " .

فالآية الأولى لبيان حكم دخول البيوت المسكونة بأهلها ، وهذه لبيان حكم دخول البيوت الخالية من سكانها .

وقوله - تعالى - : { وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارجعوا فارجعوا هُوَ أزكى لَكُمْ } بيان لما يجب عليهم فى حالة عدم الإذن لهم بالدخول .

أى : وإن قيل لكم من جهة أهل البيت ارجعوا ولا تدخلوا ، فارجعوا ولا تلحوا فى طلب الدخول ، فإن هذا الرجوع هو أطهر لأخلاقكم ، وأبقى لمرءوتكم . من الإلحاح فى الاستئذان ، ومن الوقوف على أبوابٍ أصحابُها قد تكون أحوالهم لا تسمح لكم بالدخول عليهم .

وقوله - سبحانه - : { والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } تذييل قصد به التحذير من مخالفة ما أمر الله - تعالى - به ، وما نهى - سبحانه - عنه .

أى : والله - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم ، فأصلحوها ، والتزموا باتباع ما أمركم به ، وما نهاكم عنه ، فإنه - سبحانه - سيجازيكم عليها بما تستحقون من ثواب أو عقاب .

فالمقصود من هذا الإخبار : إفادة لازمه وهو المجازاة على هذه الأعمال .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدٗا فَلَا تَدۡخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤۡذَنَ لَكُمۡۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرۡجِعُواْ فَٱرۡجِعُواْۖ هُوَ أَزۡكَىٰ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ} (28)

قوله : ( فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم ) إذا لم يكن في البيوت أحد يأذن لكم بالدخول فلا تدخلوها حتى يأتي من أهلها من يأذن لكم ( وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم ) أي إن قال لكم أهل البيت ارجعوا فارجعوا ، ولا ينبغي لكم بعد ذلك أن تلحوا عليهم في الاستئذان . بل إن رجوعكم خير من انتظاركم أو معاودتكم الاستئذان مرة أخرى .

قوله : ( هو أزكى لكم ) أي أطهر لنفوسكم من التّشاح على الدخول ، لما في ذلك من استعلاء على الدناءة والخسة ، وترفع عن مواطن الريبة .

قوله : ( والله بما تعملون عليم ) الله أعلم بما تخفيه قلوبكم من طوايا ومقاصد فاحذروا الاطلاع على سوءات الناس وتتبع عوراتهم واستراق البصر لما يجري داخل بيوتهم . وذلك توعد من الله للذين يتجسسون على الناس في بيوتهم فيدخلون عليهم في غفلة لينالوا منهم ما لا يحل لهم .