{ ذَلِكَ الذى يُبَشِّرُ الله عِبَادَهُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } .
اسم الإشارة مؤكد لنظيره الذي قبله ، أي ذلك المذكور الذي هو فضل يحصل لهم في الجنّة هو أيضاً بشرى لهم من الحياة الدنيا .
والعائد من الصلة إلى الموصول محذوف تقديره : الذي يبشر الله به عباده . وحذفه هنا لتنزيله منزلة الضمير المنصوب باعتبار حذف الجار على طريقة حذفه في نحو قوله : { واختار موسى قومه } [ الأعراف : 155 ] بتقدير : من قومه ، فلما عومل معاملة المنصوب حذف كما يحذف الضمير المنصوب .
وقرأ نافع وعاصم وابن عامر ويعقوب وخلف { يبشر } بضم التحتية وفتح الموحدة وتشديد الشين المكسورة ، وهو من بشّره ، إذا أخبره بحادثثٍ يسره . وقرأه ابن كثير وأبو عمر وحمزة والكسائي { يَبْشُر } بفتح التحتية وسكون الموحدة وضم الشين مخففة ، يقال : بشرت الرجل بتخفيف الشين أبشرُهُ من باب نصر إذا غبطه بحادث يَسرّه .
وجَمعُ العباد المضافُ إلى اسم الجلالة أو ضميرِه غَلَب إطلاقه في القرآن في معرض التقريب وترفيع الشّأن ، ولذلك يكون موقع { الذين آمنوا وعملوا الصالحات } هنا موقع عطف البيان على نحو قوله تعالى : { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون } [ يونس : 62 ، 63 ] إذ وقع { الذين آمنوا موقع عطف البيان من أولياء الله .
{ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِى القربى } .
استئناف ابتدائي بمناسبة ذكر ما أعد للمشركين من عذاب وما أعد للمؤمنين من خير ، وضمير جماعة المخاطبين مراد به المشركون لا محالة وليس في الكلام السابق ما يتوهم منه أن يكون { قل لا أسألكم } جواباً عنه ، فتعين أن جملة { قل لا أسألكم عليه أجراً } كلام مستأنف استئنافاً ابتدائياً .
ويظهر مما رواه الواحدي في « أسباب النزول » عن قتادة : أن المشركين اجتمعوا في مجمع لهم فقال بعضهم لبعض : أترون محمداً يَسأل على ما يتعاطاه أجراً . فنزلت هذه الآية ، يعنون : إن كان ذلك جمعنا له مالاً كما قالوه له غير مرة ، أنها لا اتصال لها بما قبلها وأنها لما عرض سبب نزولها نزلت في أثناء نزول الآيات التي قبلها والتي بعدها فتكون جملة ابتدائية . وكان موقعها هنا لمناسبة ما سبق من ذكر حجاج المشركين وعنادهم فإن مناسبتها لما معها من الآيات موجودة إذ هي من جملة ما واجه به القرآن محاجّة المشركين ، ونفَى به أوهامهم ، واستفتح بصائرهم إلى النظر في علامات صدق الرسول ؛ فهي جملة ابتدائية وقعت معترضة بين جملة { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } وجملة { ومن يقترف حسنة } .
وابتدئت ب { قل } إما لأنها جواب عن كلام صدر منهم ، وإمّا لأنها مما يهتم بإبلاغه إليهم كما أن نظائرها افتتحت بمثل ذلك مثل قوله تعالى :
{ قل ما سألتكم من أجر فهو لكم } [ سبأ : 47 ] وقوله : { قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين } [ ص : 86 ] وقوله : { قل لا أسألكم عليه أجراً } [ الأنعام : 90 ] .
وضمير { عليه } عائد إلى القرآن المفهوم من المقام .
والأجر : الجزاء الذي يعطاه أحد على عمل يعمله ، وتقدم عند قوله تعالى : { إن الله عنده أجر عظيم } في سورة براءة ( 22 ) .
والمودّة : المحبة والمعاملة الحسنة المشبهة معاملة المتحابين ، وتقدمت عند قوله { مودّة بينكم في الحياة الدنيا } في سورة العنكبوت ( 25 ) . والكلام على تقدير مضاف أي معاملة المودة ، أي المجاملة بقرينة أن المحبة لا تُسأل لأنها انبعاث وانفعال نفساني .
و{ في } للظرفية المجازية لأنه مجرورها وهو { القربى } لا يصلح لأن يكون مظروفاً فيه .
ومعنى الظرفية المجازية هنا : التعليل ، وهو معنى كثير العروض لحرف { في } كقوله : { وجاهدوا في الله } [ الحج : 78 ] .
