هذه تكملة لامتحان النساء المتقدم ذكره في قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن } الآية [ الممتحنة : 10 ] . وبيان لتفصيل آثاره . فكأنه يقول : فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهنّ إلى الكفار وبَينُوا لهن شرائع الإِسلام . وآية الامتحان عقب صلح الحديبية في شأن من هاجرن من مكة إلى المدينة بعد الصلح وهن : أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، وسبيعة الأسلمية ، وأميمة بنت بشر ، وزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا صحة للأخبار التي تقول : إن الآية نزلت في فتح مكة ومنشؤها التخليط في الحوادث واشتباه المكرر بالآنف .
روى البخاري ومسلم عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن من هاجر من المؤمنات بهذه الآية { يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك } إلى قوله : { غفور رحيم } فمن أقرّ بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله : قد بايعتُكِ .
والمقتضى لهذه البيعة بعد الإِمتحان أنهن دخلن في الإِسلام بعد أن استقرت أحكام الدين في مدة سنين لم يشهدن فيها ما شهده الرجال من اتساع التشريع آنا فآنا ، ولهذا ابتدئت هذه البيعة بالنساء المهاجرات كما يؤذن به قوله : { إذا جاءك المؤمنات } ، أي قدمن عليك من مكة فهي على وزان قوله : { يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات } [ الممتحنة : 10 ] . قال ابن عطية : كانت هذه البيعة ثاني يوم الفتح على جبل الصفا .
وأجرى النبي صلى الله عليه وسلم هذه البيعة على نساء الأنصار أيضاً . روى البخاري عن أم عطية قالت : بايَعَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ علينا { أن لا يشركن بالله شيئاً } الحديث .
وفيه عن ابن عباس قال : شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الخطبة فنزل نبيء الله فكأني أنظر إليه حين يجلِّس الرجال بيده ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال فقال : { يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن } حتى فرغ من الآية كلها . ثم قال حين فرغ : أنتُنّ على ذلك فقالت امرأة منهنّ واحدة لم يجبه غيرها : نعم يا رسول الله . قال : « فتصدقن » .
وأجرى هذه المبايعة على الرجال أيضاً . ففي « صحيح البخاري » عن عبادة بن الصامت قال : « كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أتبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تسرقوا ، وقرأ آية النساء ( أي النازلة بخطاب النساء في سورة الممتحنة ) فمن وفَى منكم فأجره على الله . ومن أصاب من ذلك شَيئاً فعوقب به فهو كفارة له . ومن أصاب منها شيئاً فستره الله فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له » .
واستمر العمل بهذه المبايعة إلى يوم فتح مكة وقد أسلم أهلها رجالاً ونساء فجلس ثاني يوم الفتح على الصفا يأخذ البيعة من الرجال على ما في هذه الآية ، وجلس عمر بن الخطاب يأخذ البيعة من النساء على ذلك ، وممن بايعته من النساء يومئذٍ هند بنت عتبة زوج أبي سفيان وكبشة بنت رافع .
وجملة { يبايعنك } يجوز أن تكون حالاً من { المؤمنات } على معنى : يُردن المبايعة وهي المذكورة في هذه الآية . وجواب { إذا } { فبايعهن } .
ويجوز أن تكون جملة { يبايعنك } جواب { إذا } .
ومعنى { إذا جاءك المؤمنات } ، أي الداخلات في جماعة المؤمنين على الجملة والإِجمال ، لا يعلمن أصولَ الإِسلام وبيّنه بقوله : { يبايعنك } فهو خبر مراد به الأمر ، أي فليبايعنك وتكون جملة { فبايعهن } تفريعاً لجملة { يبايعنك } وليبنى عليها قوله : { واستغفر لهن الله } .
وقد شملت الآية التخلي عن خصال في الجاهلية وكانت السرقة فيهن أكثر منها في الرجال . قال الأعرابي لما وَلدت زوجهُ بنتاً : والله ما هي بِنعْمَ الولدُ بَزّها بكاء ونَصرُها سرقة .
والمراد بقتل الأولاد أمران : أحدهما الوأد الذي كان يفعله أهل الجاهلية ببناتهم ، وثانيهما إسقاط الأجنة وهو الإِجهاض .
وأسند القتل إلى النساء وإن كان بعضه يفعله الرجال لأن النساء كنّ يرضين به أو يَسكتن عليه .
