التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ} (3)

وعُطف على جواب القسم { ما ينطق عن الهوى } وهذا وصف كمال لذاته . والكلام الذي ينطق به هو القرآن لأنهم قالوا فيه : { إن هذا إلا إفك افتراه } [ الفرقان : 4 ] وقالوا : { أساطير الأولين اكتتبها } [ الفرقان : 5 ] وذلك ونحوه لا يعدُو أن يكون اختراعه أو اختياره عن محبة لما يُخترع وما يُختار بقطع النظر عن كونه حقاً أو باطلاً ، فإن من الشعر حكمة ، ومنه حكاية واقعات ، ومنه تخيلات ومفتريات . وكله ناشىء عن محبة الشاعر أن يقول ذلك ، فأراهم الله أن القرآن داععٍ إلى الخير .

و { ما } نافية نفت أن ينطق عن الهوى .

والهوى : ميل النفس إلى ما تحبه أو تحب أن تفعله دون أن يقتضيه العقل السليم الحكيم ، ولذلك يختلف الناس في الهوى ولا يَختلفون في الحق ، وقد يحب المرء الحق والصواب . فالمراد بالهوى إذا أطلق أنه الهوى المجرد عن الدليل .

ونفي النطق عن هَوى يقتضي نفي جنس ما يَنْطق به عن الاتصاف بالصدور عن هوى سواء كان القرآن أو غيره من الإِرشاد النبوي بالتعليم والخطابة والموعظة والحكمة ، ولكن القرآن هو المقصود لأنه سبب هذا الرد عليهم .

واعلم أن تنزيهه صلى الله عليه وسلم عن النطق عن هوى يقتضي التنزيه عن أن يفعل أو يحكم عن هوى لأن التنزه عن النطق عن هوى أعظم مراتب الحكمة . ولذلك ورد في صفة النبي صلى الله عليه وسلم « أنه يمزح ولا يقول إلا حقًّا » . وهنا تم إبطال قولهم فحسن الوقف على قوله : { وما ينطق عن الهوى } .

وبين { هوى } و { الهوى } جِناس شبه التام .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ} (3)

ولا ناطق عن الهوى فيما يبلغكم من الرسالة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ} (3)

قوله تعالى : " وما ينطق عن الهوى " قال قتادة : وما ينطق بالقرآن عن هواه " إن هو إلا وحي يوحى " إليه . وقيل : " عن الهوى " أي بالهوى ، قاله أبو عبيدة ، كقوله تعالى : " فاسأل به خبيرا{[14340]} " [ الفرقان : 59 ] أي فاسأل عنه . النحاس : قول قتادة أولى ، وتكون " عن " على بابها ، أي ما يخرج نطقه عن رأيه ، إنما هو بوحي من الله عز وجل ؛ لأن بعده : " إن هو إلا وحي يوحى " . وقد يحتج بهذه الآية من لا يجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم الاجتهاد في الحوادث . وفيها أيضا دلالة على أن السنة كالوحي المنزل في العمل . وقد تقدم في مقدمة الكتاب حديث المقدام بن معد يكرب{[14341]} في ذلك والحمد لله . قال السجستاني : إن شئت أبدلت " إن هو إلا وحي يوحى " من " ما ضل صاحبكم " قال ابن الأنباري : وهذا غلط ؛ لأن " إن " الخفيفة لا تكون مبدلة من " ما " الدليل على هذا أنك لا تقول : والله ما قمت إن أنا لقاعد .


[14340]:راجع جـ 13 ص 63 وص 228.
[14341]:راجع جـ 1 ص 37.