و { القربى } : اسم مصدر كالرُجعى والبُشرى ، وهي قَرابة النسب ، قال تعالى : { وآتِ ذا القُربى حقّه } [ الإسراء : 26 ] ، وقال زهير :
وظُلمُ ذوي القربى أشدّ مضاضَةً . . . البيت
وتقدم عند قوله تعالى : { ولذي القربى } في سورة الأنفال ( 41 ) .
ومعنى الآية على ما يقتضيه نظمها : لا أسألكم على القرآن جزاء إلا أن تَوَدُّوني ، أي أن تعاملوني معاملة الوِدِّ ، أي غير معاملة العداوةِ ، لأجل القرابة التي بيننا في النسب القرشي .
وفي « صحيح البخاري » و« جامع الترمذي » سئل ابن عباس عن هذه الآية بحضرة سعيد بن جبير فابتدر سعيد فقال : قُربى آل محمد ، فقال ابنُ عباس : عَجِلْتَ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة ، فقال : إلاّ أنْ تَصِلُوا ما بيني وبينكم من القرابة . وذكر القرطبي عن الشعبي أنه قال : أكثرَ الناسُ علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عنها فكتب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أوسط الناس في قريش فليس بطن من بطونهم إلا وقد وَلَدَهُ فقال الله له : { قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى } إلاَّ أن تَوَدوني في قرابتي منكم ، أي تَرَاعُوا ما بيني وبينكم فتصدّقوني ، فالقربى ههنا قرابة الرحم كأنه قال : اتبعوني للقرابة إن لم تتبعوني للنُبوءةِ . انتهى كلام القرطبي . وما فسر به بعض المفسرين أن المعنى : إلا أن تودّوا أقاربي تلفيق معنى عن فهم غير منظور فيه إلى الأسلوب العربي ، ولا تصح فيه رواية عمن يعتد بفهمه .
أمّا كون محبة آل النبي صلى الله عليه وسلم لأجل محبة ما له اتصال به خُلُقاً من أخلاق المسلمين فحاصل من أدلة أخرى ، وتحديد حدودها مُفصَّل في « الشفاء » لعياض . والاستثناء منقطع لأن المودّة لأجل القرابة ليست من الجزاء على تبليغ الدعوة بالقرآن ولكنها مما تقتضيه المروءة فليس استثناؤها من عموم الأجر المنفي استثناء حقيقياً . والمعنى : لا أسألكم على التبليغ أجراً وأسألُكم المودّة لأجل القربى . وإنما سألهم المودّة لأن معاملتهم إياه معاملةَ المودّة معِينة على نشر دعوة الإسلام ، إذ تَلِين بتلك المعاملة شكيمتهم فيتركون مقاومته فيتمكن من تبليغ دعوة الإسلام على وجه أكمل .
فصارت هذه المودة غرضاً دينياً لا نفع فيه لنفس النبي صلى الله عليه وسلم .
وفي بعض الأخبار الموضوعة في أسباب النزول أن سبب نزول هذه الآية : أن النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا قدم المدينة كانت تنوبه نوائب لا يسعها ما في يديه . فقالت الأنصار : إن هذا الرجل هداكم الله به فنجمع له مالاً ، ففعلوا ثم أتوه به ، فنزلت . وفي رواية : أن الأنصار قالوا له يوماً : أنفسُنا وأموالنا لك ، فنزلت . وقيل نزل { ذلك الذي يبشر الله عباده } إلى قوله : { إنه عليم بذات الصدور } [ الشورى : 23 ، 24 ] . ولأجل ذلك قال فريق : إن هذه الآيات مدنية كما تقدم في أول السورة وهي أخبار واهية .
وتضمنت الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم منزّه عن أن يتطلب من الناس جزاء على تبليغ الهدى إليهم فإن النبوءة أعظم مرتبة في تعليم الحقّ وهي فوق مرتبة الحكمة ، والحكماء تنزّهوا عن أخذ الأجر على تعليم الحكمة ، فإن الحكمة خير كثير والخير الكثير لا تقابله أعراض الدنيا ، ولذلك أمر الله رُسُله بالتنزّه عن طلب جزاء على التبليغ ، فقال حكاية عن نوح { وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلاّ على رب العالمين } [ الشعراء : 109 ] . وكذلك حكى عن هود وصالح ولوط وشعيب .
{ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ الله غَفُورٌ شكور } .
تذييل لجملة { ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات } والمعنى : وكلما عمل مؤمن حسنة زدناه حسناً من ذلك الفضل الكبير . وهذا في معنى قوله تعالى : { والله يضاعف لمن يشاء } [ البقرة : 261 ] والواو اعتراضية .
