التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{لِّيَسۡـَٔلَ ٱلصَّـٰدِقِينَ عَن صِدۡقِهِمۡۚ وَأَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا} (8)

واللام في قوله { ليسأل الصادقين عن صدقهم } لام كي ، أي : أخذنا منهم ميثاقاً غليظاً لنعظّم جزاءً للذين يُوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ولنُشدِّد العذاب جزاءً للذين يكفرون بما جاءتهم به رسل الله ، فيكون من دواعي ذكر هذا الميثاق هنا أنه توطئة لذكر جزاء الصادقين وعذاب الكافرين زيادة على ما ذكرنا من دواعي ذلك آنفاً . وهذه علة من علل أخذ الميثاق من النبيئين وهي آخر العِلل حصولاً فأشعر ذكرُها بأن لهذا الميثاق عِللاً تحصل قبل أن يُسْأل الصادقون عن صدقهم ، وهي ما في الأعمال المأخوذ ميثاقهم عليها من جلب المصالح ودرء المفاسد ، وذلك هو ما يُسأل العاملون عن عمله من خير وشرٍ .

وضمير { يسأل } عائد إلى الله تعالى على طريقة الالتفات من التكلم إلى الغيبة .

والمراد بالصادقين أمم الأنبياء الذين بلغهم ما أُخذ على أنبيائهم من الميثاق ، ويقابلهم الكافرون الذين كذبوا أنبياءهم أو الذين صدقوهم ثم نقضوا الميثاق من بعد ، فيشملهم اسم الكافرين .

والسؤال : كناية عن المؤاخذة لأنها من ثواب جواب السؤال أعني إسداء الثواب للصادقين وعذاب الكافرين ، وهذا نظير قوله تعالى { لا يُسْألُ عمّا يفعل } [ الأنبياء : 23 ] ، أي : لا يتعقب أحد فعله ولا يؤاخذه على ما لا يلائمه ، وقول كعب بن زهير :

وقيل : إنك منسوب ومسؤول

وجملة { وأعد للكافرين } عطف على جملة { ليسأل الصادقين } وغُيّر فيها الأسلوب للدلالة على تحقيق عذاب الكافرين حتى لا يتوهم أنهم يسألون سؤال من يُسْمَع جوابُهم أو معذرتُهم ، ولإفادة أن إعداد عذابهم أمر مضى وتقرر في علم الله .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لِّيَسۡـَٔلَ ٱلصَّـٰدِقِينَ عَن صِدۡقِهِمۡۚ وَأَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا} (8)

قوله تعالى : " ليسأل الصادقين عن صدقهم " فيه أربعة أوجه : أحدها : ليسأل الأنبياء عن تبليغهم الرسالة إلى قومهم . حكاه النقاش . وفي هذا تنبيه ، أي إذا كان الأنبياء يسألون فكيف من سواهم . الثاني : ليسأل الأنبياء عما أجابهم به قومهم ، حكاه علي بن عيسى . الثالث : ليسأل الأنبياء عليهم السلام عن الوفاء بالميثاق الذي أخذه عليهم ، حكاه ابن شجرة . الرابع : ليسأل الأفواه الصادقة عن القلوب المخلصة ، وفي التنزيل : " فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين " [ الأعراف : 6 ] . وقد تقّدم{[12720]} . وقيل : فائدة سؤالهم توبيخ الكفار ، كما قال تعالى : " أأنت قلت للناس " {[12721]} [ المائدة : 116 ] . " وأعد للكافرين عذابا أليما " وهو عذاب جهنم .


[12720]:راجع ج 7 ص 164.
[12721]:راجع ج 6 ص 374.