التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّنَ ٱلۡأَنۢبَآءِ مَا فِيهِ مُزۡدَجَرٌ} (4)

عطف على جملة { وكذبوا واتبعوا أهواءهم } [ القمر : 3 ] أي جاءهم في القرآن من أنباء الأمم ما فيه مزدجر لهؤلاء ، أو أريد بالأنباء الحجج الواردة في القرآن ، أي جاءهم ما هو أشد في الحجة من انشقاق القمر . و { من الأنباء } بيان ما فيه مزدجر قدم على المبين و { من } بيانية .

والمُزدجر : مصدر ميمي ، وهو مصاغ بصيغة اسم المفعول الذي فعله زائد على ثلاثة أحرف . ازدجره بمعنى زجره ، ومادة الافتعال فيه للمبالغة . والدال بدل من تاء الافتعال التي تبدل بعد الزاي إلاّ مثل ازْداد ، أي ما فيه مانع لهم من ارتكاب ما ارتكبوه . والمعنى : ما هو زاجر لهم فجعل الازدجار مظروفاً فيه مجازاً للمبالغة في ملازمته له على طريقة التجريد كقوله تعالى : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } [ الأحزاب : 21 ] أي هو أسوة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّنَ ٱلۡأَنۢبَآءِ مَا فِيهِ مُزۡدَجَرٌ} (4)

قوله تعالى : " ولقد جاءهم من الأنباء " أي من بعض الأنباء ، فذكر سبحانه من ذلك ما علم أنهم يحتاجون إليه ، وأن لهم فيه شفاء . وقد كان هناك أمور أكثر من ذلك ، وإنما اقتص علينا ما علم أن بنا إليه حاجة وسكت عما سوى ذلك ، وذلك قوله تعالى : " ولقد جاءهم من الأنباء " أي جاء هؤلاء الكفار من أنباء الأمم الخالية " ما فيه مزدجر " أي ما يزجرهم عن الكفر لو قبلوه . وأصله مزتجر فقلبت التاء دالا ؛ لأن التاء حرف مهموس والزاي حرف مجهور ، فأبدل من التاء دالا توافقها في المخرج وتوافق الزاي في الجهر . و " مزدجر " من الزجر وهو الانتهاء ، يقال : زجره وازدجره فانزجر وازدجر ، وزجرته أنا فانزجر أي كففته فكف ، كما قال :

فأصبح ما يطلبُ الغانيا *** ت مُزْدَجَراً عن هواه ازدجارا

وقرئ " مزجر " بقلب تاء الافتعال زايا وإدغام الزاي فيها ، حكاه الزمخشري .