التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَٰقٍ حِسَابِيَهۡ} (20)

وأُطلق الظن في قوله : { إني ظننت أني ملاققٍ حسابيه ، } على معنى اليقين وهو أحد معنييه ، وعن الضحاك : كل ظن في القرآن من المؤمن فهو يقين ومن الكافر فهو شك .

وحقيقة الظن : عِلم لم يتحقق ؛ إِما لأن المعلوم به لم يقع بعدُ ولم يخرج إلى عالم الحس ، وإِما لأن علم صاحبه مخلوط بشك . وبهذا يكون إطلاق الظن على المعلوم المتيقن إطلاقاً حقيقياً . وعلى هذا جرى الأزهري في « التهذيب » وأبو عمرو واقتصر على هذا المعنى ابن عطية .

وكلام « الكشاف » يدل على أن أصْل الظن : علم غير متيقن ولكنه قد يُجرى مُجرى العِلْم لأن الظن الغالب يقام مقام العلم في العادات والأحكام ، وقال : يقال : أظن ظناً كاليقين أن الأمر كَيت وكَيت ، فهو عنده إذا أطلق على اليقين كان مجازاً . وهذا أيضاً رأي الجوهري وابن سيده والفيروزابادي ، وأما قوله تعالى : { إن نظن إلاّ ظناً وما نحن بمستيقنين } [ الجاثية : 32 ] فلا دلالة فيه لأن تنكير { ظناً } أريد به التقليل ، وأكد ، ب ما نحن بمستيقنين فاحتمل الاحتمالين ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { وإنا لنظنك من الكاذبين } في سورة الأعراف ( 66 ) وقوله : { وظنوا أن لا ملجأ من الله إلاّ إليه } في سورة براءة ( 118 ) .

والمعنى : إني علمت في الدنيا أني ألقى الحساب ، أي آمنت بالبعث . وهذا الخبر مستعمل كناية عن استعداده للحساب بتقديم الإِيمان والأعمال الصالحة مما كان سبب سعادته .

وجملة إني ظننت أني ملاق حسابيه } في موقع التعليل للفرح والبهجة التي دل عليها قوله : { هاؤم اقرأُوا كتابيهْ } وبذلك يكون حرف ( إنَّ ) لمجرد الاهتمام وإفادة التسبب .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَٰقٍ حِسَابِيَهۡ} (20)

قوله تعالى : " إني ظننت " أي أيقنت وعلمت ، عن ابن عباس وغيره . وقيل : أي إني ظننت أن يؤاخذني الله بسيئاتي عذبني{[15317]} فقد تفضل علي بعفوه ولم يؤاخذني بها . قال الضحاك : كل ظن في القرآن من المؤمن فهو يقين . ومن الكافر فهو شك . وقال مجاهد : ظن الآخرة يقين ، وظن الدنيا شك . وقال الحسن في هذه الآية : إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل ، وإن المنافق أساء الظن بربه فأساء العمل . " أني ملاق حسابي " أي في الآخرة ولم أنكر البعث ، يعني أنه ما نجا إلا بخوفه من يوم الحساب ؛ لأنه تيقن أن الله يحاسبه فعمل للآخرة .


[15317]:كذا في نسخ الأصل. ولعلها "فيعذبني" وقد أورد الخطيب في تفسيره هذا القول ولم يذكر فيه هذه الكلمة.