التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَلَمَّا بَلَغَا مَجۡمَعَ بَيۡنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ سَرَبٗا} (61)

الفاء للتفريع والفصيحة لأنها تفصح عن كلام مقدر ، أي فسارا حتى بلغا مجمع البحرين . وضمير { بينهما } عائد إلى البحرين ، أي محلا يجمع بين البحرين . وأضيف ( مجمع ) إلى ( بين ) على سبيل التوسع ، فإن ( بين ) اسم لمكان متوسط شيئين ، وشأنه في اللغة أن يكون ظرفاً للفعل ، ولكنه قد يستعمل لمجرد مكان متوسط إما بالإضافةِ كما هنا ، ومنه قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } [ المائدة : 106 ] ، وهو بمنزلة إضافة المصدر أو اسم الفاعل إلى معمولة ؛ أو بدون إضافة توسعاً كقوله تعالى : { لقد تقطع بينكم } [ الأنعام : 94 ] في قراءة من قرأ برفع بينكم .

والحوت هو الذي أمر الله موسى باستصحابه معه ليكون له علامة على المكان الذي فيه الخضر كما تقدم في سياق الحديث . والنسيان تقدم في قوله تعالى : { أو ننسها } في سورة البقرة ( 106 ) .

ومعنى نسيانهما أنهما نسيا أن يراقبا حاله أباققٍ هو في مِكتله حينئذٍ حتى إذا فقداه في مقامهما ذلك تحققا أن ذلك الموضع الذي فقداه فيه هو الموضع المؤقت لهما بتلك العلامة فلا يزيدا تعباً في المشي ، فإسناد النسيان إليهما حقيقة ، لأن يوشع وإن كان هو الموكل بحفظ الحوت فكان عليه مراقبته إلا أن موسى هو القاصد لهذا العمل فكان يهمه تعهده ومراقبته . وهذا يدل على أن صاحب العمل أو الحاجة إذا وَكَله إلى غيره لا ينبغي له ترك تعهده . ثم إن موسى عليه السلام نام وبقي فتاه يقظان فاضطرب الحوت وجعل لنفسه طريقاً في البحر .

والسرَب : النفق . والاتخاذ : الجعل . وقد انتصب سرباً } على الحال من { سبيله } مراداً بالحال التشبيه ، كقول امرىء القيس :

إذا قامتا تضوّع المسك منهما *** نسيمَ الصبا جاءت بِريّا القرَنفل

وقد مر تفسير كيف اتخذ البحر سرباً في الحديث السابق عن أبَيّ بن كعب .

وحذف مفعول { جاوزا } للعلم ، أي جاوزا مجمع البحرين .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَلَمَّا بَلَغَا مَجۡمَعَ بَيۡنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ سَرَبٗا} (61)

الضمير في قوله : " بينهما " للبحرين ، قاله مجاهد . والسرب المسلك ، قاله مجاهد . وقال قتادة : جمد الماء فصار كالسراب . وجمهور المفسرين أن الحوت بقي موضع سلوكه فارغا ، وأن موسى مشى عليه متبعا للحوت ، حتى أفضى به الطريق إلى جزيرة في البحر ، وفيها وجد الخضر . وظاهر الروايات والكتاب أنه إنما وجد الخضر في ضفة البحر وقوله : " نسيا حوتهما " وإنما كان النسيان من الفتى وحده فقيل : المعنى ، نسي أن يعلم موسى بما رأى من حال فنسب النسيان إليهما للصحبة ، كقوله تعالى : " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان{[10609]} " [ الرحمن : 22 ] وإنما يخرج من الملح ، وقوله : " يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم . . . {[10610]} " وإنما الرسل من الإنس لا من الجن وفي البخاري ، ( فقال لفتاه : لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت ، قال : ما كلفت كثيرا ، فذلك قوله عز وجل : " وإذ قال موسى لفتاه . . . " يوشع بن نون - ليست عن سعيد{[10611]} - قال فبينا هو في ظل صخرة في مكان ثَرْيَانَ{[10612]} إذ تَضَرَّبَ الحوتُ تضرب{[10613]} الحوت وموسى نائمٌ فقال فتاه : لا أوقظه ، حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره ، وتَضَرَّبَ الحوت حتى دخل البحر ، فأمسك الله عنه جِرْية البحر حتى كأن أثره في حجر ، قال لي عمرو{[10614]} : هكذا كأن أثره في حجر وحَلَّقَ بين إبهاميه واللتين تليانهما ) وفي رواية( وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار مثل الطاق{[10615]} ، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما ، حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه : " آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا " ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمر الله به ، فقال له فتاه : " أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره " ) وقيل : إن النسيان كان منهما لقوله تعالى : " نسيا " فنسب النسيان إليهما ، وذلك أن بدو حمل الحوت كان من موسى لأنه الذي أمر به ، فلما مضيا كان فتاه الحامل له حتى أويا إلى الصخرة نزلا .


[10609]:راجع جـ ص 161.
[10610]:راجع جـ 7 ص 85.
[10611]:أي قال ابن جريج ـ هو أحد رواة الحديث ـ ليست تسمية الفتى عن سعيد بن جبير. (قسطلاني).
[10612]:ثريان: يقال مكان ثريان وأرض ثريا إذا كان في ترابهما بلل وندى.
[10613]:تضرب: اضطرب وتحرك إذ حيي في المكتل.
[10614]:أي قال ابن جريج قال لي عمرو . . . الخ.
[10615]:الطاق: عقد البناء..