روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِمۡ فِعۡلَ ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِۖ وَكَانُواْ لَنَا عَٰبِدِينَ} (73)

{ وجعلناهم أَئِمَّةً } يقتدى بهم في أمور الدين { يَهْدُونَ } أي الأمة إلى الحق { بِأَمْرِنَا } لهم بذلك وإرسالنا إياهم حتى صاروا مكملين { وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخيرات } ليتم الكمال بانضمام العمل إلى العلم ، وأصله على ما ذهب إليه الزمخشري ومن تابعه أن يفعل الخيرات ببناء الفعل لما لم يسم فاعله ، ورفع الخيرات على النيابة عن الفاعل ثم فعلا الخيرات بتنوين المصدر ورفع الخيرات أيضاً على أنه نائب الفاعل لمصدر المجهول ثم فعل الخيرات بحذف التنوين وإضافة المصدر لمعموله القائم مقام فاعله ، والداعي لذلك كما قيل أن { فِعْلَ الخيرات } بالمعنى المصدري ليس موحى إنما الموحى أن يفعل ، ومصدر المبني للمفعول والحاصل بالمصدر كالمترادفين ، وأيضاً الوحي عام للأنبياء المذكورين عليهم السلام وأممهم فلذا بني للمجهول .

وتعقب ذلك أبو حيان بأن بناء المصدر لما لم يسم فاعله مختلف فيه فأجاز ذلك الأخفش والصحيح منعه ، وما ذكر من عموم الوحي لا يوجب ذلك هنا إذ يجوز أن يكون المصدر مبنياً للفاعل ومضافاً من حيث المعنى إلى ظاهر محذوف يشمل الموحى إليهم وغيرهم أي فعل المكلفين الخيرات ، ويجوز أن يكون مضافاً إلى الموحى إليهم أي أن يفعلوا الخيرات وإذا كانوا قد أوحى إليهم ذلك فاتباعهم جارون مجراهم في ذلك ولا يلزم اختصاصهم به انتهى . وانتصر للزمخشري بأن ما ذكره بيان لأمر مقرر في النحو والداعي إليه أمران ثانيهما ما ذكر من عموم الموحى الذي اعترض عليه والأول سالم عن الاعتراض ذكر أكثر ذلك الخفاجي ثم قال : الظاهر أن المصدر هنا للأمر كضرب الرقاب ، وحينئذٍ فالظاهر أن الخطاب للأنبياء عليهم السلام فيكون الموحى قول الله تعالى افعلوا الخيرات ، وكان ذلك لأن الوحي مما فيه معنى القول كما قالوا فيتعلق به لا بالفعل إلا أنه قيل يرد عليه ما أشير أولاً إليه من أن ما ذكر ليس من الأحكام المختصة بالأنبياء عليهم السلام ولا يخفى أن الأمر فيه سهل ، وجوز أن يكون المراد شرعنا لهم فعل ذلك بالإيحاء إليهم فتأمل ، والكلام في قوله تعالى : { وَإِقَامَ الصلاة وَإِيتَاء الزكواة } على هذا الطرز ، وهو كما قال غير واحد من عطف الخاص على العام دلالة على فضله وإنافته ، وأصل { إقام } أقوام فقلبت واوه ألفاً بعد نقل حركتها لما قبلها وحذف إحدى الفيه لالتقاء الساكنين ، والأكثر تعويض التاء عنها فيقال إقامة وقد تترك التاء إما مطلقاً كما ذهب إليه سيبويه والسماع يشهد له ، وإما بشر الإضافة ليكون المضاف ساداً مسدها كما ذهب إليه الفراء وهو كما قال أبو حيان مذهب مرجوح ، والذي حسن الحذف هنا المشاكلة ، والآية ظاهرة في أنه كان في الأمم السالفة صلاة وزكاة وهو مما تضافرت عليه النصوص إلا أنهما ليسا كالصلاة والزكاة المفروضتين على هذه الأمة المحمدية على نبيها أفضل الصلاة وأكمل التحية { وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا } خاصة دون غيرنا { عابدين } لا يخطر ببالهم غير عبادتنا كأنه تعالى أشار بذلك إلى أنهم وفوا بعهد العبودية بعد أن أشار إلى أنه سبحانه وفى لهم بعهد الربوبية .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِمۡ فِعۡلَ ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِۖ وَكَانُواْ لَنَا عَٰبِدِينَ} (73)

{ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } أى : وجعلنا هؤلاء المذكورين ، أئمة فى الخير ، يهدون ويرشدون غيرهم إلى الدين الحق بسبب أمرنا لهم بذلك ، وتكليفهم بتبليغ وحينا إلى الناس .

قال صاحب الكشاف : قوله - سبحانه - : { يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } فيه أن من صلح ليكون قدوة فى دين الله ، فالهداية محتومة عليه ، مأمور بها من جهة الله ليس له أن يخل بها ، ويتثاقل عنها ، وأول ذلك أن يهتدى بنفسه ، لأن الانتفاع بهداه أعم ، والنفوس إلى الاقتداء بالمهدى أميل " .

وقوله : { وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخيرات } أى : وأوحينا إليهم أن يفعلوا الطاعات ، وأن يأمروا الناس بفعلها ، وأوحينا إليهم كذلك { وَإِقَامَ الصلاة وَإِيتَآءَ الزكاة } أى : أن يقيموا الصلاة وأن يؤدوا الزكاة وأن يأمروا غيرهم بذلك .

وعطف إقام الصلاة وإيتاء الزكاة على فعل الخيرات من باب عطف الخاص على العام . للاهتمام به إذ الصلاة أفضل العبادات البدنية والزكاة أفضل العبادات المالية { وَكَانُواْ لَنَا عَابِدِينَ } لا لغيرنا ، فهم لم يخطر ببالهم عبادة أحد سوانا ، لأنهم من المصطفين الأخيار .

هذا ، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة التى وردت فى قصة إبراهيم مع قومه . يراها قد حكت لنا غيرة إبراهيم - عليه السلام - على دين الله - تعالى - وقوة حجته فى الدفاع عن الحق ، ومجاهدته بما يعتقده بدون خوف من قومه ، وجمعه فى دعوته بين القول والعمل .

كما يراها قد بينت لنا أن من يدافع عن دين الله - تعالى - يدافع الله - سبحانه - عنه ، وينصره على أعدائه ، ويرد كيدهم فى نحورهم .

كما يراها - أيضا - قد أشارت إلى أن من هاجر من أرض إلى أخرى من أجل إعلاء كلمة الله - تعالى - رزقه الله نظير ذلك الخير والبركة ، والذرية الصالحة التى تهدى غيرها إلى الطريق المستقيم .