والاقتراف : افتعال من القَرْف ، وهو الاكتساب ، فالاقتراف مبالغة في الكسب نظيرَ الاكتساب ، وليس خاصاً باكتساب السوء وإن كان قد غلب فيه ، وأصله من قَرَفَ الشجرةَ ، إذا قشر قِرْفَها ، بكسر القاف ، وهو لِحَاؤها ، أي قَشْرُ عودها ، وتقدم عند قوله تعالى : { وليَقترفوا ما هم مقترفون } في سورة الأنعام ( 113 ) ، وعند قوله : { وأموالٌ اقترفتموها } في سورة براءة ( 24 ) .
والحسنة : الفَعْلة ذات الحسن صفة مشبهة غلبت في استعمال القرآن والسنة على الطاعة والقربة فصارت بمنزلة الجوامد عَلَماً بالغلبة وهي مشتقة من الحسن وهو جمال الصورة . والحُسن : ضد القبح وهو صفة في الذات تقتضي قبول منظرها في نفوس الرّائين وميلهم إلى مداومة مشاهدتها . وتوصف المعنويات بالحسن فيراد به كون الفعل أو الصفة محمودة عند العقول مرغوباً في الاتصاف بها .
ولما كانت الحسنة مأخوذة من الحُسن جعلت الزيادة فيها من الزيادة في الحسن مراعاة لأصل الاشتقاق فكان ذكر الحُسْن من الجناس المعبر عنه بجناس الاشتقاق نحو قوله تعالى : { فأقم وجهك للدّين القيم } [ الروم : 43 ] ، وصار المعنى نزِد له فيها مماثلاً لها . ويتعين أن الزيادة فيها زيادة من غير عَملِه ولا تكون الزيادة بعمل يعمله غيره لأنها تصير عملاً يستحق الزيادة أيضاً فلا تنتهي الزيادة فتعيّن أن المراد الزيادة في جزاء أمثالها عند الله . وهذا معنى قوله تعالى : { من جاء بالحسنة فله عشْر أمثالها } [ الأنعام : 160 ] وقوله { والله يضاعف لمن يشاء } [ البقرة : 261 ] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم « من هَم بحسنة فعمِلها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف » .
وجملة { إن الله غفور شكور } تذييل وتعليل للزيادة لقصد تحقيقها بأن الله كثيرة مغفرته لمن يستحقها ، كثير شكره للمتقربين إليه . والمقصود بالتعليل هو وصف الشكور ، وأما وصف الغفور فقد ذكر للإشارة إلى ترغيب المقترفين السيئات في الاستغفار والتوبة ليغفر لهم فلا يقنطوا من رحمة الله .
( ذلك الذي يبشر الله عباده )فهو بشرى حاضرة ، مصداقاً للبشرى السالفة . وظل البشرى هنا هو أنسب الظلال .
وعلى مشهد هذا النعيم الرخاء الجميل الظليل يلقن الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] أن يقول لهم : إنه لا يطلب منهم أجراً على الهدى الذي ينتهي بهم إلى هذا النعيم ، وينأى بهم عن ذلك العذاب الأليم . إنما هي مودته لهم لقرابتهم منه ، وحسبه ذلك أجراً :
( قل : لا أسألكم عليه أجرا . إلا المودة في القربى . ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا . إن الله غفور شكور ) . .
والمعنى الذي أشرت إليه ، وهو أنه لا يطلب منهم أجرا ، إنما تدفعه المودة للقربى - وقد كانت لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] قرابة بكل بطن من بطون قريش - ليحاول هدايتهم بما معه من الهدى ، ويحقق الخير لهم إرضاء لتلك المودة التي يحملها لهم ، وهذا أجره وكفى !
هذا المعنى هو الذي انقدح في نفسي وأنا أقرأ هذا التعبير القرآني في مواضعه التي جاء فيها . وهناك تفسير مروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أثبته هنا لوروده في صحيح البخاري :
قال البخاري حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة ، قال :
سمعت طاووسا يحدث عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه سأل عن قوله تعالى : ( إلا المودة في القربى )فقال سعيد بن جبير : " قربى آل محمد . فقال ابن عباس : عجلت . إن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لم يكن بطن من بطون قريش إلا كان له فيهم قرابة . فقال : " إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة " .
ويكون المعنى على هذا : إلا أن تكفوا أذاكم مراعاة للقرابة . وتسمعوا وتلينوا لما أهديكم إليه . فيكون هذا هو الأجر الذي أطلبه منكم لا سواه .
