التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنۡهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعۡدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأۡوِيلِهِۦ فَأَرۡسِلُونِ} (45)

{ ادّكر } بالدال المهملة أصله : اذتكر ، وهو افتعال من الذكر ، قلبت تاء الافتعال دالاً لثقلها ولتقارب مخرجيهما ثم قلبت الذال ليتأتّى ادغامها في الدال لأن الدال أخف من الذال . وهذا أفصح الإبدال في ادّكر . وهو قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : { فهل من مدّكر } [ سورة القمر : 15 ] كما في الصحيح .

ومعنى { بعد أمة } بعد زمن مضى على نسيانه وصاية يوسف عليه السّلام . والأمة : أطلقت هنا على المدة الطويلة ، وأصل إطلاق الأمة على المدة الطويلة هو أنها زمن ينقرض في مثله جيل ، والجيل يسمى أمة ، كما في قوله تعالى : { كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس } [ سورة آل عمران : 110 ] على قول من حمله على الصحابة .

وإطلاقه في هذه الآية مبالغة في زمن نسيان الساقي . وفي التوراة كانت مدة نسيانه سنتين .

وضمائر جمع المخاطب في أنبئكم } { فأرسلون } مخاطب بها الملك على وجه التعظيم كقوله تعالى : { قال رب ارجعون } [ سورة المؤمنون : 99 ] .

ولم يسمّ لهم المرسل إليه لأنه أراد أن يفاجئهم بخبر يوسف عليه السّلام بعد حصول تعبيره ليكون أوقع ، إذ ليس مثله مظنة أن يكون بين المساجين .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنۡهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعۡدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأۡوِيلِهِۦ فَأَرۡسِلُونِ} (45)

قوله تعالى : " وقال الذي نجا منهما " يعني ساقي الملك . " وادكر بعد أمة " أي بعد حين ، عن ابن عباس وغيره ، ومنه " إلى أمة معدودة{[9138]} " [ هود : 8 ] وأصله الجملة من الحين . وقال ابن درستويه{[9139]} : والأمة لا تكون الحين إلا على حذف مضاف ، وإقامة المضاف إليه مقامه ، كأنه قال - والله أعلم - : وادكر بعد حين أمة ، أو بعد زمن أمة ، وما أشبه ذلك ، والأمة الجماعة الكثيرة من الناس . قال الأخفش : هو في اللفظ واحد ، وفي المعنى جمع ، وكل جنس من الحيوان أمة ، وفي الحديث : ( لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها ) . " وادكر " أي تذكر حاجة يوسف ، وهو قوله : " اذكرني عند ربك " . وقرأ ابن عباس فيما روى عفان عن همام عن قتادة عن عكرمة عنه - " وادكر بعه أمة " . النحاس : المعروف من قراءة ابن عباس وعكرمة والضحاك " وادكر بعد أمه " بفتح الهمزة وتخفيف الميم ، أي بعد نسيان ، قال الشاعر :

أَمِهْتُ وكنتُ لا أنسى حَدِيثًا*** كذاكَ الدَّهْرُ يُودِي بالعُقُولِ

وعن شبيل بن عزرة الضبعي : " بعد أمه " بفتح الألف وإسكان الميم وهاء خالصة ، وهو مثل الأمه ، وهما لغتان ، ومعناهما النسيان ، ويقال : أمه يأمه أمها إذا نسي ، فعلى هذا " وادكر بعد أمه " ، ذكره النحاس ، ورجل أمه{[9140]} ذاهب العقل . قال الجوهري : وأما ما في حديث الزهري ( أمه ) بمعنى أقر واعترف فهي لغة غير مشهورة . وقرأ الأشهب العقيلي - " بعد إمة " أي بعد نعمة ، أي بعد أن أنعم الله عليه بالنجاة . ثم قيل : نسي الفتى يوسف لقضاء الله تعالى في بقائه في السجن مدة . وقيل : ما نسي ، ولكنه خاف أن يذكر الملك الذنب الذي بسببه حبس هو والخباز ، فقوله : " وادكر " أي ذكر وأخبر . قال النحاس : أصل ادكر اذتكر ، والذال قريبة المخرج من التاء ، ولم يجز إدغامها فيها ؛ لأن الذال مجهورة ، والتاء مهموسة ، فلو أدغموا ذهب الجهر ، فأبدلوا من موضع التاء حرفا مجهورا وهو الدال ، وكان أولى من الطاء لأن الطاء مطبقة ، فصار اذدكر ، فأدغموا الذال في الدال لرخاوة الدال ولينها . ثم قال : " أنا أنبئكم بتأويله " أي أنا أخبركم . وقرأ الحسن " أنا آتيكم بتأويله " وقال : كيف ينبئهم العِلج{[9141]} ؟ ! قال النحاس : ومعنى " أنبئكم " صحيح حسن ، أي أنا أخبركم إذا سألت . " فأرسلوني " خاطب الملك ولكن بلفظ التعظيم ، أو خاطب الملك وأهل مجلسه .


[9138]:راجع ص 9 من هذا الجزء.
[9139]:هو عبد الله بن جعفر بن درستويه (بضم الدال والراء) وضبطه ابن ماكولا (بفتحهما).
[9140]:في ع: أمه ووامه، ذاهب العقل. والذي في اللسان: أمه الرجل فهو مأموه وهو الذي ليس عقله معه.
[9141]:العلج: الكافر من العجم.