التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلۡكُبۡرَىٰ} (34)

يجوز أن يكون التفريع على الاستدلال الذي تضمنه قوله : { أأنتم أشد خلقاً أم السماء } [ النازعات : 27 ] الآيات ، فإن إثبات البعث يقتضي الجزاء إذ هو حكمته . وإذا اقتضى الجزاء كان على العاقل أن يعمل لجزاء الحسنى ويجتنب ما يوقع في الشقاء وأن يهتم بالحياة الدائمة فيؤثرها ولا يكترث بنعيم زائل فيتورط في اتباعه ، فلذلك فرع على دليل إثبات البعث تذكير بالجزاءين ، وإرشاد إلى النجدين .

وإذ قد قُدّم قبل الاستدلال تحذيرٌ إجماليّ بقوله : { يوم ترجف الراجفة } [ النازعات : 6 ] الآية كما يذكر المطلوب قبل القياس في الجدل ، جيء عقب الاستدلال بتفصيل ذلك التحذير مع قرنه بالتبشير لمن تحلى بضده فلذلك عبر عن البعث ابتداء بالراجفة لأنها مبدؤه ، ثم بالزجرة ، وأخيراً بالطامة الكبرى لما في هذين الوصفين من معنى يشمل الراجفة وما بعدها من الأهوال إلى أن يستقر كل فريق في مقره .

ومن تمام المناسبة للتذكير بيوم الجزاء وقوعه عقب التذكير بخلق الأرض ، والامتنان بما هَيّأ منها للإِنسان متاعاً به ، للإِشارة إلى أن ذلك ينتهي عندما يحين يوم البعث والجزاء .

ويجوز أن يجعل قوله : { فإذا جاءت الطامة الكبرى } مفرعاً على قوله : { فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة } [ النازعات : 13 ، 14 ] فإن الطامة هي الزجرة .

ومناط التفريع هو ما عقبه من التفصيل بقوله : { فأما من طغى } الخ إذ لا يلتئم تفريع الشيء على نفسه .

( وإذا ) ظرف للمستقبل فلذلك إذا وقع بعد الفعل الماضي صُرف إلى الاستقبال ، وإنما يُؤتى بعد ( إذا ) بفعل الماضي لزيادة تحقيق ما يفيده ( إذا ) من تحقق الوقوع .

والمجيءُ : هنا مجاز في الحصول والوقوع لأن الشيء الموقّت المؤجل بأجل يشبه شخصاً سائراً إلى غاية ، فإذا حصل ذلك المؤجل عند أجله فكأنه السائرُ إلى ، إذا بلغ المكان المقصود .

والطامة : الحادثة ، أو الوقعة التي تَطِمُّ ، أي تعلو وتغلب بمعنى تفوق أمثالها من نوعها بحيث يقل مثلها في نوعها ، مأخوذ من طَمَّ الماء ، إذا غمر الأشياء وهذا الوصف يؤذن بالشدة والهول إذ لا يقال مثله إلا في الأمور المهولة ثم بولغ في تشخيص هولها بأن وصفت ب { الكبرى } فكان هذا أصرح الكلمات لتصوير ما يقارن هذه الحادثة من الأهوال .

والمراد بالطامة الكبرى : القيامة وقد وصفت بأوصاف عديدة في القرآن مثل الصاخّة والقارعة والراجفة ووصفت بالكبرى .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلۡكُبۡرَىٰ} (34)

قوله تعالى : " فإذا جاءت الطامة الكبرى " أي الداهية العظمى ، وهي النفخة الثانية ، التي يكون معها البعث ، قال ابن عباس في رواية الضحاك عنه ، وهو قول الحسن . وعن ابن عباس أيضا والضحاك : أنها القيامة ، سميت بذلك لأنها تطم على كل شيء ، فتعم ما سواها لعظم هولها ؛ أي تقلبه . وفي أمثالهم :

جرى الوادي فطمَّ على القَرِيِّ{[15789]}

المبرد : الطامة عند العرب الداهية التي لا تستطاع ، وإنما أخذت فيما أحسب من قولهم : طم الفرس طميما إذا استفرغ جهده في الجري ، وطم الماء إذا ملأ النهر كله . غيره : هي مأخوذة من طم السيل الركية{[15790]} أي دفنها ، والطم : الدفن والعلو . وقال القاسم بن الوليد الهمداني : الطامة الكبري حين يساق أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار . وهو معنى قول مجاهد : وقال سفيان : هي الساعة التي يسلم فيها أهل النار إلى الزبانية . أي الداهية التي طمت وعظمت ، قال :

إن بعضَ الحبِّ يُعْمِي ويُصِمّْ *** وكذاك البغضُ أدهَى وأطَمّْ


[15789]:القري مجرى الماء في الروضة والجمع أقرية وأقراء وقريان، ويضرب المثل عند تجاوز الشيء حده.
[15790]:الركية: البئر، أي جرى سيل الوادي.