التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ} (14)

حرف ( ثم ) في قوله : { ثم خلقنا النطفة علقة } للترتيب الرتْبي إذ كان خلق النطفة علقة أعجبَ من خلق النطفة إذ قد صُير الماء السائل دَماً جامداً فتغير بالكثافة وتبدل اللون من عواملَ أودعها الله في الرحم .

ومن إعجاز القرآن العلمي تسمية هذا الكائن باسم العلَقة فإنه وضْع بديع لهذا الاسم إذ قد ثبت في علم التشريح أن هذا الجزء الذي استحالت إليه النطفة هو كائن له قوة امتصاص القوة من دم الأم بسبب التصاقه بعروق في الرحم تدفع إليه قوة الدم ، والعلقة : قطعة من دم عاقد .

والمضغة : القطعة الصغيرة من اللحم مقدار اللقمة التي تمضغ . وقد تقدم في أول سورة الحج كيفية تخلق الجنين .

وعطف جَعل العَلقةِ مُضغةً بالفاء لأن الانتقال من العلقة إلى المضغة يشبه تعقيب شيء عن شيء إذ اللحم والدم الجامد متقاربان فتطورهما قريب وإن كان مكث كل طورٍ مدة طويلة .

وخلق المضغة عظاماً هو تكوين العظام في داخل تلك المضغة وذلك ابتداء تكوين الهيكل الإنساني من عظم ولحم ، وقد دل عليه قوله : { فكسونا العظام لحماً } بفاء التفريع على الوجه الذي قرر في عطف { فخلقنا المضغة } بالفاء .

فمعنى { فَكَسَوْنا } أن اللحم كانَ كالكسوة للعظام ولا يقتضي ذلك أن العظام بقيت حيناً غير مكسوة ، وفي الحديث الصحيح : « إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثلَ ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملَك فَيَنْفُخُ فيه الروحَ » الحديث ، فإذا نُفخ فيه الروح فقد تهيأ للحياة والنماء وذلك هو المشار إليه بقوله تعالى : { ثم أنشأناه خلقاً آخر } لأن الخلق المذكور قبله كان دون حياة ثم نشأ فيه خَلق الحياة وهي حالة أخرى طرأت عليه عبر عنها بالإنشاء .

وللإشارة إلى التفاوت الرتبي بين الخلقين عطف هذا الإنشاء ب ( ثم ) الدالة على أصل الترتيب في عطف الجمل ب ( ثم ) .

وهذه الأطوار التي تعرضت لها الآية سبعة أطوار فإذا تمت فقد صار المتخلِّق حياً ، وفي « شرح الموطأ » : « تناجى رجلان في مجلس عمر بن الخطاب وعليٌّ حاضر فقال لهما عمر : ما هذه المناجاة ؟ فقال أحدهما : إن اليهود يزعمون أن العزل هو الموءودة الصغرى ، فقال علي : لا تكون موءودة حتَّى تمرّ عليها التارات السبع { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } الآية ، فقال عُمرُ لعليّ : صدقت أطال الله بقاءك » . فقيل : إن عمر أول من دعا بكلمة « أطال الله بقاءك » .

وقرأ الجمهور { فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام } بصيغة جمع { العظام } فيهما . وقرأه ابن عامر وأبو بكر عن عاصم { عظماً . . والعَظْمَ } بصيغة الإفراد .

وفُرع على حكاية هذا الخلق العجيب إنشاء الثناء على الله تعالى بأنه { أحسن الخالقين } أي أحسن المنشئين إنشاءً ، لأنه أنشأ ما لا يستطيع غيره إنشاءه .

ولما كانت دلالة خلق الإنسان على عظم القدرة أسبق إلى اعتبار المعتبر كان الثناء المعقب به ثناء على بديع قدرة الخالق مشتقاً من البركة وهي الزيادة .

وصيغة تفاعَل صيغة مطاوعة في الأصل ، وأصل المطاوعة قبول أثر الفعل ، وتستعمل في لازم ذلك وهو التلبس بمعنى الفعل تلبساً مكيناً لأن شأن المطاوعة أن تكون بعد معالجة الفعل فتقتضي ارتساخ معنى الفعل في المفعول القابل له حتى يصير ذلك المفعول فاعلاً فيقال : كسرته فتكسر ، فلذلك كان تفاعَل إذا جاء بمعنى فَعَل دالاًّ على المبالغة كما صرح به الرضيّ في « شرح الشافية » ، ولذلك تتفق صيغ المطاوعة وصيغ التكلف غالباً في نحو : تثنَّى . وتكبَّرَ ، وتشامخ ، وتقاعس . فمعنى { تبارك الله } أنه موصوف بالعظمة في الخير ، أي عظمةِ ما يقدره من خير للناس وصلاح لهم .

