التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{إِن يَشَأۡ يُسۡكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظۡلَلۡنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٍ} (33)

وإسكان الرياح : قطع هبوبها ، فإن الريح حركة وتموّج في الهواء فإذا سكن ذلك التموّج فلا ريح .

وقرأ نافع { الريَاح } بلفظ الجمع . وقرأه الباقون { الريح } بلفظ المفرد . وفي قراءة الجمهور ما يدل على أن الريح قد تطلق بصيغة الإفراد على الريح الخير ، وما قيل : إن الرياح للخير والريح للعذاب في القرآن هو غالب لا مطّرد . وقد قرىء في آيات أخرى الرياح والريح في سياق الخير دون العذاب .

قرأ الجمهور { يشأ } بهمزة ساكنة . وقرأه ورش عن نافع بألف على أنه تخفيف للهمزة .

والرواكد : جمع راكدة ، والركود : الاستقرار والثبوت .

والظهْر : الصلب للإنسان والحيوان ، ويطلق على أعلى الشيء إطلاقاً شائعاً . يقال : ظَهْر البيت ، أي سطحه ، وتقدم في قوله تعالى : { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها } [ البقرة : 189 ] . وأصله : استعارة فشاعت حتى قاربت الحقيقة ، فظَهْر البحر سطح مائه البادي للناظر ، كما أطلق ظهْر الأرض على ما يبدو منها ، قال تعالى : { ما تَرك على ظهرها من دابّة } [ فاطر : 45 ] .

وجُعل ذلك آيةً لكل صبّار شكور لأن في الحالتين خوفاً ونجاة ، والخوف يدعو إلى الصبر ، والنجاةُ تدعو إلى الشكر .

والمراد : أن في ذلك آيات لكل مؤمن متخلق بخلُق الصبر على الضرّاء والشكرِ للسرّاء ، فهو يعتبر بأحوال الفُلْك في البحر اعتباراً يقارنه الصبر أو الشكر .

وإنما جعل ذلك آية للمؤمنين لأنهم الذين ينتفعون بتلك الآية فيعلمون أن الله منفرد بالإلهية بخلاف المشركين فإنها تمر بأعينهم فلا يعتبرون بها .

وقوله : أو يوبقهن } عطف على جزاء الشرط .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِن يَشَأۡ يُسۡكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظۡلَلۡنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٍ} (33)

( إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره ) . .

وإنها لتركد أحياناً فتهمد هذه الجواري وتركد كما لو كانت قد فارقتها الحياة !

( إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) . .

في إجرائهن وفي ركودهن على السواء آيات لكل صبار شكور . والصبر والشكر كثيراً ما يقترنان في القرآن . الصبر على الابتلاء والشكر على النعماء ؛ وهما قوام النفس المؤمنة في الضراء والسراء .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِن يَشَأۡ يُسۡكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظۡلَلۡنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٍ} (33)

" إن يشأ يسكن الريح " كذا قرأه أهل المدينة " الرياح " بالجمع . " فيظللن رواكد على ظهره " أي فتبقى السفن سواكن على ظهر البحر لا تجري . ركد الماء ركودا سكن . وكذلك الريح والسفينة ، والشمس إذا قام قائم الظهيرة . وكل ثابت في مكان فهو راكد . وركد الميزان استوى . وركد القوم هدؤوا . والمراكد : المواضع التي يركد فيها الإنسان وغيره . وقرأ قتادة " فيظللن " بكسر اللام الأولى على أن يكون لغة ، مثل ضللت{[13520]} أضل . وفتح اللام وهي اللغة المشهورة . " إن في ذلك لآيات " أي دلالات وعلامات " لكل صبار شكور " أي صبار على البلوى شكور على النعماء . قال قطرب : نعم العبد الصبار الشكور ، الذي إذا أعطي شكر وإذا ابتلي صبر . قال عون بن عبد الله : فكم من منعم عليه غير شاكر ، وكم من مبتلى غير صابر .


[13520]:في الأصول:" ظللت أظل" بالظاء المعجمة. والتصويب عن الكشاف.