عطف على جملة { واسألوا ما أنفقتم } [ الممتحنة : 10 ] فإنها لما ترتب على نزولها إِباء المشركين من أن يردّوا إلى أزواج النساء اللاءِ بقين على الكفر بمكة واللاء فَرَرْنَ من المدينة والتحَقْنَ بأهل الكفر بمكة مهورَهم التي كانوا أَعطوها نساءهم ، عقبت بهذه الآية لتشريع ردّ تلك المهور من أموال المسلمين فيما بينهم .
روي أن المسلمين كتبوا إلى المشركين يعلمونهم بما تضمنته هذه الآية من الترادِّ بين الفريقين في قوله تعال : { واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا } [ الممتحنة : 10 ] .
فامتنع المشركون من دفع مهور النساء اللاتي ذهبت إليهم فنزل قوله تعالى : { وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار } الآية .
وأصل الفوت : المفارقة والمباعدة ، والتفاوت : المتباعد . والفوت هنا مستعار لضياع الحق كقول رُويشد بن كثير الطائي أو عَمرو بن معد يكرب :
إن تُذنبوا ثم تأتِيني بقيتكم *** فمَا عَليَّ بذنب منكمُ فَوْت
أي فلا ضياع عليّ بما أذنبتم ، أي فإنا كمن لم يضعْ له حق .
والمعنى : إن فرت بعض أزواجكم ولحقت بالكفار وحصل التعاقب بينكم وبين الكفار فعقَّبتم على أزواج الكفار وعقَّب الكفار على أزواجكم وأبى الكفار من دفع مهور بعض النساء اللاء ذهبن إليهم ، فادفعوا أنتم لمن حرمه الكفار مهر امرأته ، أي ما هو حقه ، واحجزوا ذلك عن الكفار . وهذا يقتضي أنه إن أعطي جميع المؤمنين مهور مَن فاتهم من نسائهم وبقي للمشركين فضل يرده المسلمون إلى الكفار . هذا تفسير الزهري في رواية يونس عنه وهو أظهر ما فسرت به الآية .
وعن ابن عباس والجمهور : الذين فاتهم أزواجهم إلى الكفار يعطون مهور نسائهم من مغانم المسلمين . وهذا يقتضي أن تكون الآية منسوخة بآية سورة [ [ براءة : 7 ] { كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله } .
والوجه أن لا يُصار إلى الإِعطاء من الغنائم إلا إذا لم يكن في ذمم المسلمين شيء من مهور نساء المشركين اللاءِ أتيْنَ إلى بلاد الإِسلام وصرن أزواجاً للمسلمين .
والكلام إيجاز حذف شديد دل عليه مجموع الألفاظ وموضع الكلام عقب قوله تعالى : وإن فاتكم شيء من أزواجكم } .
ولفظ { شيء } هنا مراد به : بعض { من أزواجكم } بيان ل { شيء } ، وأريد ب { شيء } تحقير الزوجات اللاءِ أبَيْن الإِسلام ، فإن المراد قد فاتت ذاتها عن زوجها فلا انتفاع له بها .
وضمّن فعل { فاتكم } معنى الفرار فعدّي بحرف { إلى } أي فررن إلى الكفار .
و« عاقبتم » صيغة تفاعل من العُقْبة بضم العين وسكون القاف وهي النوبة ، أي مصير أحد إلى حال كان فيها غيرُه . وأصلها في ركوب الرواحل والدوابّ أن يركب أحد عُقْبَة وآخر عَقبة شبه ما حكم به على الفريقين من أداء هؤلاء مهورَ نساء أولئك في بعض الأحوال ومن أداء أولئك مهور نساء هؤلاء في أحوال أخرى مماثلة بمركوب يتعاقبون فيه .
ففعل { ذهبت } مجاز مثل فعل { فاتكم } في معنى عدم القدرة عليهن .
والخطاب في قوله : { وإن فاتكم شيء من أزواجكم } وفي قوله : { فآتوا } خطاب للمؤمنين والذين ذهبت أزواجهم هم أيضاً من المؤمنين .
والمعنى : فليعْط المؤمنون لإخوانهم الذين ذهبت أزواجهم ما يماثل ما كانوا أعطوه من المهور لزوجاتهم .
والذي يتولى الإِعطاء هنا هو كما قررنا في قوله : { آتوهم ما أنفقوا } [ الممتحنة : 10 ] أي يُدفع ذلك من أموال المسلمين كالغنائم والأخماس ونحوها كما بينته السنة : أعطى النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب ، وعياض بن أبي شداد الفهري ، وشماس بن عثمان ، وهشام بن العاص ، مهور نسائهم اللاحقات بالمشركين من الغنائم .
وأفاد لفظ { مثل } أن يكون المهرُ المعطى مساوِياً لما كان أعطاه زوج المرأة من قبلُ لا نقص فيه .
وأشارت الآية إلى نسوة من نساء المهاجرين لم يسلمْن وهن ثمان نساء : أمّ الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شداد ، وفاطمة بنت أبي أمية ويقال : قُريبة وهي أخت أم سلمة كانت تحت عُمر بن الخطاب ، وأمّ كلثوم بنت جرول كانت تحت عُمَر ، وبَروع ( بفتح الباء على الأصح والمحدثون يكسرونها ) بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان وشَهبة بنت غيلان وعبدةُ بنتُ عبد العزى كانت تحت هشام بن العاص ، وقيل تحت عَمرو بن عبد وهندٌ بنت أبي جهل كانت تحت هشام بن العاص ، وأروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب كانت تحت طلحة بن عبيد الله ، وكان قد هاجر وبقيت زوجه مشركة بمكة فلما نزلت الآية طلقها طلحة بن عبيد الله .
