التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلۡأُمُورُ} (53)

{ صراط الله الذي له في السماوات وما في الأرض }

وتنكير { صراط } للتعظيم مثل تنكير ( عظمٍ ) في قول أبي خراش :

فلا وأبي الطير المُرِبَّة في الضحى *** على خالد لقد وقعن على عَظْم

ولأن التنكير أنسب بمقام التعريض بالذين لم يأبهوا بهدايته .

وعُدل عن إضافة { صراط } إلى اسم الجلالة ابتداء لقصد الإجمال الذي يعقبه التفصيل بأن يُبْدل منه بعد ذلك { صراط الله } ليتمكن بهذا الأسلوب المعنى المقصود فَضْلَ تمكُّن على نحو قوله : { اهدنا الصراط المستقيم صراطَ الذين أنعمت عليهم } [ الفاتحة : 6 ، 7 ] .

وإجراء وصف اسم الجلالة باسم الموصول وصلته للإيماء إلى أن سبب استقامة الصراط الذي يهدي إليه النبي بأنه صراط الذي يملك ما في السماوات وما في الأرض فلا يعْزب عنه شيء مما يليق بعباده ، فلما أرسَل إليهم رسولاً بكتاب لا يُرتاب في أن ما أرسل لهم فيه صلاحُهم .

{ أَلاَ إِلَى الله تَصِيرُ الأمور } .

تذييل وتنهية للسورة بختام ما احتوت عليه من المجادلة والاحتجاج بكلام قاطع جامع منذر بوعيد للمعرضين فاجع ومبشر بالوعد لكل خاشع . وافتتحت الجملة بحرف التنبيه لاسترعاء أسماع النّاس . وتقديم المجرور لإفادة الاختصاص ، أي إلى الله لا إلى غيره .

و { المصير } : الرّجوع والانتهاء ، واستعير هنا لظهور الحقائق كما هي يومَ القيامة فيَذهَب تلبيس الملبسين ، ويَهِن جبروت المتجبرين ، ويقرّ بالحق من كان فيه من المعاندين ، وهذا كقوله تعالى : { وإلى الله عاقبة الأمور } [ لقمان : 22 ] وقوله : { وإليه يرجع الأمر كله } [ هود : 123 ] . والأمور : الشؤون والأحوال والحقائق وكل موجود من الذوات والمعاني .

وقد أخذَ هذا المعنى الكميت في قوله :

فالآن صِرتُ إلى أمية والأمورُ إلى مَصائر

وفي تنهية السورة بهذه الآية محسن حُسن الختام .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلۡأُمُورُ} (53)

" صراط الله " بدل من الأول بدل المعرفة من النكرة . قال علي : هو القرآن . وقيل الإسلام . ورواه النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم . " الذي له ما في السماوات وما في الأرض " ملكا وعبدا وخلقا . " ألا إلى الله تصير الأمور " وعيد بالبعث والجزاء . قال سهل بن أبي الجعد : احترق مصحف فلم يبق إلا قوله : " ألا إلى الله تصير الأمور " وغرق مصحف فامحى كله إلا قوله : " ألا إلى الله تصير الأمور " . والحمد لله وحده .