التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَفَرَءَيۡتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلۡعُزَّىٰ} (19)

لما جرى في صفة الوحي ومشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام ما دل على شؤون جليلة من عظمة الله تعالى وشرف رسوله صلى الله عليه وسلم وشرف جبريل عليه السلام إذ وصف بصفات الكمال ومنازل العزة كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالعروج في المنازل العليا ، كان ذلك مما يثير موازنة هذه الأحوال الرفيعة بحال أعظم آلهتهم الثلاث في زعمهم وهي : اللاتُ ، والعزَّى ، ومناةُ التي هي أحجار مقرّها الأرض لا تملك تصرفاً ولا يعرج بها إلى رفعة . فكان هذا التضاد جامعاً خيالياً يقتضي تعقيب ذكر تلك الأحوال بذكر أحوال هاته .

فانتقل الكلام من غرض إثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم موحىً إليه بالقرآن ، إلى إبطال عبادة الأصنام ، ومناط الإِبطال قوله : { إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباءكم ما أنزل الله بها من سلطان } .

فالفاء لتفريع الاستفهام وما بعده على جملة { أفتمارونه على ما يرى } [ النجم : 12 ] المفرعة على جملة { ما كذب الفؤاد ما رأى } [ النجم : 11 ] .

والروية في { أفرأيتم } يجوز أن تكون بَصَرية تتعدّى إلى مفعول واحد فلا تطلب مفعولاً ثانياً ويكون الاستفهام تقريرياً تهكمياً ، أي كيف ترون اللات والعزّى ومناةَ بالنسبة لما وصف في عظمة الله تعالى وشرف ملائكته وشرف رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا تهكم بهم وإبطال لإِلهية تلك الأصنام بطريق الفحوى ، ودليله العيان . وأكثر استعمال « أرأيت » أن تكون للرؤية البصرية على ما اختاره رضيّ الدين .

وتكون جملة { ألكم الذكر } الخ استئنافاً وارتقاء في الرد أو بَدلَ اشتمال من جملة { أفرأيتم اللات والعزى } لأن مضمونها مما تشتمل عليه مزاعمهم ، كانوا يزعمون أن اللات والعزى ومناة بنات الله كما حكى عنهم ابن عطية وصاحب « الكشاف » وسياق الآيات يقتضيه .

ويجوز أن تكون الرؤية علمية ، أي أزعمتم اللات والعزى ومناةَ ، فحذف المفعول الثاني اختصاراً لدلالة قوله : { ألكم الذكر وله الأنثى } عليه ، والتقدير : أزعمتموهن بنات الله ، أتجعلون له الأنثى وأنتم تبتغون الأبناء الذكور ، وتكون جملة { ألكم الذكر } الخ بياناً للإِنكار وارتقاء في إبطال مزاعمهم ، أي أتجعلون لله البنات خاصة وتغتبطون لأنفسكم بالبنين الذكور .

وجعل صاحب « الكشْف » قوله : { ألكم الذكر وله الأنثى } سادًّا مسدَّ المفعول الثاني لفعل « أرأيتم » .

وأيضاً لما كان فيما جرى من صفة الوحي ومنازل الزلفى التي حظي بها النبي صلى الله عليه وسلم وعظمة جبريل إشعار بسعة قدرة الله تعالى وعظيم ملكوته مما يسجِّل على المشركين في زعمهم شركاء لله أصناماً مثل اللات والعزى ومناة .

فسادَ زعمهم وسفاهة رأيهم أعقب ذكر دلائل العظمة الإِلهية بإبطال إلهية أصنامهم بأنها أقل من مرتبة الإِلهية إذ تلك أوهام لا حقائق لها ولكن اخترعتها مُخيّلات أهل الشرك ووضعوا لها أسماء ما لها حقائق ، ففرّع { أفرأيتم اللات والعزى } الخ فيكون الاستفهام تقريرياً إنكاريًّا ، والرؤية علميةَ والمفعول الثاني هو قوله : { إن هي إلا أسماء سميتموها } .

