التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ مِنۡ عَذَابٖ شَدِيدٍ} (2)

{ الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض }

قرأ نافع ، وابن عامر ، وأبو جعفر برفع اسم الجلالة على أنه خبر عن مبتدإ محذوف . والتقدير : هو ( أي العزيزُ الحميد ) اللّهُ الموصوف بالذي له ما في السماوات الأرض . وهذا الحذف جارٍ على حذف المسند إليه المسمى عند علماء المعاني تبعاً للسكاكِي بالحَذف لمتابعة الاستعمال ، أي استعمال العرب عندما يجري ذكر موصوف بصفات أن ينتقلوا من ذلك إلى الإخبار عنه بما هو أعظم مما تقدم ذكره ليكسب ذلك الانتقال تقريراً للغرض ، كقول إبراهيم الصولي :

سأشكر عَمْراً إن تراختْ منيتـــي *** أيــاديَ لم تُمْنَنْ وإنْ هيَ جَلّت

فَتى غيرُ محجوب الغنى عن صديقه *** ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت

أي هو فتى من صفته كيت وكيت .

وقرأه الباقون إلاّ رُويْساً عن يعقوب بالجَرّ على البدلية من { العزيز الحميد } ، وهي طريقة عربية . ومآل القراءتين واحد وكلتا الطريقتين تفيد أن المنتقل إليه أجدر بالذكر عقب ما تقدمه ، فإن اسم الجلالة أعظم من بقية الصفات لأنه عَلَم الذات الذي لا يشاركه موجود في إطلاقه ولا في معناه الأصلي المنقول منه إلى العلمية إلا أن الرفع أقوى وأفخم .

وقرأه رُوَيْس عن يعقوب بالرفع إذا وقف على قوله : { الحميد } وابتدىء باسم { الله } ، فإذا وصل { الحميد } باسم { الله } جر اسم الجلالة على البدلية .

وإجراء الوصف بالموصول على اسم الجلالة لزيادة التفخيم لا للتعريف ، لأن ملك سائر الموجودات صفة عظيمة والله معروف بها عند المخاطبين . وفيه تعريض بأن صراط غير الله من طرق آلهتهم ليس بواصل إلى المقصود لنقصان ذويه . وفي ذكر هذه الصلة إدماجُ تعريض بالمشركين الذين عبدوا ما ليس له السماوات والأرض .

{ وويل للكافرين من عذاب شديد }

لمّا أفاد قوله : { إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السموات وما في الأرض } تعريضاً بالمشركين الذين اتبعوا صراط غير الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض عطف الكلام إلى تهديدهم وإنذارهم بقوله : { وويل للكافرين من عذاب شديد } ، أي للمشركين به آلهة أخرى .

وجملة { وويل للكافرين } إنشاء دعاء عليهم في مقام الغضب والذم ، مثل قولهم : ويحك ، فعطفه من عطف الإنشاء على الخبر .

{ وويل } مصدر لا يعرف له فعل ، ومعناه الهلاك وما يقرب منه من سوء الحالة ، ولأنه لا يُعرف له فعل كان اسم مصدر وعومل معاملة المصادر ، ينصب على المفعولية المطلقة ويرفع لإفادة الثبات ، كما تقدم في رفع { الحمد لله } في سورة الفاتحة . ويقال : ويل لك وويلك ، بالإضافة . ويقال : يا ويلك ، بالنداء . وقد يذكر بعد هذا التركيب سببه فيؤتى به مجروراً بحرف { مِن } الابتدائية كما في قوله هنا { من عذاب شديد } ، أي هلاكاً ينجر لهم من العذاب الشديد الذي يلاقونه وهو عذاب النار .

وتقدم الويل عند قوله تعالى : { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم } في سورة البقرة ( 79 ) .

والكافرون هم المعهودون وهم الذين لم يخرجوا من الظلمات إلى النور ، ولا اتبعوا صراط العزيز الحميد ، ولا انتفعوا بالكتاب الذي أنزل لإخراجهم من الظلمات إلى النور .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ مِنۡ عَذَابٖ شَدِيدٍ} (2)

قوله تعالى : " الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض " أي ملكا وعبيدا واختراعا وخلقا . وقرأ نافع وابن عامر وغيرهما : " الله " بالرفع على الابتداء " الذي " خبره . وقيل : " الذي " صفة ، والخبر مضمر ، أي الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض قادر على كل شيء . الباقون بالخفض نعتا للعزيز الحميد فقدم النعت على المنعوت ، كقولك : مررت بالظريف زيد . وقيل : على البدل من " الحميد " وليس صفة ؛ لأن اسم الله صار كالعلم فلا يوصف ، كما لا يوصف بزيد وعمرو ، بل يجوز أن يوصف به من حيث المعنى ؛ لأن معناه أنه المنفرد بقدرة الإيجاد . وقال أبو عمرو : والخفض على التقديم والتأخير ، مجازه : إلى صراط الله العزيز الحميد الذي له ما في السماوات وما في الأرض . وكان يعقوب إذا وقف على " الحميد " رفع ، وإذا وصل خفض على النعت . قال ابن الأنباري : من خفض وقف على " وما في الأرض " .

قوله تعالى : " وويل للكافرين من عذاب شديد " قد تقدم معنى الويل في " البقرة " {[9445]} وقال الزجاج : هي كلمة تقال للعذاب والهلكة . " من عذاب شديد " أي من جهنم .


[9445]:راجع ج 2 ص 7 فما بعد.