التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فِيمَ أَنتَ مِن ذِكۡرَىٰهَآ} (43)

وقوله : { فيم أنت من ذكراها } واقع موقع الجواب عن سؤالهم عن الساعة باعتبار ما يظهر من حال سؤالهم عن الساعة من إرادة تعيين وقتها وصرف النظر عن إرادتهم به الاستهزاء ، فهذا الجواب من تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر ، وهو من تلقي السائل بغير ما يتطلب تنبيهاً له على أن الأولى به أن يهتم بغير ذلك ، وهو مضمون قوله : { إنما أنت منذر من يخشاها } . وهذا ما يسمى بالأسلوب الحكيم ، ونظيره ما روي في الصحيح أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال له : " ماذا أعْدَدْتَ لها ؟ " أي كان الأولى لك أن تصرف عنايتك إلى الاستكثار من الحسنات إعداداً ليوم الساعة .

والخطاب وإن كان موجهاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فالمقصود بلوغه إلى مسامع المشركين فلذلك اعتبر اعتبارَ جواب عن كلامهم وذلك مقتضى فصل الجملة عن التي قبلها شأن الجواب والسؤال .

و ( ما ) في قوله : { فيم } اسم استفهام بمعنى : أي شيء ؟ مستعملة في التعجيب من سؤال السائلين عنها ثم توبيخهم . و ( في ) للظرفية المجازية بجعل المشركين في إحفائهم بالسؤال عن وقت الساعة كأنهم جعلوا النبي صلى الله عليه وسلم محوطاً بذكر وقت الساعة ، أي متلبساً به تلبس العالم بالمعلوم فدُل على ذلك بحرف الظرفية على طريقة الاستعارة في الحرف .

وحُذف ألف ( ما ) لوقوعها بعد حرف الجر مثل { عم يتساءلون } [ النبأ : 1 ] . و { فيم } خبر مقدم و { أنت } مبتدأ ، و { من ذكراها } إما متعلق بالاستقرار الذي في الخبر أو هو حال من المبتدأ .

و { مِن } : إما مّبينة للإِبهام الذي في ( ما ) الاستفهامية ، أي في شيء هو ذكراها ، أي في شيء هو أن تَذْكرها ، أي لستَ متصدياً لشيء هو ذكرى الساعة ، وإما صفةٌ للمبتدأ فهي اتصالية وهي ضرب من الابتدائية ابتداؤها مجازي ، أي لست في شيء يتصل بذكرى الساعة ويحوم حوله ، أي ما أنت في شيء هو ذكر وقت الساعة ، وعلى الثاني : ما أنت في صلة مع ذكر الساعة ، أي لا ملابسة بينك وبين تعيين وقتها .

وتقديم { فيم } على المبتدأ للاهتمام به ليفيد أن مضمون الخبر هو مناط الإِنكار بخلاف ما لو قيل : أأنت في شيء من ذكراها ؟

والذكرى : اسم مصدر الذِّكر ، والمراد به هنا الذكر اللساني .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فِيمَ أَنتَ مِن ذِكۡرَىٰهَآ} (43)

وقال عروة بن الزبير في قوله تعالى : " فيم أنت من ذكراها " ؟ لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة ، حتى نزلت هذه الآية " إلى ربك منتهاها " . ومعنى " مرساها " أي قيامها . قال الفراء : رسوها قيامها{[15793]} كرسو السفينة . وقال أبو عبيدة : أي منتهاها ، ومرسى السفينة حيث ، تنتهي . وهو قول ابن عباس . الربيع بن أنس : متى زمانها . والمعنى متقارب . وقد مضى في " الأعراف " {[15794]} بيان ذلك . وعن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تقوم الساعة إلا بغضبة يغضبها ربك ) . " فيم أنت من ذكراها " أي في أي شيء أن يا محمد من ذكر القيامة والسؤال عنها ؟ وليس لك السؤال عنها . وهذا معنى ما رواه الزهري عن عروة بن الزبير قال : لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة حتى نزلت : " فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها " أي منتهى علمها ، فكأنه عليه السلام لما أكثروا عليه سأل الله أن يعرفه ذلك ، فقيل له : لا تسأل ، فلست في شيء من ذلك . ويجوز أن يكون إنكارا على المشركين في مسألتهم له ؛ أي فيم أنت من ذلك حتى يسألونك بيانه ، ولست ممن يعلمه . روي معناه عن ابن عباس . والذكرى بمعنى الذكر .


[15793]:قال الفراء: كقولك قام العدل، وقام الحق، أي ظهر وثبت.
[15794]:راجع جـ 8 ص 335 فما بعدها.