التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ} (41)

والتعريف في { المأوى } الأول والثاني تعريف العهد ، أي مأوَى من طغى ، ومأوى من خَاف مقام ربه ، وهو تعريف مُغْننٍ عن ذكر ما يضاف إليه { مأوى } ومثله شائع في الكلام كما في قوله : غُضَّ الطرف{[445]} ، أي الطرف المعهود من الأمر ، أي غض طرفك . وقوله : واملأ السمعَ ، أي سمعك{[446]} وقوله تعالى : { وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال } [ الأعراف : 46 ] ، أي على أعراف الحجاب ، ولذلك فتقدير الكلام عند نحاة البصرة المأوى له أو مأواه عند نحاة الكوفة ، ويسمي نحاة الكوفة الألف واللام هذه عوضاً عن المضاف إليه وهي تسمية حسنة لوضوحها واختصارها ، ويأبى ذلك البصريون ، وهو خلاف ضئيل ، إذ المعنى متفق عليه .

والمأوى : اسم مكان من أوَى ، إذا رجع ، فالمراد به : المقر والمسكن لأن المرء يذهب إلى قضاء شؤونه ثم يرجع إلى مسكنه .

و { مقام ربه } مجاز عن الجلال والمهابة وأصل المقام مكان القيام فكان أصله مكان ما يضاف هو إليه ، ثم شاع إطلاقه على نفس ما يضاف إليه على طريقة الكناية بتعظيم المكان عن تعظيم صاحبه ، مثل ألفاظ : جناب ، وكَنَفَ ، وذَرَى ، قال تعالى : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } [ الرحمن : 46 ] وقال : { ذلك لمن خاف مقامي } [ إبراهيم : 14 ] وذلك من قبيل الكناية المطلوب بها نسبة إلى المكنى عنه فإن خوف مقام الله مراد به خوف الله والمراد بالنسبة ما يَشمل التعلق بالمفعول .

وفي قوله : { يوم يتذكر الإنسان ما سعى } إلى قوله : { فإن الجنة هي المأوى } محسن الجمع مع التقسيم .

وتعريف { النفس } في قوله : { ونهى النفس } هو مثل التعريف في { المأوى } .

وفي تعريف « أصحاب الجحيم » و« أصحاب الجنة » بطريق الموصول إيماء إلى أن الصلتين عِلتان في استحقاق ذلك المأوى .


[445]:- في قول الفرزدق: فغض الطرف إنك من نمير *** فلا كعبا بلغت ولا كلابا
[446]:- في قول البوصيري: واملأ السمع من محاسن يم *** ليها علي الإنشاد والإملاء
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ} (41)

" فإن الجنة هي المأوى " أي المنزل . والآيتان نزلتا في مصعب بن عمير وأخيه عامر بن عمير ، فروى الضحاك عن ابن عباس قال : أما من طغى فهو أخ لمصعب بن عمير أسر يوم بدر ، فأخذته الأنصار فقالوا : من أنت ؟ قال : أنا أخو مصعب بن عمير ، فلم يشدوه في الوثاق ، وأكرموه وبيتوه عندهم ، فلما أصبحوا حدثوا مصعب بن عمير حديثه ، فقال : ما هو لي بأخ ، شدوا أسيركم ، فإن أمه أكثر أهل البطحاء حليا ومالا . فأوثقوه حتى بعثت أمه في فدائه . " وأما من خاف مقام ربه " فمصعب بن عمير ، وقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه يوم أحد حين تفرق الناس عنه ، حتى نفذت المشاقص في جوفه . وهي السهام ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم متشحطا في دمه قال : ( عند الله أحتسبك ) وقال لأصحابه : ( لقد رأيته وعليه بردان ما تعرف قيمتهما وإن شراك نعليه من ذهب ) . وقيل : إن مصعب بن عمير قتل أخاه عامرا يوم بدر . وعن ابن عباس أيضا قال : نزلت هذه الآية في رجلين : أبي جهل بن هشام المخزومي ومصعب بن عمير العبدري . وقال السدي : نزلت هذه الآية " وأما من خاف مقام ربه " في أبي بكر الصديق رضي الله عنه . وذلك أن أبا بكر كان له غلام يأتيه بطعام ، وكان يسأله من أين أتيت بهذا ، فأتاه يوما بطعام فلم يسأل وأكله ، فقال له غلامه : لم لا تسألني اليوم ؟ فقال : نسيت ، فمن أين لك هذا الطعام . فقال : تكهنت لقوم في الجاهلية فأعطونيه . فتقايأه من ساعته وقال : يا رب ما بقي في العروق فأنت حبسته فنزلت : " وأما من خاف مقام ربه " . وقال الكلبي : نزلت في من هم بمعصية وقدر عليها في خلوة ثم تركها من خوف الله . ونحوه عن ابن عباس . يعني من خاف عند المعصية مقامه بين يدي الله ، فانتهى عنها . والله أعلم .