وتكون جملة { ألكم الذكر وله الأنثى } الخ معترضة بين المفعولين للارتقاء في الإِنكار ، أي وزعمتوهن بنات لله أو وزعمتم الملائكة بنات لله .

وهذه الوجوه غير متنافية فنحملها على أن جميعها مقصود في هذا المقام .

ولك أن تجعل فعل « أرأيتم » { على اعتبار الرؤية علمية } معلّقاً عن العمل لوقوع { إنْ } النافية بعده في قوله : { إن هي إلا أسماء سميتموها } وتجعل جملة { ألكم الذكر وله الأنثى } إلى قوله : { ضيزى } اعتراضاً .

واللاتُ : صنم كان لثقيف بالطائف ، وكانت قريش وجمهور العرب يعبدونه ، وله شهرة عند قريش ، وهو صخرة مربعة بنوا عليها بناء . وقال الفخر : « كان على صورة إنسان ، وكان في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى » كذا قال القرطبي فلعل المسجد كانت له منارتان .

والألف واللام في أول { اللات } زائدتان . و { ال } الداخلة عليه زائدة ولعل ذلك لأن أصله : لاَتْ ، بمعنى معبود ، فلما أرادوا جعله علماً على معبود خاص أدخلوا عليه لام تعريف العهد كما في { الله } فإن أصله إله . ويوقف عليه بسكون تائه في الفصحى .

وقرأ الجمهور : { اللات } بتخفيف المثناة الفوقية . وقرأه رويس عن يعقوب بتشديد التاء وذلك لغة في هذا الاسم لأن كثيراً من العرب يقولون : أصل صخرته موضع كان يجلس عليه رجل في الجاهلية يلتّ السويق للحاج فلما مات اتخذوا مكانه معبداً .

و { العُزى } : فُعلَي من العِزّ : اسم صنم حجر أبيض عليه بناء وقال الفخر : « كان على صورة نبات » ولعله يعني : أن الصخرة فيها صورة شجر ، وكان ببطن نخلة فوق ذات عرق وكان جمهور العرب يعبدونها وخاصة قريش وقد قال أبو سفيان يوم أُحد يخاطب المسلمين « لنا العزى ولا عزى لكم » .

وذكر الزمخشري في تفسير سورة الفاتحة أن العرب كانوا إذا شَرعوا في عمل قالوا : بسم اللات باسم العزى .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَفَرَءَيۡتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلۡعُزَّىٰ} (19)

ذلك هو الأمر المستيقن ، الذي يدعوهم إليه محمد [ صلى الله عليه وسلم ] فأما هم فعلام يستدنون في عبادتهم وآلهتهم وأساطيرهم ? علام يستندون في عبادتهم لللات والعزى ومناة ? وفي ادعائهم الغامض أنهن ملائكة ، وأن الملائكة بنات الله ? وأن لهن شفاعة ترتجى عند الله ? إلى أي بينة ? وإلى أية حجة ? وإلى أي سلطان يرتكنون في هذه الأوهام ? هذا ما يعالجه المقطع الثاني في السورة :

أفرأيتم اللات والعزى ، ومناة الثالثة الأخرى . ألكم الذكر وله الأنثى ? تلك إذن قسمة ضيزى ! إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآبائكم ما أنزل الله بها من سلطان . إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ، ولقد جاءهم من ربهم الهدى . أم للإنسان ما تمنى ? فلله الآخرة والأولى . وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا َ ، إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى . إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى . وما لهم به من علم ، إن يتبعون إلا الظن ، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا . .

وكانت( اللات )صخرة بيضاء منقوشة ، وعليها بيت بالطائف له أستار وسدنة ، وحوله فناء معظم عند أهل الطائف وهم ثقيف ومن تابعها ، يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب عدا قريش لأن عندهم الكعبة بيت إبراهيم عليه السلام . ويظن ان اسمها [ اللات ] مؤنث لفظ الجلالة " الله " . سبحانه وتعالى .