وتأويل ابن عباس - رضي الله عنهما - أقرب من تأويل سعيد بن جبير - رضي الله عنه - ولكنني ما أزال أحس أن ذلك المعنى أقرب وأندى . . والله أعلم بمراده منا .
وعلى أية حال فهو يذكرهم - أمام مشهد الروضات والبشريات - أنه لا يسألهم على شيء من هذا أجراً . ودون هذا بمراحل يطلب عليه الأدلاء أجرا ضخماً ! ولكنه فضل الله الذي لا يحاسب العباد حساب التجارة ، ولا حساب العدل ، ولكن حساب السماحة وحساب الفضل :
( ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ) . .
فليس هو مجرد عدم تناول الأجر . بل إنها الزيادة والفضل . . ثم هي بعد هذا كله المغفرة والشكر :
الله يغفر . ثم . . الله يشكر ويشكر من ? يشكر لعباده . وهو وهبهم التوفيق على الإحسان . ثم هو يزيد لهم في الحسنات ، ويغفر لهم السيئات . ويشكر لهم بعد هذا وذاك . . فيا للفيض الذي يعجز الإنسان عن متابعته . فضلاً على شكره وتوفيته !
قوله تعالى : " ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا " قرئ " يبشر " من بشره ، " ويبشر " من أبشره ، " يبشر " من بشره ، وفيه حذف ، أي يبشر الله به عباده المؤمنين ليتعجلوا السرور ويزدادوا منه وجدا في الطاعة .
الأولى- قوله تعالى : " قل لا أسألكم عليه عليه أجرا " أي قل يا محمد لا أسألكم على تبليغ الرسالة جعلا . " إلا المودة في القربى " قال الزجاج : " إلا المودة " استثناء ليس من الأول ، أي إلا أن تودوني لقرابتي فتحفظوني . والخطاب لقريش خاصة . قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد وأبو مالك والشعبي وغيرهم . قال الشعبي : أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عنها ، فكتب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أوسط الناس في قريش ، فليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده ، فقال الله له : " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " إلا أن تودوني في قرابتي منكم ، أي تراعوا ما بيني وبينكم فتصدقوني . ف " القربى " ها هنا قرابة الرحم ، كأنه قال : اتبعوني للقرابة إن لم تتبعوني للنبوة . قال عكرمة : وكانت قريش تصل أرحامها فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم قطعته ؛ فقال : ( صلوني كما كنتم تفعلون ) . فالمعنى على هذا : قل لا أسألكم عليه أجرا لكن أذكركم قرابتي ، على استثناء ليس من الأول . ذكره النحاس . وفي البخاري عن طاوس عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى : " إلا المودة في القربى " فقال سعيد بن جبير : قربى آل محمد ، فقال ابن عباس : عجلت ! إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة ، فقال : إلا أن تصلوا ما بينكم من القرابة . فهذا قول . وقيل : القربى قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم ، أي لا أسألكم أجرا إلا أن تودوا قرابتي وأهل بيتي ، كما أمر بإعظامهم ذوي القربى . وهذا قول علي بن حسين وعمرو بن شعيب والسدي . وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس : لما أنزل الله عز وجل : " قل لا أسالكم عيه أجرا إلا المودة في القربي " قالوا : يا رسول الله ، من هؤلاء الذين نودهم ؟ قال : ( علي وفاطمة وأبناؤهما ) . ويدل عليه أيضا ما روي عن علي رضي الله عنه قال : شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم حسد الناس لي . فقال : ( أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذريتنا خلف أزواجنا ) . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( حرمت الجنة على من ظلم أهل وآذاني في عترتي ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غدا إذا لقيني يوم القيامة ) . وقال الحسن وقتادة : المعنى إلا أن يتوددوا إلى الله عز وجل ويتقربوا إليه بطاعته . ف " القربى " على هذا بمعنى القربة . يقال : قربة وقربى بمعنى ، كالزلفة والزلفى . وروى قزعة بن سويد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( قل لا أسألكم على ما آتيتكم به أجرا إلا أن توادوا وتقربوا إليه بالطاعة ) . وروى منصور وعوف عن الحسن " قل لا أسالكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " قال : يتوددون إلى الله عز وجل ويتقربون منه بطاعته . وقال قوم : الآية منسوخة وإنما نزلت بمكة ، وكان المشركون يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية ، وأمرهم الله بمودة نبيه صلى الله عليه وسلم وصلة رحمه ، فلما هاجر آوته الأنصار ونصروه ، وأراد الله أن يلحقه بإخوانه من الأنبياء حيث قالوا : " وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين " {[13497]} [ الشعراء : 109 ] فأنزل الله تعالى : " قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله " {[13498]} [ سبأ : 47 ] فنسخت بهذه الآية وبقوله : " قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين " {[13499]} [ ص : 86 ] ، وقوله . " أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير " {[13500]} [ المؤمنون : 72 ] ، وقوله : " أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون " {[13501]} [ الطور : 40 ] قاله الضحاك والحسين بن الفضل . ورواه جويبر عن الضحاك عن ابن عباس . قال الثعلبي : وليس بالقوي ، وكفى قبحا بقول من يقول : إن التقرب إلى الله بطاعته ومودة نبيه صلى الله عليه وسلم وأهل بيته منسوخ ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من مات على حب آل محمد مات شهيدا . ومن مات على حب آل محمد جعل الله زوار قبره الملائكة والرحمة . ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه أيس اليوم من رحمة الله . ومن مات على بغض آل محمد لم يرح{[13502]} رائحة الجنة . ومن مات على بغض آل بيتي فلا نصيب له في شفاعتي ) .
