التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَيۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَيۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (84)

جملة { ووهبنا } عطف على جملة { آتيناها } [ الأنعام : 83 ] لأنّ مضمونها تكرمة وتفضيل . وموقع هذه الجملة وإن كانت معطوفة هو موقع التذييل للجمل المقصود منها إبطال الشرك وإقامةُ الحجج على فساده وعلى أنّ الصالحين كلّهم كانوا على خلافه .

والوَهْب والهِبة : إعطاء شيء بلا عوض ، وهو هنا مجاز في التّفضّل والتّيسير . ومعنى هبة يعقوب لإبراهيم أنّه وُلد لابنه إسحاق في حياة إبراهيم وكبر وتزوّج في حياته فكان قرّة عين لإبراهيم .

وقد مضت ترجمة إبراهيم عليه السلام عند قوله تعالى : { وإذْ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات } [ البقرة : 124 ] . وترجمةُ إسحاق ، ويعقوب ، عند قوله تعالى : { ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب } [ البقرة : 132 ] وقوله : { وإله آبائك إبراهيمَ وإسماعيل وإسحاق } [ البقرة : 133 ] كلّ ذلك في سورة البقرة .

وقوله : { كلاّ هدينا } اعتراض ، أي كلّ هؤلاء هديناهم يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، فحذف المضاف إليه لظهوره وعوض عنه التّنوين في « كلّ » تنوينَ عوض عن المضاف إليه كما هو المختار .

وفائدة ذكر هديهما التّنويه بإسحاق ويعقوب ، وأنّهما نبيئان نالا هدى الله كهَدْيه إبراهيم ، وفيه أيضاً إبطال للشرك ، ودمغ ، لقريش ومشركي العرب ، وتسفيه لهم بإثبات أنّ الصالحين المشهورين كانوا على ضدّ معتقدهم كما سيصرّح به في قوله : { ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } ( الأعراف : 88 . (

وجملة : { ونوحاً هدينا من قبل } عطف على الاعتراض ، أي وهدينا نوحاً من قبلهم . وهذا استطراد بذكر بعض من أنعم الله عليهم بالهدى ، وإشارة إلى أنّ الهدى هو الأصل ، ومن أعظم الهدى التّوحيد كما علمت . وانتصب { نوحاً } على أنّه مفعول مقدّم على { هدينا } للاهتمام ، و { من قبل } حال من { نوحا } . وفائدة ذكر هذا الحال التّنبيه على أنّ الهداية متأصّلة في أصول إبراهيم وإسحاق ويعقوب . وبُني { قبل } على الضمّ ، على ما هو المعروف في ( قبلُ ) وأخواتِ غيرٍ من حذف ما يضاف إليه قبلُ وينوى معناه دون لفظه . وتقدمت ترجمة نوح عند قوله تعالى : { إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً } في سورة آل عمران ( 33 .

( وقوله : { من ذرّيته } حال من داوود ، و { داود } مفعول ( هدينا ) محذوفاً . وفائدة هذا الحال التّنويه بهؤلاء المعدودين بشرف أصلهم وبأصل فضلهم ، والتّنويه بإبراهيم أو بنوح بفضائل ذرّيّته . والضمير المضاف إليه عائد إلى نوح لا إلى إبراهيم لأنّ نوحاً أقرب مذكور ، ولأنّ لوطاً من ذرّية نوح ، وليس من ذرية إبراهيم حسبما جاء في كتاب التّوراة . ويجوز أن يكون لوط عومل معاملة ذرّيّة إبراهيم لشدّة اتّصاله به . كما يجوز أن يجعل ذكر اسمه بعد انتهاء أسماء من هم من ذرّيّة إبراهيم منصوباً على المدح بتقدير فعللٍ لا على العَطف .

وداود تقدّم شيء من ترجمته عند قوله تعالى : { وقَتل داودُ جالوتَ } في سورة البقرة ( 251 ) .

