التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمۡ هُزُوٗا وَلَعِبٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَٱلۡكُفَّارَ أَوۡلِيَآءَۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (57)

استئناف هو تأكيد لبعض مضمون الكلام الّذي قبله ، فإنّ قوله : { يأيّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا اليهود والنّصارى أولياءَ } [ المائدة : 51 ] تحذير من موالاة أهل الكتاب ليظهر تميّز المسلمين . وهذه الآية تحذير من موالاة اليهود والمشركين الّذين بالمدينة ، ولا مدخل للنصارى فيها ، إذ لم يكن في المدينة نصارى فيهزأوا بالدّين . وقد عدل عن لفظ اليهود إلى الموصول والصلة وهي { الّذين اتّخذوا دينَكم هزؤاً } الخ لما في الصلة من الإيمان إلى تعليل موجب النّهي .

والدّين هو ما عليه المرء من عقائد وأعمال ناشئة عن العقيدة ، فهو عنوان عقل المتديّن وروائدُ آماله وباعث أعماله ، فالذي يتخذ دين امرىء هزُؤاً فقد اتّخذ ذلك المتديِّن هزؤاً ورمَقه بعين الاحتقار ، إذ عَدّ أعظَمَ شيء عنده سخرية ، فما دون ذلك أوْلى . والّذي يَرمُق بهذا الاعتبار ليس جديراً بالموالاة ، لأنّ شرط الموالاة التماثل في التّفكير ، ولأنّ الاستهزاء والاستخفاف احتقار ، والمودّة تستدعي تعظيم الودود .

وأريد بالكفار في قوله : { والكفار } المشركون ، وهذا اصطلاح القرآن في إطلاق لفظ الكفّار ، والمراد بذلك المشركون من أهل المدينة الّذين أظهروا الإسلام نفاقاً مثل رفاعة بن زيد ، وسويد بن الحارث ، فقد كان بعض المسلمين يوادّهما اغتراراً بظاهر حالهما . روي عن ابن عبّاس : أنّ قوماً من اليهود والمشركين ضحكوا من المسلمين وقت سجودهم . وقال الكلبي : كانوا إذا نادى منادي رسول الله قالوا : صياح مثل صياح العَير ، وتضاحكوا ، فأنزل الله هذه الآية .

وقرأ الجمهور { والكفّارَ } بالنّصب عطفاً على { الّذين اتخذوا دينَكم } المبيَّن بقوله : { من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم } . وقرأ أبو عمرو ، والكسائي ، ويعقوب { والكفارِ } بالخفض عطْفاً على { الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم } ، ومآل القراءتين واحد .

وقوله : { واتّقوا الله إن كنتم مؤمنين } أي احذروه بامتثال ما نهاكم عنه . وذكر هذا الشرط استنهاض للهمّة في الانتهاء ، وإلهابٌ لنفوس المؤمنين ليظهروا أنّهم مؤمنون ، لأنّ شأن المؤمن الامتثال . وليس للشرط مفهوم هنا ، لأنّ الكلام إنشاء ولأنّ خبرَ كان لَقب لا مفهوم له إذ لم يقصد به الموصوف بالتّصديق ، ذلك لأنّ نفي التّقوى لا ينفي الإيمان عند من يُعتدّ به من علماء الإسلام الّذين فهموا مقصد الإسلام في جامعته حقّ الفهم .

وإذا أريد بالموالاة المنهي عنها الموالاة التّامة بمعنى الموافقة في الدّين فالأمر بالتّقوى ، أي الحذر من الوقوع فيما نُهوا عنه معلّق بكونهم مؤمنين بوجه ظاهر . والحاصل أنّ الآية مفسّرة أو مؤوّلة على حسب ما تقدّم في سالفتها { ومن يتوّلهم منكم فإنّه منهم } [ المائدة : 51 ] .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمۡ هُزُوٗا وَلَعِبٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَٱلۡكُفَّارَ أَوۡلِيَآءَۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (57)

فيه مسألتان :

الأولى : روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن قوما من اليهود والمشركين ضحكوا من المسلمين وقت سجودهم ، فأنزل الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا إلى آخر الآيات . وتقدم معنى الهزء في " البقرة " {[5720]} . " من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء " قرأه أبو عمرو والكسائي بالخفض بمعنى ومن الكفار . قال الكسائي : وفي حرف أبي رحمه الله " ومن الكفار " ، و " من " ههنا لبيان الجنس ، والنصب أوضح{[5721]} وأبين . قاله النحاس . وقيل : هو معطوف على أقرب العاملين منه وهو قوله : " من الذين أوتوا الكتاب " فنهاهم الله أن يتخذوا اليهود والمشركين أولياء ، وأعلمهم أن الفريقين اتخذوا دين المؤمنين هزوا ولعبا . ومن نصب عطف على " الذين " الأول في قوله : " لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا - والكفار أولياء " أي لا تتخذوا هؤلاء وهؤلاء أولياء ، فالموصوف بالهزؤ واللعب في هذه القراءة اليهود لا غير . والمنهي عن اتخاذهم أولياء اليهود والمشركون ، وكلاهما في القراءة بالخفض موصوف بالهزؤ واللعب . قال مكي : ولولا اتفاق الجماعة على النصب لاخترت الخفض ، لقوته في الإعراب وفي المعنى والتفسير والقرب من المعطوف عليه . وقيل : المعنى لا تتخذوا المشركين والمنافقين أولياء ، بدليل قولهم : " إنما نحن مستهزئون{[5722]} " [ البقرة : 14 ] والمشركون كل كفار ، لكن يطلق في الغالب لفظ الكفار على المشركين ؛ فلهذا فصل ذكر أهل الكتاب من الكافرين .

الثانية : قال ابن خويز منداد : هذه الآية مثل قوله تعالى : " لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض " [ المائدة : 51 ] ، و " لا تتخذوا بطانة من دونكم{[5723]} " [ آل عمران : 118 ] تضمنت المنع من التأييد والانتصار بالمشركين ونحو ذلك . وروى جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الخروج إلى أحد جاءه قوم من اليهود فقالوا : نسير معك ، فقال عليه الصلاة والسلام{[5724]} : ( إنا لا نستعين على أمرنا بالمشركين ) وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي . وأبو حنيفة جوز الانتصار بهم على المشركين للمسلمين ، وكتاب الله تعالى يدل على خلاف ما قالوه مع ما جاء من السنة ذلك . والله أعلم .


[5720]:راجع ج 1 ص 446.
[5721]:في ج: أفصح.
[5722]:راجع ج 1 ص 206.
[5723]:راجع ج 4 ص 178.
[5724]:من ج و ع.