وكانت [ العزى ] شجرة عليها بناء وأستار بنخلة - وهي بين مكة والطائف - وكانت قريش تعظمها . كما قال أبو سفيان يوم أحد . لنا العزى ولا عزى لكم . فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : " قولوا : الله مولانا ولا مولى لكم " . ويظن أن اسمها [ العزى ] مؤنث( العزيز ) . .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَفَرَءَيۡتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلۡعُزَّىٰ} (19)

قوله تعالى : " أفرأيتم اللات والعزى " لما ذكر الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكر من آثار قدرته ما ذكر ، حاج المشركين إذ عبدوا ما لا يعقل وقال{[14375]} : أفرأيتم هذه الآلهة التي تعبدونها أو حين إليكم شيئا كما أوحي إلى محمد . وكانت اللات لثقيف ، والعزى لقريش وبني كنانة ، ومناة لبني هلال{[14376]} . وقال هشام : فكانت مناة لهذيل وخزاعة ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه فهدمها عام الفتح . ثم اتخذوا اللات بالطائف ، وهي أحدث من مناة وكانت صخرة مربعة ، وكان سدنتها من ثقيف ، وكانوا قد بنوا عليها بناء ، فكانت قريش وجميع العرب تعظمها . وبها كانت العرب تسمي زيد اللات وتيم اللات . وكانت في موضع منارة{[14377]} مسجد الطائف اليسرى ، فلم تزل كذلك إلى أن أسلمت ثقيف ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار . ثم اتخذوا العزى وهي أحدث من اللات ، اتخذها ظالم بن أسعد ، وكانت بوادي نخلة الشامية فوق ذات عرق ، فبنوا عليها بيتا وكانوا يسمعون منها{[14378]} الصوت . قال ابن هشام : وحدثني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : كانت العزى شيطانة تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة ، فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، بعث خالد بن الوليد رضي الله عنه فقال : ( ايت بطن نخلة فإنك تجد ثلاث سمرات فاعضد الأولى ) فأتاها فعضدها فلما جاء إليه قال : ( هل رأيت شيئا ) قال : لا . قال : ( فاعضد الثانية ) فأتاها فعضدها ، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( هل رأيت شيئا ) قال : لا . قال : ( فاعضد الثالثة ) فأتاها فإذا هو بحبشية نافشة شعرها ، واضعة يديها على عاتقها تصرف بأنيابها ، وخلفها دُبَيّة{[14379]} السلمي وكان سادنها فقال :

يا عُزّ كفرانك لا سبحانك *** إني رأيت الله قد أهانك

ثم ضربها ففلق رأسها فإذا هي حُمَمَة ، ثم عضد الشجرة وقتل دُبَيّة السادن ، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال : ( تلك العزى ولن تعبد أبدا ) وقال ابن جبير : العزى حجر أبيض كانوا يعبدونه . قتادة : نبت{[14380]} كان ببطن نخلة . ومناة : صنم لخزاعة . وقيل : إن اللات فيما ذكر بعض المفسرين أخذه المشركون من لفظ{[14381]} الله ، والعزى من العزيز ، ومناة من منى الله الشيء إذا قدره . وقرأ ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وحميد وأبو صالح " اللات " بتشديد التاء وقالوا : كان رجلا يلت السويق للحاج ذكر البخاري عن ابن عباس - فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه . ابن عباس : كان يبيع السويق والسمن عند صخرة ويصبه عليها ، فلما مات ذلك الرجل عبدت ثقيف تلك الصخرة إعظاما لصاحب السويق . أبو صالح : إنما كان رجلا بالطائف فكان يقوم على ألهتهم ويلت لهم السويق فلما مات عبدوه . مجاهد : كان رجل في رأس جبل له غنيمة يَسْلِي{[14382]} منها السمن ويأخذ منها الأقط ويجمع رسلها ، ثم يتخذ منها حيسا{[14383]} فيطعم الحاج ، وكان ببطن نخلة فلما مات عبدوه وهو اللات . وقال الكلبي : كان رجلا من ثقيف يقال له صرمة بن غنم . وقيل : إنه عامر بن ظرب العدواني . قال الشاعر{[14384]} :