ونكمّلها هنا بأنّه داود بن يِسيِّ من سبط يهوذا من بني إسرائيل . ولد بقرية بيت لحم سنة1085 قبل المسيح ، وتوفّي في أورشليم سنة 1015 . وكان في شبابه راعياً لغنم أبيه . وله معرفة النغَم والعزف والرمي بالمقلاع . فأوحى الله إلى ( شمويل ) نبيء بني إسرائيل أنْ يبارك داودَ بن يسيّ ، ويمسحه بالزيت المقدّس ليكون ملكاً على بني إسرائيل ، على حسب تقاليد بني إسرائيل إنباء بأنّه سيصير ملكاً على إسرائيل بعد موت ( شاول ) الذي غضب الله عليه . فلمّا مسحه ( شمويل ) في قرية بيت لحم دُون أن يعلم أحد خطر لشاول ، وكان مريضاً ، أن يتّخذ من يضرب له بالعود عندما يعتاده المرض ، فصادف أن اختاروا له داود فألحقه بأهل مجلسه ليسمع أنغامه . ولما حارب جنُدُ ( شاول ) الكنعانيين كما تقدّم في سورة البقرة ، كان النصر للإسرائيليين بسبب داود إذ رمى البطل الفلسطيني ( جالوت ) بمقلاعه بين عينيه فصرعه وقطع رأسه ، فلذلك صاهره ( شاولُ ) بابنته ( ميكال ) ، ثم أن ( شاول ) تغيّر على داود ، فخرج داود إلى بلاد الفلسطينيين وجمع جماعة تحت قيادته ، ولما قُتل ( شاول ) سنة1055 بايعت طائفة من الجند الإسرائيلي في فلسطين داودَ ملكاً عليهم . وجعل مقرّ ملكه ( حَبْرُون ) ، وبعد سبع سنين قُتل ملك إسرائيل الذي خلف شاولَ فبايعت الإسرائيليون كلّهم داود ملكاً عليهم ، ورجع إلى أورشليم ، وآتاه الله النّبوءة وأمره بكتابة الزبور المسمّى عند اليهود بالمزامير .

وسليمان تقدّمت ترجمته عند قوله تعالى : { واتّبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان } في سورة البقرة ( 102 .

( وأيّوب نبيء أثبت القرآنُ نبوءته . وله قصّة مفصّلة في الكتاب المعروف بكتاب أيّوب ، من جملة كتب اليهود . ويظُنّ بعض المؤرّخين أنّ أيّوب من ذرّيّة ( ناحور ) أخي إبراهيم . وبعضهم ظنّ أنّه ابن حفيد عيسو بننِ إسحاق بننِ إبراهيم ، وفي كتابه أنّ أيّوب كان ساكناً بأرض عُوص ( وهي أرض حَوران بالشّام ، وهي منازل بني عوص بن إرَم بن سام بن نوح ، وهم أصول عاد ) وكانت مجاورة لحدود بلاد الكلدان ، وقد ورد ذكر الكلدان في كتاب أيّوب وبعض المحقّقين يظنّ أنّه من صنف عَربي وأنّه من عُوص ، كما يدلّ عليه عدم التّعرض لنسبته في كتابه ، والاقتصار على أنّه كان بأرض عوص ( الذين هم من العرب العاربة ) . وزعموا أنّ كلامه المسطور في كتابه كان بلغة عربيّة ، وأنّ موسى عليه السلام نقله إلى العبرانيّة . وبعضهم يظنّ أنّ الكلام المنسوب إليه كان شِعراً ترجمه موسى في كتابه وأنّه أوّل شعر عرف باللّغة العربيّة الأصليّة . وبعضهم يقول : هو أوّل شعر عرفه التّاريخ ، ذلك لأنّ كلامه وكلام أصحابه الثّلاثة الّذين عَزّوه على مصائبه جَارٍ على طريقة شعريّة لا محالة .

ويوسف هو ابن يعقوب ويأتي تفصيل ترجمته في سورة يوسف .

وموسى وهارون وزكرياء تقدّمت تراجمهم في سورة البقرة .

وترجمة عيسى تقدّمت في سورة البقرة وفي سورة آل عمران .

ويحيى تقدّمت ترجمته في آل عمران .

وقوله : { وكذلك نجزي المحسنين } اعتراض بين المتعاطفات ، والواو للحال ، أي وكذلك الوهْب الّذي وهبنا لإبراهيم والهدي الّذي هدينا ذرّيّته نجزي المحسنين مثله ، أو وكذلك الهدي الّذي هدينا ذرّيّة نوح نجزي المحسنين مثل نوح ، فعلم أنّ نوحاً أو إبراهيم من المحسنين بطريق الكناية ، فأمّا إحسان نوح فيكون مستفاداً من هذا الاعتراض ، وأمّا إحسان إبراهيم فهو مستفاد ممّا أخبر الله به عنه من دعوته قومه وبذله كلّ الوسع لإقلاعهم عن ضلالهم .