والبهتان : الخبر المكذوب الذي لا شبهة لكاذبه فيه لأنه يبهت من ينقل عنه .
والافتراء : اختلاق الكذب ، أي لا يختلقن أخباراً بأشياء لم تقع .
وقوله : { بين أيديهن وأرجلهن } يتعلق ب { يأتين } ، وهذا من الكلام الجامع لمعان كثيرة باختلاف محامله من حقيقة ومجاز وكناية ، فالبهتان حقيقته : الإِخبار بالكذب وهو مصدر . ويطلق المصدر على اسم المفعول كالخلق بمعنى المخلوق .
وحقيقة بين الأيدي والأرجل : أن يكون الكذب حاصلاً في مكان يتوسط الأيدي والأرجل فإن كان البهتان على حقيقته وهو الخبر الكاذب كان افتراؤه بين أيديهن وأرجلهن أنه كَذب مواجهةً في وجه المكذوب عليه كقولها : يا فلانة زنيت مع فلان ، أو سرقتتِ حلي فلانة . لتبهتها في ملأٍ من الناس ، أو أنت بنت زِنا ، أو نحو ذلك .
وإن كان البهتان بمعنى المكذوب كان معنى افترائه بين أيديهن وأرجلهن كناية عن ادعاء الحمل بأن تشرب ما ينفخ بطنها فتوهم زوجها أنها حامل ثم تظهر الطلق وتأتي بولد تلتقطه وتنسبه إلى زوجها لئلا يطلقها ، أو لئلا يرثه عصبته ، فهي تعظم بطنها وهو بين يديها ، ثم إذا وصل إبان إظهار الطلق وضعت الطفل بين رجليها وتحدثتْ وتحدث الناس بذلك فهو مبهوت عليه . فالافتراء هو ادعاؤها ذلك تأكيداً لمعنى البهتان .
وإن كان البهتان مستعاراً للباطل الشبيه بالخبرِ البهتاننِ ، كان { بين أيديهن وأرجلهن } محتملاً للكناية عن تمكين المرأة نفسها من غير زوجها يقبلها أو يحبسها ، فذلك بين يديها أو يزني بها ، وذلك بين أرجلها .
وفسره أبو مسلم الأصفهاني بالسحر إذ تعالج أموره بيديها ، وهي جالسة تضع أشياء السحر بين رجليها .
ولا يمنع من هذه المحامل أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع الرجال بمثلها . وبعض هذه المحامل لا يتصور في الرجال إذ يؤخذ لكل صنف ما يصلح له منها .
وبعد تخصيص هذه المنهيات بالذكر لخطر شأنها عمم النهي بقوله : { ولا يعصينك في معروف } والمعروف هو ما لا تنكره النفوس . والمراد هنا المعروف في الدين ، فالتقييد به إما لمجرد الكشف فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلا بالمعروف ، وإما لقصد التوسعة عليهن في أمر لا يتعلق بالدين كما فعلتْ بريرة إذْ لم تقبل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في إرجاعها زوجَها مُغيثاً إذ بانت منه بسبب عتقها وهو رقيق .
وقد روي في « الصحيح » عن أمّ عطية أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهنّ في هذه المبايعة عن النياحة فقبضت امرأةٌ يدها وقالت : أسعدَتْني فلانةُ أريد أن أَجزِيها . فما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً فانطلقتْ ورجعت فبايَعها . وإنما هذا مثال لبعض المعروف الذي يأمرهن به النبي صلى الله عليه وسلم تركه فاش فيهن .
وورد في أَخبار أنه نهاهن عن تَبرج الجاهلية وعن أن يُحدثن الرجال الذين ليسوا بمحرم فقال عبد الرحمان بن عوف : يا نبيء الله إن لنا أضيافاً وإنا نغيب ، قال رسول الله : ليس أولئك عنيتُ . وعن ابن عباس : نهاهنّ عن تمزيق الثياب وخدش الوجوه وتقطيع الشعور والدعاء بالويل والثبور ، أي من شؤون النياحة في الجاهلية .