لا تنصروا اللاتَ إن الله مُهْلِكُها *** وكيفَ ينصركم من ليس ينتصر

والقراءة الصحيحة " اللات " بالتخفيف اسم صنم والوقوف عليها بالتاء وهو اختيار الفراء . قال الفراء : وقد رأيت الكسائي سأل أبا فقعس الأسدي{[14385]} فقال ذاه لذات ولاه للات ، وقرأ " أفرأيتم اللاه " وكذا قرأ الدوري عن الكسائي والبزي عن ابن كثير " اللاه " بالهاء في الوقف ، ومن قال : إن " اللات " من الله وقف بالهاء أيضا . وقيل : أصلها لاهة مثل شاة أصلها شاهة وهي من لاهت أي اختفت ، قال الشاعر :

لاهتْ فما عُرِفت يوما بخارجة *** يا ليتها خرجت حتى رأيناها

وفي الصحاح : اللات اسم صنم كان لثقيف وكان بالطائف ، وبعض العرب يقف عليها بالتاء ، وبعضهم بالهاء ، قال الأخفش : سمعنا من العرب من يقول اللات والعزى ، ويقول هي اللات فيجعلها تاء في السكوت وهي اللات فأعلم أنه جر في موضع الرفع ، فهذا مثل أمس مكسور على كل حال وهو أجود منه ؛ لأن الألف واللام اللتين في اللات لا تسقطان وإن كانتا زائدتين ، وأما ما سمعنا من الأكثر في اللات والعزى في السكوت عليها فاللاه ؛ لأنها هاء فصارت تاء في الوصل وهي في تلك اللغة مثل : كان من الأمر كيت وكيت ، وكذلك هيهات في لغة من كسرها ، إلا أنه يجوز في هيهات أن تكون جماعة ولا يجوز ذلك في اللات ؛ لأن التاء لا تزاد في الجماعة إلا مع الألف ، وإن جعلت الألف والتاء زائدتين بقي الاسم على حرف واحد .


[14375]:في ب، ح، ز، س، ل، هـ: "وقيل".
[14376]:اتفقت نسخ الأصل على القول بأن مناة لبني هلال ولم نره لغير المؤلف.
[14377]:الزيادة من كتاب الأصنام لابن الكلبي.
[14378]:في كتاب الأصنام "فيه" بدل "منها".
[14379]:دبية بالدال المهملة بن حرمس ويروى ابن حرمي ثم السلمي.
[14380]:في ب، ز، هـ ول: "بيت".
[14381]:في ب، ح، ز، س، ل، هـ: "اسم الله".
[14382]:يسلي: يجمع. الأقط لبن مجفف يابس مستحجر يطبخ به. والرسل اللبن.
[14383]:الحيس: الطعام المتخذ من التمر والأقط والسمن.
[14384]:هو شداد بن عارض الجشمي قاله في أبيات حين هدمت اللات وحرقت، ينهى ثقيفا عن العود إليها، والغضب لها.
[14385]:الذي ذكره النحاس في إعراب قوله تعالى: "ولات حين مناص" أن الفراء قال عن الكسائي: أحسبه أنه سأل أبا السمال كيف يقرأ فيقف على "ولات" فوقف عليها بالهاء. وعبارة الفراء في هذه السورة من تفسيره: وكان الكسائي يقف عليها بالهاء وأنا أقف على التاء. اهـ. ولم يذكر أبا فقعس.