التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ} (13)

ضمير { جعلناه } عائد إلى الإنسان .

والسّلالة : الشيء المسلول ، أي المنتَزع من شيء آخر ، يقال : سَللت السيف ، إذا أخرجته من غمده ، فالسلالة خلاصة من شيء ، ووزن فُعَالة يؤذن بالقلة مثل القُلامة والصُبابة .

و { من } ابتدائية ، أي خلقناه منفصلاً وآتيا من سلالة ، فتكون السلالة على هذا مجموع ماء الذكر والأنثى المسلول من دمهما .

وهذه السلالة هي ما يفرزه جهاز الهضم من الغذاء حين يصير دماً ؛ فدم الذكر حين يمر على غدتي التناسل ( الأنثيين ) تفرز منه الأنثيان مادة دُهنيَّة شحميَّة تحتفظ بها وهي التي تتحوّل إلى منيّ حين حركة الجماع ، فتلك السلالة مخرجة من الطين لأنها من الأغذية التي أصلها من الأرض . ودم المرأة إذا مر على قناة في الرحم ترك فيها بويضات دقيقة هي بَذر الأجنة . ومن اجتماع تلك المادة الدُهنية التي في الأنثيين مع البويضة من البويضات التي في قناة الرحم يتكوّن الجنين فلا جرم هو مخلوق من سُلالةٍ من طينٍ .

وقوله { ثم جعلناه نطفة في قرار مَكين } طور آخر للخلق وهو طور اختلاط السُلالتين في الرحم . سميت سُلالة الذكر نطفة لأنها تنطُف ، أي تقطر في الرحم في قناة معروفة وهو القرار المكين .

ف { نطفةً } مَنصُوبٌ على الحال وقوله : { في قرار مكين } هو المفعول الثاني ل { جعلناه } . و { ثم } للترتيب الرتبي لأن ذلك الجعل أعظم من خلق السلالة . فضمير { جعلناه } عائد إلى الإنسان باعتبار أنه من السلالة ، فالمعنى : جعلنا السلالة في قرار مكين ، أي وضعناها فيه حفظاً لها ، ولذلك غُير في الآية التعبير عن فعل الخلق إلى فعل الجعل المتعدي ب ( في ) بمعنى الوضع .

والقرار في الأصل : مصدر قَرّ إذا ثبت في مكانه ، وقد سمي به هنا المكان نفسُه . والمكين : الثابت في المكان بحيث لا يقلع من مكانه ، فمقتضى الظاهر أن يوصف بالمكين الشيءُ الحالّ في المكان الثابت فيه . وقد وقع هنا وصفاً لنفس المكان الذي استقرت فيه النطفة ، على طريقة المجاز العقلي للمبالغة ، وحقيقتُه مكين حالُّه ، وقد تقدم قوله تعالى : { أكفرت بالذي خلقك من تراب ثمّ من نطفة } في سورة الكهف ( 37 ) وقوله : { فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة } في سورة الحج ( 5 ) .

ويجوز أن يراد بالإنسان في قوله : { ولقد خلقنا الإنسان } آدم . وقال بذلك قتادة فتكون السّلالة الطينَةَ الخاصةَ التي كوّن الله منها آدم وهي الصلصال الذي ميزه من الطين في مبدإ الخليقة ، فتلك الطينة مسْلولة سلاّ خاصّاً من الطين ليتكوّن منها حيٌّ ، وعليه فضمير { جعلناه نطفة } على هذا الوجه عائد إلى الإنسان باعتبار كونه نسلاً لآدم فيكون في الضمير استخدام ، ويكون معنى هذه الآية كمعنى قوله تعالى : { وبدَأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين } [ السجدة : 7 ، 8 ] .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ} (13)

ويجيء الضمير في قوله : " ثم جعلناه " عائدا على ابن آدم ، وإن كان لم يذكر لشهرة الأمر ، فإن المعنى لا يصلح إلا له . نظير ذلك " حتى توارت بالحجاب " {[11624]}[ ص : 32 ] . وقيل : المراد بالسلالة ابن آدم ، قاله ابن عباس وغيره . والسلالة على هذا صفوة الماء ، يعني المني . والسلالة فعالة من السل وهو استخراج الشيء من الشيء ؛ يقال : سللت الشعر من العجين ، والسيف من الغمد فانسل ، ومنه قوله :

فسُلِّي ثيابي من ثيابِك تَنْسُلِ{[11625]}

فالنطفة سلالة ، والولد سليل وسلالة ، عُني به الماء يسل من الظهر سلا . قال الشاعر :

فجاءت به عَضْبَ الأديم غَضَنْفَرًا *** سلالةَ فرجٍ كان غيرَ حصين{[11626]}

وقال آخر :

وما هندُ إلا مُهْرَةٌ عربيةٌ *** سليلةُ أفراس تجلَّلَها بغلُ{[11627]}

وقوله " من طين " أي أن الأصل آدم وهو من طين .

قلت : أي من طين خالص ، فأما ولده فهو من طين ومني ، حسبما بيناه في أول سورة الأنعام{[11628]} . وقال الكلبي : السلالة الطين إذا عصرته انسل من بين أصابعك ، فالذي يخرج هو السلالة .


[11624]:راجع ج 15 ص 195 فما بعد.
[11625]:هذا عجز بيت من معلقة امرئ القيس. وصدره: *وإن تك قد ساءتك مني خليقة*
[11626]:البيت لحسان بن ثابت.
[11627]:نسب صاحب لسان العرب هذا البيت لهند بنت النعمان(مادة سلل). وتجللها: علاها.وقوله: "بغل" قال ابن بري: وذكر بعضهم أنها تصحيف، وأن صوابه "نعل"بالنون وهو الخسيس من الناس والدواب، وفي ب وج وك: تحللها. بالمهملة وهو المشهور.
[11628]:راجع ج 6 ص 387.