التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{لَّا يُصَدَّعُونَ عَنۡهَا وَلَا يُنزِفُونَ} (19)

والتصديع : الإِصابة بالصُداع ، وهو وجع الرأس من الخُمار الناشىء عن السكر ، أي لا تصيبهم الخمر بصُداع .

ومعنى ( عنها ) مجاوزين لها ، أي لا يقع لهم صداع ناشىء عنها ، أي فهي منزهة عن ذلك بخلاف خمور الدنيا فاستعملت ( عن ) في معنى السببية .

وعُطف { ولا ينزفون } على { لا يصدعون عنها } فيقدر له متعلق دل عليه متعلق { لا يصدعون } فقد قال في سورة الصافات ( 47 ) ، { ولا هم عنها ينزفون } أي لا يعتريهم نَزْف بسببها كما يحصل للشاربين في الدنيا .

والنزْف : اختلاط العقل ، وفعله مبني للمجهول يقال : نُزف عقله مثل : عُني فهو منزوف .

وقرأ الجمهور { يُنزَفون } بفتح الزاي من أنزف الذي همزته للتعدية . وقرأه حمزة والكسائي وخلف بكسر الزاي من أنزف المهموز القاصر إذا سَكر وذهر عقله .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَّا يُصَدَّعُونَ عَنۡهَا وَلَا يُنزِفُونَ} (19)

قوله تعالى : " لا يصدعون عنها " أي لا تنصدع رؤوسهم من شربها ، أي إنها لذة بلا أذى بخلاف شراب الدنيا . " ولا ينزفون " تقدم في " والصافات " أي لا يسكرون فتذهب عقولهم . وقرأ مجاهد : " لا يصدعون " بمعنى لا يتصدعون أي لا يتفرقون ، كقوله تعالى : " يومئذ يصدعون{[14633]} " [ الروم : 43 ] . وقرأ أهل الكوفة " ينزفون " بكسر الزاي ، أي لا ينفد شرابهم ولا تقنى خمرهم ، ومنه قول الشاعر{[14634]} :

لعمري لئن أَنْزَفْتُم أوصحوتم *** لبئس النَّدَامَى كنتم آل أَبْجَرَا

وروى الضحاك عن ابن عباس قال : في الخمر أربع خصال : السكر والصداع والقيء والبول ، وقد ذكر الله تعالى خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال .


[14633]:راجع جـ 14 آية 42.
[14634]:هو الحطيئة وقد تقدم البيت في جـ 15 ص 79.