التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَتِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰٓ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلۡنَا لِمَهۡلِكِهِم مَّوۡعِدٗا} (59)

بعد أن أزيل غرُورهم بتأخر العذاب ، وأبطل ظنهم الإفلات منه ببيان أن ذلك إمهال من أثر رحمة الله بخلقه ، ضرب لهم المثل في ذلك بحال أهل القرى السالفين الذين أُخر عنهم العذاب مدة ثم لم ينجوا منه بأخَرة ، فالجملة معطوفة على جملة { بل لهم موعد } [ الكهف : 58 ] .

والإشارة ب تلك إلى مقدر في الذهن ، وكاف الخطاب المتصلة باسم الإشارة لا يراد به مخاطب ولكنها من تمام اسم الإشارة ، وتجري على ما يناسب حال المخاطب بالإشارة من واحد أو أكثر ، والعرب يعرفون ديار عاد وثمود ومدين ويسمعون بقوم لوط وقوم فرعون فكانت كالحاضرة حين الإشارة .

والظلم : الشرك وتكذيب الرسل . والمُهلك بضم الميم وفتح اللام مصدر ميمي من أهلك ، أي جعلنا لإهلاكنا إياهم وقتاً معيناً في علمنا إذا جاء حلَّ بهم الهلاك . هذه قراءة الجمهور . وقرأه حفص عن عاصم بفتح الميم وكسر اللام على أنه اسم زمان على وزن مَفعل . وقرأه أبو بكر عن عاصم بفتح الميم وفتح اللام على أنه مصدر ميمي لِهَلَك .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَتِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰٓ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلۡنَا لِمَهۡلِكِهِم مَّوۡعِدٗا} (59)

قوله تعالى : " وتلك القرى أهلكناهم " " تلك " في موضع رفع بالابتداء . " القرى " نعت أو بدل . و " أهلكناهم " في موضع الخبر محمول على المعنى ؛ لأن المعنى أهل القرى . ويجوز أن تكون " تلك " في موضع نصب على قول{[10595]} من قال : زيدا ضربته ، أي وتلك القرى التي قصصنا عليك نبأهم ، نحو قرى عاد وثمود ومدين وقوم لوط أهلكناهم لما ظلموا وكفروا . " وجعلنا لمهلكهم موعدا{[10596]} " أي وقتا معلوما لم تعده و " مهلك " من أهلكوا . وقرأ عاصم " مهلكهم " بفتح الميم واللام وهو مصدر هلك . وأجاز الكسائي والفراء " لمهلكهم " بكسر اللام وفتح الميم . النحاس : قال الكسائي{[10597]} وهو أحب إلي لأنه من هلك . الزجاج : اسم للزمان والتقدير : لوقت مهلكهم ، كما يقال : أتت الناقة{[10598]} على مضربها .


[10595]:الزيادة من "إعراب القرآن" للنحاس.
[10596]:هذه قراءة الجمهور كما البحر وغيره.
[10597]:من ك.
[10598]:ضرب الجمل الناقة يضربها إذا نزا عليها، وأتت الناقة على مضربها: أي على الزمن والوقت الذي ضربها الفحل فيه، جعلوا الزمان كالمكان.