وقد تقدم أن عمر طلق زوجتيه قُريبَة وأمَّ جرول ، فلم تكونا ممن لحقن بالمشركين ، وإنما بقيتا بمكة إلى أن طلقهما عمر . وأحسب أن جميعهن إنما طلقهن أزواجهن عند نزول قوله تعالى : { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } [ الممتحنة : 10 ] .
والتذييل بقوله : { واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } تحريض للمسلمين على الوفاء بما أمرهم الله وأن لا يصدّهم عن الوفاء ببعضه معاملة المشركين لهم بالجور وقلة النصفة ، فأمر بأن يؤدي المسلمون لإِخوانهم مهور النساء اللاء فارقوهن ولم يرض المشركون بإعطائهم مهورهن ولذلك اتبع اسم الجلالة بوصف { الذي أنتم به مؤمنون } لأن الإِيمان يبعث على التقوى والمشركون لمّا لم يؤمنوا بما أمر الله انتفى منهم وازع الإِنصاف ، أي فلا تكونوا مثلهم .
الأولى- قوله تعالى : { وإن فاتكم شيء من أزواجكم } في الخبر : أن المسلمين قالوا : رضينا بما حكم الله ، وكتبوا إلى المشركين فامتنعوا فنزلت : { وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا } . وروى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت : حكم الله عز وجل بينكم فقال جل ثناؤه : { واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا } ، فكتب إليهم المسلمون : قد حكم الله عز وجل بيننا بأنه إن جاءتكم امرأة منا أن توجهوا إلينا بصداقها ، وإن جاءتنا امرأة منكم وجهنا إليكم بصداقها . فكتبوا إليهم : أما نحن فلا نعلم لكم عندنا شيئا ، فإن كان لنا عندكم شيء فوجهوا به ، فأنزل الله عز وجل : { وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا } . وقال ابن عباس في قوله تعالى : { ذلكم حكم الله يحكم بينكم } أي بين المسلمين والكفار من أهل العهد من أهل مكة يرد بعضهم إلى بعض . قال الزهري : ولولا العهد لأمسك النساء ولم يرد إليهم صداقا . وقال قتادة ومجاهد : إنما أمروا أن يعطوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من الفيء والغنيمة . وقالا : هي فيمن بيننا وبينه عهد وليس بيننا وبينه عهد . وقالا : ومعنى " فعاقبتم " فاقتصصتم . " فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا " يعني الصدقات . فهي عامة في جميع الكفار . وقال قتادة أيضا : وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار الذين{[14913]} بينكم وبينهم عهد ، فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا . ثم نسخ هذا في سورة " التوبة " . وقال الزهري : انقطع هذا عام الفتح . وقال سفيان الثوري : لا يعمل به اليوم . وقال قوم : هو ثابت الحكم الآن أيضا . حكاه القشيري .
الثانية- قوله تعالى : " فعاقبتم " قراءة العامة " فعاقبتم " وقرأ علقمة والنخعي وحميد والأعرج " فعقبتم " مشددة . وقرأ مجاهد " فأعقبتم " وقال : صنعتم كما صنعوا بكم . وقرأ الزهري " فعقبتم " خفيفة بغير ألف . وقرأ مسروق وشقيق بن سلمة " فعقبتم " بكسر القاف خفيفة . وقال : غنمتم . وكلها لغات بمعنى واحد . يقال : عاقب وعَقَب وعَقَّب وأعقب وتَعَقّب واعتقب وتعاقب إذا غنم . وقال القتبي " فعاقبتم " فغزوتم معاقبين غزوا بعد غزو . وقال ابن بحر : أي فعاقبتم المرتدة بالقتل فلزوجها مهرها من غنائم المسلمين .
الثالثة- قوله تعالى : { فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا } قال ابن عباس : يقول إن لحضت امرأة مؤمنة بكفار أهل مكة ، وليس بينكم وبينهم عهد ولها زوج مسلم قبلكم فغنمتم ، فأعطوا هذا الزوج المسلم مهره من الغنيمة قبل أن تخمس . وقال الزهري : يعطي من مال الفيء . وعنه يعطى من صدق من لحق بنا . وقيل : أي إن امتنعوا من أن يغرموا مهر هذه المرأة التي ذهبت إليهم ، فانبذوا العهد إليهم حتى إذا ظفرتم فخذوا ذلك منهم . قال الأعمش : هي منسوخة . وقال عطاء : بل حكمها ثابت . وقد تقدم جميع هذا . القشيري : والآية نزلت في أم الحكم بنت أبي سفيان ، ارتدت وتركت زوجها عياض بن غنم القرشي ، ولم ترتد امرأة من قريش غيرها ، ثم عادت إلى الإسلام . وحكى الثعلبي عن ابن عباس : هن ست نسوة رجعن عن الإسلام ولحقن بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين : أم الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت عياض بن أبي شداد الفهري{[14914]} . وفاطمة بنت أبي أمية بن المغيرة أخت أم سلمة ، وكانت تحت عمر بن الخطاب ، فلما هاجر عمر أبت وارتدت ، وبروع بنت عقبة ، كانت تحت شماس بن عثمان ، وعبدة بنت عبدالعزى ، كانت تحت هشام بن العاص ، وأم كلثوم بنت جرول تحت عمر بن الخطاب ، وشهبة بنت غيلان ، فأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم مهور نسائهم من الغنيمة . { واتقوا الله } احذروا أن تتعدوا ما أمرتم به .