ويجوز أن تكون الإشارة هنا إلى الهدي المأخوذ من قوله : { هدينا } الأول والثّاني ، أي وكذلك الهدي العظيم نجزي المحسنين ، أي بمثله ، فيكون المراد بالمحسنين أولئك المهديّين من ذرّيّة نوح أو من ذرّيّة إبراهيم . فالمعنى أنّهم أحسنوا فكان جزاء إحسانهم أن جعلناهم أنبياء .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَيۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَيۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (84)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى - قوله تعالى : " ووهبنا له إسحاق ويعقوب " أي جزاء له على الاحتجاج في الذين وبذل النفس فيه . " كلا هدينا " أي كل واحد منهم مهتد . و " كلا " نصب ب " هدينا " " ونوحا " نصب ب " هدينا " الثاني . " ومن ذريته " أي ذرية إبراهيم . وقيل : من ذرية نوح ، قاله الفراء ، واختاره الطبري وغير واحد من المفسرين كالقشيري وابن عطية وغيرهما . والأول قاله الزجاج ، واعترض بأنه عد من هذه{[6533]} الذرية يونس ولوط وما كانا من ذرية إبراهيم . وكان لوط ابن أخيه . وقيل : ابن أخته . وقال ابن عباس : هؤلاء الأنبياء جميعا مضافون إلى ذرية إبراهيم ، وإن كان فيهم من لم تلحقه ولادة من جهته من جهة أب ولا أم ؛ لأن لوطا ابن أخي إبراهيم . والعرب تجعل العم أبا كما أخبر الله عن ولد يعقوب أنهم قالوا : " نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق{[6534]} " [ البقرة : 133 ] . وإسماعيل عم يعقوب . وعد عيسى من ذرية إبراهيم وإنما هو ابن البنت . فأولاد فاطمة رضي الله عنها ذرية النبي صلى الله عليه وسلم . وبهذا تمسك من رأى أن ولد البنات يدخلون في اسم الولد .

الثانية – قال أبو حنيفة والشافعي : من وقف وقفا على ولده وولد ولده أنه يدخل فيه ولد ولده وولد بناته ما تناسلوا . وكذلك إذا أوصى لقرابته يدخل فيه ولد البنات . والقرابة عند أبي حنيفة كل ذي رحم محرم . ويسقط عنده ابن العم والعمة وابن الخال والخالة ؛ لأنهم ليسو بمحرمين . وقال الشافعي : القرابة كل ذي رحم محرم وغيره . فلم يسقط عنده ابن العم{[6535]} ولا غيره . وقال مالك : لا يدخل في ذلك ولد البنات . وقول : لقرابتي وعقبي كقول : لولدي وولد ولدي . يدخل في ذلك ولد البنين ومن يرجع إلى عصبة الأب وصلبه ، ولا يدخل في ذلك ولد البنات . وقد تقدم نحو هذا عن الشافعي في " آل عمران " {[6536]} . والحجة لهما قول سبحانه : " يوصيكم الله في أولادكم{[6537]} " [ النساء : 11 ] فلم يعقل المسلمون من ظاهر الآية إلا ولد الصلب وولد الابن خاصة . وقال تعالى : " وللرسول ولذي القربى{[6538]} " [ الأنفال : 41 ] فأعطى عليه السلام القرابة منهم من أعمامه دون بني أخواله . فكذلك ولد البنات لا ينتمون إليه بالنسب ، ولا يلتقون معه في أب . قال ابن القصار : وحجة من أدخل البنات في الأقارب قوله عليه السلام للحسن بن علي ( إن ابني هذا سيد ) . ولا نعلم أحدا يمتنع أن يقول في ولد البنات إنهم ولد لأبي أمهم . والمعنى يقتضي ذلك ؛ لأن الولد مشتق من التولد وهم متولدون عن أبي أمهم لا محالة ، والتولد من جهة الأم كالتولد من جهة الأب . وقد دل القرآن على ذلك ، قال الله تعالى : " ومن ذريته داود " إلى قوله " من الصالحين " فجعل عيسى من ذريته وهو ابن ابنته .