قلت : وذكر هذا الخبر الزمخشري في تفسيره بأطول من هذا فقال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من مات على حب آل محمد مات شهيدا ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنا مستكمل الإيمان . ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير . ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها ، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له قبره بابان إلى الجنة . ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة . ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة . ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله . ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافرا . ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة ) . قال النحاس : ومذهب عكرمة ليست بمنسوخة . قال : كانوا يصلون أرحامهم فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم قطعوه فقال : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني وتحفظوني لقرابتي ولا تكذبوني ) .
قلت : وهذا هو معنى قول ابن عباس في البخاري والشعبي عنه بعينه ، وعليه لا نسخ . قال النحاس : وقول الحسن حسن ، ويدل على صحته الحديث المسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثنا أحمد بن محمد الأزدي قال أخبرنا الربيع بن سليمان المرادي قال أخبرنا أسد بن موسى قال حدثنا قزعة - وهو ابن يزيد البصري{[13503]} - قال حدثنا عبدالله بن أبي نجيع عن مجاهد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا أسألكم على ما أنبئكم به من البينات والهدى أجراً إلا أن توادوا الله عز وجل وأن تتقربوا إليه بطاعته ) . فهذا المبين عن الله عز وجل قد قال هذا ، وكذا قالت الأنبياء صلى الله عليه وسلم قبله : " إن أجري إلا على الله " [ سبأ : 47 ] .
الثانية- واختلفوا في سبب نزولها ، فقال ابن عباس : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كانت تنوبه نوائب وحقوق لا يسعها ما في يديه ، فقالت الأنصار : إن هذا الرجل هداكم الله به وهو ابن أخيكم ، وتنوبه نوائب وحقوق لا يسعها ما في يديه فنجمع له ففعلوا ، ثم أتوه به فنزلت . وقال الحسن : نزلت حين تفاخرت الأنصار والمهاجرون ، فقالت الأنصار نحن فعلنا ، وفخرت المهاجرون بقرابتهم من رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم . روى مقسم عن ابن عباس قال : سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فخطب فقال للأنصار : ( ألم تكونوا أذلاء فأعزكم الله بي . ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي . ألم تكونوا خائفين فأمنكم الله بي ألا تردون علي ) ؟ فقالوا : به نجيبك ؟ قال . ( تقولون ألم يطردك قومك فآويناك . ألم يكذبك قومك فصدقناك . . . ) فعدد عليهم . قال فجثوا على ركبهم فقالوا : أنفسنا وأموالنا لك . فنزلت : " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " وقال قتادة : قال المشركون لعل محمد فيما يتعاطاه يطلب أجرا ، فنزلت هذه الآية ؛ ليحثهم على مودته ومودة أقربائه . قال الثعلبي : وهذا أشبه بالآية ، لأن السورة مكية .
قوله تعالى : " ومن يقترف حسنة " أي : يكتسب . وأصل القرف الكسب ، يقال : فلان يقرف لعياله ، أي يكسب . والاقتراف الاكتساب ، وهو مأخوذ من قولهم رجل قرفة ، إذا كان محتالا . وقد مضى في " الأنعام " {[13504]} القول فيه . وقال ابن عباس : " ومن يقترف حسنة " قال المودة لآل محمد صلى الله عليه وسلم . " نزد له فيها حسنا " أي نضاعف له الحسنة بعشر فصاعدا . " إن الله غفور شكور " قال قتادة : " غفور " للذنوب " شكور " للحسنات . وقال السدي : " غفور " لذنوب آل محمد عليه السلام ، " شكور " لحسناتهم .