التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا} (11)

الإشارة ب { هُنَالك } إلى المكان الذي تضمنه قوله { جاءتكم جنود } [ الأحزاب : 9 ] وقوله { إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم } . والأظهر أن تكون الإشارة إلى الزمان الذي دلت عليه { إذْ في قوله : وإذ زاغت الأبصار . } وكثيراً ما ينزّل أحد الظرفين منزلة الآخر ولهذا قال ابن عطية : { هنالك } : ظرف زمان والعامل فيه ابتلي اهـ . قلت : ومنه دخول ( لات ) على ( هَنّا ) في قول حجل بن نضلة :

خنت نَوارُ ولات هَنَّا حِنت *** وبدا الذي كانت نوار أجنت

فإن ( لات ) خاصة بنفي أسماء الزمان فكان ( هَنَّا ) إشارة إلى زمان منكر وهو لغة في ( هُنا ) . ويقولون : يومُ هُنَا ، أي يوم أول ، فيشيرون إلى زمن قريب ، وأصل ذلك مجاز توسع فيه وشاع .

والابتلاء : أصله الاختبار ، ويطلق كناية عن إصابة الشدة لأن اختبار حال الثبات والصبر لازم لها ، وسمى الله ما أصاب المؤمنين ابتلاء إشارة إلى أنه لم يزعزع إيمانهم .

والزلزال : اضطراب الأرض ، وهو مضاعف زَلّ تضعيفاً يفيد المبالغة ، وهو هنا استعارة لاختلال الحال اختلالاً شديداً بحيث تُخَيَّل مضطربة اضطراباً شديداً كاضطراب الأرض وهو أشدّ اضطراباً للحاقه أعظم جسم في هذا العالم . ويقال : زُلْزِلَ فلان ، مبنياً للمجهول تبعاً لقولهم : زُلزلت الأرض ، إذ لا يعرف فاعل هذا الفعل عُرفاً . وهذا هو غالب استعماله قال تعالى : { وزلزلوا حتى يقول الرسول الآية } [ البقرة : 214 ] .

والمراد بزلزلة المؤمنين شدة الانزعاج والذعر لأن أحزاب العدو تفوقُهم عَدداً وعُدة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا} (11)

قوله تعالى : " هنالك ابتلي المؤمنون " " هنا " للقريب من المكان . و " هنالك " للبعيد . و " هناك " للوسط . ويشار به إلى الوقت ، أي عند ذلك اختبر المؤمنون ليتبين المخلص من المنافق . وكان هذا الابتلاء بالخوف والقتال والجوع والحصر والنزال . " وزلزلوا زلزالا شديدا " أي حركوا تحريكا . قال الزجاج : كل مصدر من المضاعف على فعلال يجوز فيه الكسر والفتح ؛ نحو قلقلته قلقالا وقلقالا ، وزلزلوا زلزالا وزلزالا . والكسر أجود ؛ لأن غير المضاعف على الكسر نحو دحرجته دحراجا . وقراءة العامة بكسر الزاي . وقرأ عاصم والجحدري " زلزالا " بفتح الزاي . قال ابن سلام : أي حركوا بالخوف تحريكا شديدا . وقال الضحاك : هو إزاحتهم عن أماكنهم حتى لم يكن لهم إلا موضع الخندق . وقيل : إنه اضطرابهم عما كانوا عليه ؛ فمنهم من اضطرب في نفسه ومنهم من اضطرب في دينه . و " هنالك " يجوز أن يكون العامل فيه " ابتلي " فلا يوقف على " هنالك " . ويجوز أن يكون " وتظنون بالله الظنونا " فيوقف على " هنالك " .