قد تقدم في سورة ( النساء ){[6539]} بيان ما لا ينصرف من هذه الأسماء . ولم ينصرف داود لأنه اسم أعجمي ، ولما كان على فاعول لا يحسن فيه الألف واللام لم ينصرف . وإلياس أعجمي . قال الضحاك : كان إلياس من ولد إسماعيل . وذكر القتبي قال : كان من سبط يوشع بن نون . وقرأ الأعرج والحسن وقتادة " والياس " بوصل الألف . وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو وعاصم " واليسع " بلام مخففة . وقرأ الكوفيون إلا عاصما " والليسع " . وكذا قرأ الكسائي ، ورد قراءة من قرأ " واليسع " قال : لأنه لا يقال اليفعل مثل اليحيى . قال النحاس : وهذا الرد لا يلزم ، والعرب تقول : اليعمل واليحمد ، ولو نكرت يحيى لقلت اليحيى . ورد أبو حاتم على من قرأ " الليسع " وقال : لا يوجد ليسع . وقال النحاس : وهذا الرد لا يلزم ، فقد جاء في كلام العرب حيدر وزينب ، والحق في هذا أنه اسم أعجمي ، والعجمة لا تؤخذ بالقياس إنما تؤخذ سماعا والعرب تغيرها كثيرا ، فلا ينكر أن يأتي الاسم بلغتين . قال مكي : من قرأ بلامين فأصل الاسم ليسع ، ثم دخلت الألف واللام للتعريف . ولو كان أصله يسع ما دخلته الألف واللام ؛ إذ لا يدخلان على يزيد ويشكر : اسمين لرجلين ؛ لأنهما معرفتان علمان . فأما " ليسع " نكرة فتدخله الألف واللام للتعريف ، والقراءة بلام واحدة أحب إلي ؛ لأن أكثر القراء عليه . وقال المهدوي : من قرأ " اليسع " بلام واحدة فالاسم يسع ، ودخلت الألف واللام زائدتين ، كزيادتهما في نحو الخمسة عشر ، وفي نحو قوله :

وجدنا اليزيد بن الوليد مباركا *** شديدا بأعباء الخلافة كاهلُه{[6540]}

وقد زادوها في الفعل المضارع نحو قوله :

فيستخرج اليربوع من نافقائِه *** ومن بيته بالشِّيخة اليَتَقَصَّعُ{[6541]}

يريد الذي يتقصع . قال القشيري : قرئ بتخفيف اللام والتشديد . والمعنى واحد في أنه اسم لنبي معروف ، مثل إسماعيل إبراهيم ، ولكن خرج عما عليه الأسماء الأعجمية بإدخال الألف واللام . وتوهم قوم أن اليسع هو{[6542]} إلياس ، وليس كذلك ؛ لأن الله تعالى{[6543]} أفرد كل واحد بالذكر . وقال وهب : اليسع هو{[6544]} صاحب إلياس ، وكانا قبل زكريا ويحيى وعيسى . وقيل : إلياس هو إدريس وهذا غير صحيح لأن إدريس{[6545]} جد نوج وإلياس من ذريته{[6546]} . وقيل : إلياس هو الخضر . وقيل : لا ، بل اليسع هو الخضر . و " لوطا " اسم{[6547]} أعجمي انصرف لخفته . وسيأتي اشتقاقه في " الأعراف " {[6548]} .


[6533]:من ك و ب و ع.
[6534]:راجع ج 2 ص 137.
[6535]:في ك: ابن العمة.
[6536]:راجع ج 4 ص 104.
[6537]:راجع ج 5 ص 54 وص 15 ج 6.
[6538]:راجع ج 8 ص 1.
[6539]:راجع ج 5 ص 54 وص 15 ج 6.
[6540]:البيت لابن ميادة.
[6541]:البيت لذي الخرق الطهوي، كما في شرح القاموس. النفقة (كالهمزة) والنافقاء: حجر الضب واليربوع. وقيل: موضع يرققه اليربوع من جحره، فإذا أتى من قبل القاصعاء. (وهو جحره) ضرب النافقاء برأسه فخرج. والشيخة: رملة بيضاء ببلاد أسد وحنظلة. ويروى: جحره. وفي الأصول: ذو الشيخة.
[6542]:من ك.
[6543]:من ك.
[6544]:من ك.
[6545]:من ع و ل.
[6546]:أي من ذرية نوح.
[6547]:من ع.
[6548]:راجع ص 243 من هذا الجزء.