التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{هَلۡ جَزَآءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ} (60)

تذييل للجمل المبدوءة بقوله : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } [ الرحمن : 46 ] ، أي لأنهم أحسنوا فجازاهم ربهم بالإِحسان .

والإِحسان الأول : الفعلُ الحَسن ، والإِحسان الثاني : إعطاء الحَسن ، وهو الخَير ، فالأول من قولهم : أَحسن في كذا ، والثاني من قولهم : أحسن إلى فلان .

والاستفهام مستعمل في النفي ، ولذلك عقب بالاستثناء فأفاد حصر مجازاة الإِحسان في أنها إحسان ، وهذا الحصر إخبار عن كونه الجزاء الحقَّ ومقتضى الحكمة والعدل ، وإلا فقد يتخلف ذلك لدى الظالمين ، قال تعالى : { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } [ الواقعة : 82 ] وقال : { فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما } [ الأعراف : 190 ] .

وعلم منه أن جزاء الإِساءة السوء قال تعالى : { جزاءً وفاقاً } [ النبأ : 26 ] .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{هَلۡ جَزَآءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ} (60)

قوله تعالى : " هل جزاء الإحسان إلا الإحسان " " هل " في الكلام على أربعة أوجه : تكون بمعنى قد كقوله تعالى : " هل أتى على الإحسان حين من الدهر{[14587]} " [ الإنسان : 1 ] ، وبمعنى الاستفهام كقوله تعالى : " فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا{[14588]} " [ الأعراف : 44 ] ، وبمعنى الأمر كقوله تعالى : " فهل أنتم منتهون{[14589]} " [ المائدة : 91 ] ، وبمعنى ما في الجحد كقوله تعالى : " فهل على الرسل إلا البلاغ{[14590]} " [ النحل : 35 ] ، و " هل جزاء الإحسان إلا الإحسان " . قال عكرمة : أي هل جزاء من قال لا إله إلا الله إلا الجنة . ابن عباس : ما جزاء من قال لا إله إلا اله وعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلا الجنة . وقيل : هل جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن يحسن إليه في الآخرة ، قاله ابن زيد . وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ " هل جزاء الإحسان إلا الإحسان " ثم قال : " هل تدرون ماذا قال ربكم " قالوا الله ورسول أعلم ، قال : " يقول ما جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة " . وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فقال : " يقول الله هل جزاء من أنعمت عليه بمعرفتي وتوحيدي إلا أن أسكنه جنتي وحظيرة قدسي برحمتي " وقال الصادق : هل جزاء من أحسنت عليه في الأزل إلا حفظ الإحسان عليه في الأبد . وقال محمد ابن الحنيفة والحسن : هي مسجلة للبر والفاجر ، أي مرسلة على الفاجر في الدنيا والبر في الآخرة .


[14587]:راجع جـ 19 ص 306.
[14588]:راجع جـ 7 ص 209.
[14589]:راجع جـ 6 ص 292
[14590]:راجع جـ 10 ص 103.