وروى الطبري بسنده إلى ابن عباس لمَّا أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعة على النساء كانت هندٌ بنتُ عتبةَ زوجُ أبي سفيان جالسة مع النساء متنكرة خوفاً من رسول الله أن يقتصَّ منها على شَقها بطن حمزة وإخراجِها كبدَه يوم أُحد . فلما قال : { على أن لا يشركن بالله شيئاً } ، قالت هند : وكيف نَطمع أَن يَقبل منا شيئاً لم يقبله من الرجال . فلما قال : { ولا يسرقن } . قالت هند : والله إِني لأُصيب من مَاللِ أبي سفيان هَنات فما أدري أتحل لي أم لا ؟ فقال : أبو سفيان : ما أصبتِ من شيء فيما مضى وفيما غَبَر فهو لككِ حلال . فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعَرَفها فدعاها فأتته فعاذت به ، وقالت : فاعفُ عما سلف يا نبيء الله عفا الله عنك . فقال : { ولا يَزْنِينَ } . فقالت : أَوَ تزني الحُرّة . قال : { ولا يقتلن أولادهن } . فقالت هند : ربيْناهم صغاراً وقتلتهم كباراً فأنتم وهم أعلم . تريد أن المسلمين قتلوا ابنها حنظلة بن أبي سفيان يوم بدر . فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : { ولا يأتين ببهتان يفترينه } . فقالت : والله إن البهتان لأمرٌ قبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق . فقال : { ولا يعصينك في معروف } .
فقالت : والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيَك في شيء .
فقوله : { ولا يعصينك في معروف } جامع لكل ما يخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ويأمر به مما يرجع إلى واجبات الإِسلام . وفي الحديث عن أم عطية قالت : كان من ذلك : أن لا ننوح . قالت : فقلت يا رسول الله إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية فلا بدّ أن أَسعدهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ آل فلان ، وهذه رخصة خاصة بأم عطية وبمن سَمَّتهم . وفي يوم معيّن .
وقوله : { فبايعهن } جواب { إذا } تفريع على { يبايعنك } ، أي فأقبل منهنّ ما بايعنك عليه لأن البيعة عنده من جانبين ولذلك صيغت لها صيغة المفاعلة .
{ واستغفر لهن الله } ، أي فيما فرط منهنّ في الجاهلية مما خص بالنهي في شروط البيعة وغير ذلك . ولذلك حذف المفعول الثاني لفعل { استغفر } .
الأولى- قوله تعالى : { يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك{[14915]} } لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة جاء نساء أهل مكة يبايعنه ، فأمر أن يأخذ عليهن ألا يشركن . وفي صحيح مسلم عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : كان المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحن بقول الله تعالى : { يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين } إلى آخر الآية . قالت عائشة : فمن أقر بهذا من المؤمنات فقد أقر بالمحنة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( انطلقن فقد بايعتكن ) ولا والله ما مست يد رسول الله يد امرأة قط ، غير أنه بايعهن بالكلام . قالت عائشة : والله ما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على النساء قط إلا بما أمره الله عز وجل ، وما مست كف رسول الله صلى الله عليه وسلم كف امرأة قط ، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن ( قد بايعتكن كلاما ) . وروي أنه عليه الصلاة والسلام بايع النساء وبين يديه وأيديهن ثوب ، وكان يشترط عليهن . وقيل : لما فرغ من بيعة الرجال جلس على الصفا ومعه عمر أسفل منه ، فجعل يشترط على النساء البيعة وعمر يصافحهن . وروي أنه كلف امرأة وقفت على الصفا فبايعتهن . ابن العربي : وذلك ضعيف ، وإنما ينبغي التعويل على ما في الصحيح . وقالت أم عطية : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جمع نساء الأنصار في بيت ، ثم أرسل إلينا عمر بن الخطاب ، فقام على الباب فسلم فرددن عليه السلام ، فقال : أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكن ، ألا تشركن بالله شيئا . فقلن نعم . فمد يده من خارج البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت ، ثم قال : اللهم اشهد . وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء ، فغمس يده فيه ثم أمر النساء فغمسن أيديهن فيه .
