التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ يَوۡمَئِذٖ شَأۡنٞ يُغۡنِيهِ} (37)

وجملة : { لكل امرىء منهم يومئذٍ شأن يغنيه } مستأنفة استئنافاً ابتدائياً لزيادة تهويل اليوم ، وتنوينُ { شأن } للتعظيم .

وحيث كان فرار المرء من الأقرباء الخمسة يقتضي فرار كل قريب من أولئك من مثله كان الاستئناف جامعاً للجميع تصريحاً بذلك المقتضَى ، فقال : { لكل امرىء منهم يومئذٍ شأن يغنيه } أي عن الاشتغال بغيره من المذكورات بَلْهَ الاشتغال عمن هو دون أولئك في القرابة والصحبة .

والشأن : الحال المهم .

وتقديم الخبر في قوله : { لكل امرىء } على المبتدأ ليتأتى تنكير { شأن } الدال على التعظيم لأن العرب لا يبتدئون بالنكرة في جملتها إلا بمسوغ من مسوغاتتٍ عَدَّها النحاة بضعةَ عشر مسوغاً ، ومنها تقديم الخبر على المبتدإ .

والإِغناء : جعل الغير غنياً ، أي غير محتاج لشيء في غرضهِ . وأصل الإِغناء والغنى : حصول النافع المحتاج إليه ، قال تعالى : { وما أغنى عنكم من اللَّه من شيء } [ يوسف : 67 ] وقال : { ما أغنى عني ماليه } [ الحاقة : 28 ] . وقد استعمل هنا في معنى الإِشغال والإِشغال أعم .

فاستعمل الإغناء الذي هو نفع في معنى الإِشغال الأعم على وجه المجاز المرسل أو الاستعارة إيماء إلى أن المؤمنين يشغلهم عن قرابتهم المشركين فرط النعيم ورفع الدرجات كما دل عليه قوله عقبه : { وجوه يومئذٍ مسفرة } إلى آخر السورة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ يَوۡمَئِذٖ شَأۡنٞ يُغۡنِيهِ} (37)

" لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه " . في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول : [ يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا ] قلت ، يا رسول الله ! الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض ؟ قال : [ يا عائشة ، الأم أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض ] . خرجه الترمذي . عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ يحشرون حفاة عراة غرلا ] فقالت امرأة : أينظر بعضنا ، أو يرى بعضنا عورة بعض ؟ قال : [ يا فلانة ] " لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه " . قال : حديث حسن صحيح . وقراءة العامة بالغين المعجمة ، أي حال يشغله عن الأقرباء . وقرأ ابن محيصن وحميد " يعنيه " بفتح الياء ، وعين غير معجمة ، أي يعنيه أمره . وقال القتبي : يعنيه : يصرفه ويصده عن قرابته ، ومنه يقال : اعْنِ عني وجهك : أي اصرفه واعْنِ عن السفيه . قال خفاف :

سيعنيك حرب بني مالك *** عن الفحش والجهل في المحفل