التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ} (40)

وقولُه : { من خاف مقام ربه } مقابل قوله : { من طغى } لأن الخوف ضد الطغيان وقوله : { نهى النفس عن الهوى } مقابل قوله : { وآثر الحياة الدنيا } .

ونهى الخائف نفسه مستعار للانكفاف عن تناول ما تحبه النفس من المعاصي والهوى ، فجعلت نفس الإِنسان بمنزلة شخص آخر يدعوه إلى السيئات وهو ينهاه عن هذه الدعوة ، وهذا يشبه ما يسمى بالتجريد ، يقولون : قالت له نفسه كذا فعصاها ، ويقال : نهى قَلْبَه ، ومن أحسن ما قيل في ذلك قول عروة بن أذيْنة :

وإذا وجَدْت لها وسَاوس سَلْوة *** شفَع الفُؤاد إلى الضمير فسلها

والمراد ب { الهوى } ما تهواه النفس فهو مصدر بمعنى المفعول مثل الخلق بمعنى المخلوق ، فهو ما ترغب فيه قوى النفس الشهوية والغضبية مما يخالف الحق والنفعَ الكامل . وشاع الهوى في المرغوب الذميم ولذلك قيل في قوله تعالى : { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من اللَّه } [ القصص : 50 ] أن { بغير هدى } حال فمؤكدة ليست تقييداً إذ لا يكون الهوى إلا بغير هدى .

وتعريف { الهوى } تعريف الجنس .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ} (40)

قوله تعالى : " وأما من خاف مقام ربه " أي حذر مقامه بين يدي ربه . وقال الربيع : مقامه يوم الحساب . وكان قتادة يقول : إن لله عز وجل مقاما قد خافه المؤمنون . وقال مجاهد : هو خوفه في الدنيا من الله عز وجل عند مواقعة الذنب فيقلع . نظيره : " ولمن خاف مقام ربه جنتان " [ الرحمن : 46 ] . " ونهى النفس عن الهوى " أي زجرها عن المعاصي والمحارم . وقال سهل : ترك الهوى مفتاح الجنة ؛ لقوله عز وجل : " وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى " قال عبد الله بن مسعود : أنتم في زمان يقود الحق الهوى ، وسيأتي زمان يقود الهوى الحق فنعوذ بالله من ذلك الزمان .