الثانية- روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال :{ على ألا يشركن بالله شيئا } قالت هند بنت عتبة وهي منتقبة خوفا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرفها لما صنعته بحمزة يوم أحد : والله إنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيتك أخذته على الرجال وكان بايع الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد فقط - فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ولا يسرفن ) فقالت هند : إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصيب من ماله قوتنا . فقال أبو سفيان : هو لك حلال . فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وعرفها وقال : ( أنت هند ) ؟ فقالت : عفا الله عما سلف . ثم قال : ( ولا يزنين ) فقالت هند : أو تزني الحرة ! ثم قال : ( ولا يقتلن أولادهن ) أي لا يئدن الموؤودات ولا يسقطن الأجنة . فقالت هند : ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا يوم بدر ، فأنتم وهم أبصر . وروى مقاتل أنها قالت : ربيناهم صغارا وقتلتموهم كبارا ، وأنتم وهم أعلم . فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى . وكان حنظلة بن أبي سفيان وهو بكرها قتل يوم بدر . ثم قال : " ولا يأتين ببهتان يفترينه بن أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف " قيل : معنى " بين أيديهن " ألسنتهن بالنميمة . ومعنى بين " أرجلهن " فروجهن . وقيل : ما كان بين أيديهن من قبلة أو جسة ، وبين أرجلهن الجماع وقيل : المعنى لا يلحقن برجالهن ولدا من غيرهم . وهذا قول الجمهور . وكانت المرأة تلتقط ولدا فتلحقه بزوجها وتقول : هذا ولدي منك . فكان هذا من البهتان والافتراء . وقيل : ما بين يديها ورجليها كناية عن الولد ؛ لأن بطنها الذي تحمل فيه الولد بين يديها ، وفرجها الذي تلد منه بين رجليها . وهذا عام في الإتيان بولد وإلحاقه بالزوج وإن سبق النهي عن الزنى .
وروي أن هندا لما سمعت ذلك قالت : والله إن البهتان لأمر قبيح ؛ ما تأمر إلا بالأرشد ومكارم الأخلاق ! . ثم قال : " ولا يعصينك في معروف " قال قتادة : لا ينحن . ولا تخلو امرأة منهن إلا بذي محرم . وقال سعيد بن المسيب ، ومحمد بن السائب وزيد بن أسلم : هو إلا يخمشن وجها . ولا يشققن جيبا ، ولا يدعون ويلا ولا ينشرن شعرا ولا يحدثن الرجال إلا ذا محرم . وروت أم عطية عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك في النوح . وهو قول ابن عباس . وروى شهر بن حوشب عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم " ولا يعصينك في معروف " فقال : ( هو النوح ) . وقال مصعب بن نوج : أدركت عجوزا ممن بايع النبي صلى الله عليه وسلم ، فحدثتني عنه عليه الصلاة والسلام في قوله : " ولا يعصينك في معروف " فقال : ( النوح ) . وفي صحيح مسلم عن أم عطية لما نزلت هذه الآية : " يبايعنك على إلا يشركن بالله شيئا - إلى قوله - ولا يعصينك في معروف " قال : ( كان منه النياحة ) قالت : فقلت يا رسول الله ، إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية ، فلا بد لي من أن أسعدهم . فقال ، رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إلا آل فلان ) . وعنها قالت : أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع البيعة ألا ننوح ، فما وفت منا امرأة إلا خمس : أم سليم ، وأم العلاء ، وابنه أبي سيرة امرأة معاذ أو ابنة أبي سبرة ، وامرأة معاذ . وقيل : إن المعروف ها هنا الطاعة لله ولرسوله ، قاله ميمون بن مهران . وقال بكر بن عبدالله المزني : لا يعصينك في كل أمر فيه رشدهن . الكلبي : هو عام في كل معروف أم الله عز وجل ورسول به . فروي أن هندا قالت عند ذلك : ما جلسنا في مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء .
الثالثة- ذكر الله عز وجل ورسول عليه الصلاة والسلام في صفة البيعة خصالا شتى ، صرح فيهن بأركان النهي في الدين ولم يذكر أركان الأمر . وهي ستة أيضا : الشهادة ، والصلاة ، والزكاة ، والصيام ، والحج ، والاغتسال من الجنابة . وذلك لأن النهي دائم في كل الأزمان وكل الأحوال ، فكان التنبيه على اشتراط الدائم آكد . وقيل : إن هذه المناهي كان في النساء كثير من يرتكبها ولا يحجزهن عنها شرف النسب ، فخصت بالذكر لهذا ونحو منه قول عليه الصلاة والسلام لوفد عبد القيس :( وأنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت{[14916]} ) فنبههم على ترك المعصية في شرب الخمر دون سائر المعاصي ، لأنها كانت شهوتهم وعادتهم ، وإذا ترك المرء شهوته من المعاصي هان عليه ترك سائرها مما لا شهوة له فيها .
