التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ} (2)

وانتصب { القرآن } على أنه مفعول ثان لفعل { علم } ، وهذا الفعل هنا معدَى إلى مفعولين فقط لأنه ورد على أصل ما يفيده التضعيف من زيادة مفعول آخر مع فاعل فعلِه المجرد ، وهذا المفعول هنا يصلح أن يتعلق به التعليم إذ هو اسم لشيء متعلق به التعليم وهو القرآن ، فهو كقول معن بن أوس :

أعلِّمه الرماية كلَّ يوم

وقوله تعالى : { وإذ علمتك الكتاب } في سورة العقود ( 110 ) وقوله : { وما علمناه الشعر } في سورة يس ( 69 ) ، ولا يقال : علّمته زيداً صديقاً ، وإنما يقال : أعلمته زيداً صديقاً ، ففعل عَلِم إذا ضُعّف كان بمعنى تحصيل التعليم بخلافه إذ عُدّي بالهمزة فإنه يكون لتحصيل الإِخبار والإِنباء .

وقد عدد الله في هذه السورة نعماً عظيمة على الناس كلهم في الدنيا ، وعلى المؤمنين خاصة في الآخرة وقدم أعظمها وهو نعمة الدين لأن به صلاح الناس في الدنيا ، وباتباعهم إياه يحصل لهم الفوز في الآخرة . ولما كان دين الإسلام أفضل الأديان ، وكان هو المنزّل للناس في هذا الإِبَّان ، وكان متلقى من أفضل الوحي والكتب الإِلهية وهو القرآن ، قدمه في الإِعلام وجعله مؤذناً بما يتضمنه من الدين ومشيراً إلى النعم الحاصلة بما بين يديه من الأديان كما قال : { هذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه } [ الأنعام : 92 ] .

ومناسبة اسم { الرحمن } لهذه الاعتبارات منتزعة من قوله : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } [ الأنبياء : 107 ] .

و { القرآن } : اسم غلب على الوحي اللفظي الذي أوحي به إلى محمد صلى الله عليه وسلم للإِعجاز بسورة منه وتعبُّد ألفاظه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ} (2)

" علم القرآن " أي علمه نبيه صلى الله عليه وسلم حتى أداه إلى جميع الناس . وأنزلت حين قالوا : وما الرحمن ؟ وقيل : نزلت جوابا لأهل مكة حين قالوا : إنما يعلمه بشر وهو رحمن اليمامة ، يعنون مسيلمة الكذاب ، فأنزل الله تعالى : " الرحمن . علم القرآن " . وقال الزجاج : معنى " علم القرآن " أي سهله لأن يذكر ويقرأ كما قال : " ولقد يسرنا القرآن للذكر " [ القمر : 17 ] . وقيل : جعله علامة لما تعبد الناس به .