التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَٱجۡعَل لِّي لِسَانَ صِدۡقٖ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ} (84)

واللسان مراد به الكلام من إطلاق اسم الآلة على ما يتقوم بها . واللام في قوله : { لي } تقتضي أن الذكر الحسن لأجله فهو ذكره بخير . وإضافة { لسان } إلى { صدق } من إضافة الموصوف إلى الصفة ، ففيه مبالغة الوصف بالمصدر ، أي لساناً صادقاً .

والصدق هنا كناية عن المحبوب المرغوب فيه لأنه يرغب في تحققه ووقوعه في نفس الأمر . وسأل أن يكون من المستحقين الجنة خالداً فاستعير اسم الورثة إلى أهل الاستحقاق لأن الوارث ينتقل إليه ملك الشيء الموروث بمجرد موت المالك السابق . ولما لم يكن للجنة مالكون تعين أن يكون الوارثون المستحقين من وقت تبَوُّؤ أهل الجنة الجنة ، قال تعالى : { أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون } [ المؤمنون : 10 ، 11 ] .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱجۡعَل لِّي لِسَانَ صِدۡقٖ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ} (84)

قوله تعالى : " واجعل لي لسان صدق في الآخرين " قال ابن عباس : هو اجتماع الأمم عليه . وقال مجاهد : هو الثناء الحسن . قال ابن عطية : هو الثناء وخلد المكانة بإجماع المفسرين ، وكذلك أجاب الله دعوته ، وكل أمة تتمسك به وتعظمه ، وهو على الحنيفية التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم . وقال مكي : وقيل معناه سؤاله أن يكون من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق ، فأجيبت الدعوة في محمد صلى الله عليه وسلم ، قال ابن عطية : وهذا معنى حسن إلا أن لفظ الآية لا يعطيه إلا بتحكم على اللفظ . وقال القشيري : أراد الدعاء الحسن إلى قيام الساعة ، فإن زيادة الثواب مطلوبة في حق كل أحد .

قلت : وقد فعل الله ذلك إذ ليس أحد يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم إلا وهو يصلي على إبراهيم وخاصة في الصلوات ، وعلى المنابر التي هي أفضل الحالات وأفضل الدرجات . والصلاة دعاء بالرحمة : والمراد باللسان القول ، وأصله جارحة الكلام . قال القتبي : وموضع اللسان موضع القول على الاستعارة ، وقد تكني العرب بها عن الكلمة . قال الأعشى :

إني أتتني لسانٌ لا أُسَرُّ بها *** من عَلْوُ لا عجبٌ منها ولا سَخَرُ

قال الجوهري : يروى من علو بضم الواو وفتحها وكسرها . أي أتاني خبر من أعلى ، والتأنيث للكلمة . وكان قد أتاه خبر مقتل أخيه المنتشر . روى أشهب عن مالك قال قال الله عز وجل : " واجعل لي لسان صدق في الآخرين " لا بأس أن يحب الرجل أن يثنى عليه صالحا ويرى في عمل الصالحين ، إذا قصد به وجه الله تعالى ، وقد قال الله تعالى : " وألقيت عليك محبة مني " [ طه : 39 ] وقال : " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا " [ مريم : 96 ] أي حبا في قلوب عباده وثناء حسنا ، فنبه تعالى بقوله : " واجعل لي لسان صدق في الآخرين " على استحباب اكتساب ما يورث الذكر الجميل . الليث بن سليمان : إذ هي الحياة الثانية . قيل :

قد مات قوم وهم في الناس أحياء

قال ابن العربي : قال المحققون من شيوخ الزهد في هذا دليل على الترغيب في العمل الصالح الذي يكسب الثناء الحسن ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ) الحديث وفي رواية إنه كذلك في الغرس والزرع وكذلك فيمن مات مرابطا يكتب له عمله إلى يوم القيامة . وقد بيناه في آخر " آل عمران " {[12211]} والحمد لله .


[12211]:راجع ج 4 ص 323 طبعة أولى أو ثانية.