الرابعة- لما قال النبي صلى الله عليه وسلم في البيعة : ( ولا يسرقن ) قالت هند : يا رسول الله إن أبا سفيان رجل مسيك فهل علي حرج أن آخذ ما يكفيني وولدي ؟ قال ( لا إلا بالمعروف ) فخشيت هند أن تقتصر على ما يعطيها فتضيع أو تأخذ أكثر من ذلك فتكون سارقة ناكثة للبيعة المذكورة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا ) أي لا حرج عليك فيما أخذت بالمعروف ، يعني من غير استطالة إلى أكثر من الحاجة . قال ابن العربي : وهذا إنما هو فيما لا يخزنه عنها في حجاب ولا يضبط عليه بقفل فإنه إذا هتكته الزوجة وأخذت منه كانت سارقة تعصي به وتُقطع يدها بذلك .
الخامسة- قال عبادة بن الصامت : أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخذ على النساء : ( ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا يعضه بعضكم بعضا ولا تعصوا في معروف أمركم به ) ، معنى " يعضه " يسحر . والعضه : السحر . ولهذا قال ابن بحر وغيره في قوله تعالى : " ولا يأتين ببهتان " إنه السحر . وقال الضحاك : هذا نهى عن البهتان ، أي لا يعضهن رجلا ولا امرأة . " ببهتان " أي بسحر . والله اعلم . " يفترينه بين أيديهن وأرجلهن " والجمهور على أن معنى " ببهتان " بولد يفترينه بين أيديهن " ما أخذته لقيطا . " وأرجلهن " ما ولدته من زنى . وقد تقدم .
السادسة- قوله تعالى : { ولا يعصينك في معروف } في البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى : " ولا يعصينك في معروف " قال : إنما هو شرط شرطه الله للنساء . واختلف في معناه على ما ذكرنا . والصحيح أنه عام في جميع ما يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم وينهى عنه ، فيدخل فيه النوح وتخريق الثياب وجز الشعر والخلوة بغير محرم إلى غير ذلك . وهذه كلها كبائر ومن أفعال الجاهلية . وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أربع في أمتي من أمر الجاهلية ) فذكر منها النياحة . وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هذه النوائح يجعلن يوم القيامة صفين صفا عن اليمين وصفا عن اليسار ينبحن كما تنبح الكلاب في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ثم يؤمر بهن إلى النار ) . وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تصلي الملائكة على نائحة ولا مُرِنَّة{[14917]} ) . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع نائحة فأتاها فضربها بالدرة حتى وقع خمارها عن رأسها . فقيل : يا أمير المؤمنين ، المرأةَ المرأةَ ! قد وقع خمارها . فقال : إنها لا حرمة لها . أسند جميعه الثعلبي رحمه الله . أما تخصيص قوله : " في معروف " مع قوة قوله : " ولا يعصينك " ففيه قولان : أحدهما : أنه تفسير للمعنى على التأكيد ، كما قال تعالى : " قال رب احكم بالحق{[14918]} " [ الأنبياء : 112 ] لأنه لو قال احكم لكفى . الثاني : إنما شرط المعروف في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يكون تنبيها على أن غيره أولى بذلك وألزم له وأنفى للإشكال .
السابعة- روى البخاري عن عبادة بن الصامت قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( أتبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا ) قرأ آية النساء . وأكثر لفظ سفيان قرأ في الآية ( فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له منها ) . وفي الصحيحين عن ابن عباس قال : شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان ، فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب ، فنزل نبي الله صلى الله عليه وسلم فكأني انظر إليه حين يجلس الرجال بيده ، ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال فقال : ( يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن " - حتى فرغ من الآية كلها ، ثم قال حين فرغ - : أنتن على ذلك ) ؟ فقالت : امرأة واحدة لم يجبه غيرها : نعم يا رسول الله ، لا يدري الحسن{[14919]} من هي . قال : ( فتصدقن ) وبسط بلال ثوبه فجعلن يلقين الفَتَخ{[14920]} والخواتيم في ثوب بلال . لفظ البخاري .
الثامنة- قال المهدوي : أجمع المسلمون على أنه ليس للإمام أن يشترط عليهن هذا ، والأمر بذلك ندب لا إلزام . وقال بعض أهل النظر : إذا احتيج إلى المحنة من أجل تباعد الدار كان على إمام المسلمين إقامة المحنة .