وبهذا الاعتبار تكون الجملة تذييلاً لأن { تبارك } لما حذف متعلقه كان عاماً فيشمل عظمة الخير في الخلق وفي غيره . وكذلك حذف متعلق { الخالقين } يعم خلق الإنسان وخلق غيره كالجبال والسماوات .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ} (14)

الثانية-قوله تعالى : " نطفة " قد مضى القول في النطفة والعلقة والمضغة وما في ذلك من الأحكام في أول الحج{[11629]} والحمد لله على ذلك .

الثالثة-قوله تعالى : " ثم أنشأناه خلقا آخر " اختلف الناس في الخلق الآخر ، فقال ابن عباس والشعبي وأبو العالية والضحاك وابن زيد : هو نفخ الروح فيه بعد أن كان جمادا . وعن ابن عباس : خروج إلى الدنيا . وقال قتادة عن فرقة : نبات شعره . الضحاك : خروج الأسنان ونبات الشعر . مجاهد : كمال شبابه ، وروي عن ابن عمر ، والصحيح أنه عام في هذا وفي غيره من النطق والإدراك وحسن المحاولة وتحصيل المعقولات إلى أن يموت .

الرابعة-قوله تعالى : " فتبارك الله أحسن الخالقين " يروى أن عمر بن الخطاب لما سمع صدر الآية إلى قوله " خلقا آخر " قال فتبارك الله أحسن الخالقين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هكذا أنزلت ) . وفي مسند الطيالسي : ونزلت " ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين " الآية ، فلما نزلت قلت أنا : تبارك الله أحسن الخالقين ، فنزلت " تبارك الله أحسن الخالقين " . ويروى أن قائل ذلك معاذ ابن جبل . وروي أن قائل ذلك عبد الله بن أبي سرح ، وبهذا السبب ارتد وقال : آتي بمثل ما يأتي محمد ، وفيه نزل " ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " [ الأنعام : 93 ] على ما تقدم بيانه في " الأنعام " {[11630]} . وقوله تعالى : " فتبارك " تفاعل من البركة . " أحسن الخالقين " أتقن الصانعين . يقال لمن صنع شيئا خلقه ، ومنه قول الشاعر :

ولأنت تَفْرِي ما خلقتَ وبع *** ضُ القوم يخلق ثم لا يَفْرِي{[11631]}

وذهب بعض الناس إلى نفي هذه اللفظة عن الناس وإنما يضاف الخلق إلى الله تعالى . وقال ابن جريج : إنما قال " أحسن الخالقين " لأنه تعالى قد أذن لعيسى عليه السلام أن يخلق ، واضطرب بعضهم في ذلك . ولا تنفى اللفظة عن البشر في معنى الصنع ، وإنما هي منفية بمعنى الاختراع وإيجاد من العدم .

الخامسة{[11632]}-مسألة : من هذه الآية قال ابن عباس لعمر حين سأل مشيخة الصحابة عن ليلة القدر فقالوا : الله أعلم ، فقال عمر : ما تقول يا ابن عباس ؟ فقال : يا أمير المؤمنين إن الله تعالى خلق السموات سبعا والأرضين سبعا ، وخلق ابن آدم من سبع ، وجعل رزقه في سبع ، فأراها في ليلة سبع وعشرين . فقال عمر رضي الله عنه : أعجزكم{[11633]} أن تأتوا بمثل ما أتى هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه . وهذا الحديث بطوله في مسند ابن أبي شيبة . فأراد ابن عباس " خلق ابن آدم من سبع " بهذه الآية{[11634]} ، وبقوله " وجعل رزقه في سبع " قوله " فأنبتنا{[11635]} فيها حبا . وعنبا وقضبا . وزيتونا ونخلا . وحدائق علبا . وفاكهة وأبا " [ عبس : 27 - 31 ] الآية . السبع منها لابن آدم ، والأب للأنعام . والقضب يأكله ابن آدم ويسمن منه النساء ، هذا قول . وقيل : القضب البقول لأنها تقضب ، فهي رزق ابن آدم . وقيل : القضب والأب للأنعام ، والست الباقية لابن آدم ، والسابعة هي للأنعام ؛ إذ هي من أعظم رزق ابن آدم .


[11629]:راجع ص 6 من هذا الجزء.
[11630]:راجع ج 7 ص 39.
[11631]:البيت لزهير بن أبي سلمى يمدح هرم بن سنان. والفري: القطع.
[11632]:كذا في ك و ز . وفي ب و ج وط : مسألة.
[11633]:في الدر المنثور: "أعجزتم أن تقولوا كما قال هذا الغلام".
[11634]:كذا في ألأصول، وسياق الكلام يقتضي أن تكون العبارة هكذا: فأراد ابن عباس بقوله: "خلق بن آدم من سبع هذه الآية..." إلخ.
[11635]:راجع ج 19 ص 218 فما بعد.