{ قال أبشّرتموني على أن مسّني الكبر } تعجب من أن يولد له مع مس الكبر إياه ، أو إنكار لأن يبشر به في مصل هذه الحالة وكذا وقوله : { فبم تبشّرون } أي فبأي أعجوبة تبشرون ، أو فبأي شيء تبشرون فإن البشارة بما لا يتصور وقوعه عادة بشارة بغير شيء ، وقرأ ابن كثير بكسر النون مشددة في كل القرآن على إدغام نون الجمع في نون الوقاية وكسرها وقرأ نافع بكسرها مخففة على حذف نون الجمع استثقلا لاجتماع المثلين ودلالة بإبقاء نون الوقاية وكسرها على الياء .
{ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى } بذلك { على أَن مَّسَّنِىَ الكبر } وأثر في والاستفهام للتعجب ، و { على } بمعنى مع مثلها في قوله تعالى : { وآتى المال على حبه } [ البقرة : 177 ] على أحد القولين في الضمير ، والجار والمجرور في موضع الحال فيكون قد تعجب عليه السلام من بشارتهم إياه مع هذه الحال المنافية لذلك ، ويجوز أن يكون الاستفهام للإنكار و { على } على ما سمعت بمعنى أنه لا ينبغي أن تكون البشارة مع الحال المذكورة . وزعم بعض المنتمين إلى أهل العلم أن الأولى جعل { على } بمعنى في مثلها في قوله تعالى : { وَدَخَلَ المدينة على حِينِ غَفْلَةٍ } [ القصص : 15 ] وقوله سبحانه : { واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين على مُلْكِ سليمان } [ البقرة : 102 ] لوجهين الاستغناء عن التقدير وكون المصاحبة لصدقها بأول المس لا تنافي البشارة ، وهو لعمري ضرب من الهذيان كما لا يخفى على إنسان . ثم إنه عليه السلام زاد في ذلك فقال : { فَبِمَ تُبَشّرُونَ } أي فبأي أعجوبة تبشرون أو بأي شيء تبشرون فإن البشارة بما لا يقع عادة بشارة بغير شيء . وجوز أن تكون الباء للملابسة والاستفهام سؤال عن الوجه والطريقة أي تبشرون ملتبسين بأي طريقة ولا طريق لذلك في العادة .
وقرأ الأعرج { *بشرتمون } بغير همزة الاستفهام ، وابن محيصن { لإِحْدَى الكبر } بضم الكاف وسكون الباء .
وقرأ ابن كثير بكسر النون مشددة بدون ياء على إدغام نون الجمع في نون الوقاية والاكتفاء بالكسرة عن الياء .
وقرأ نافع بكسر النون مخففة ، واعترض على ذلك أبو حاتم بأن مثله لا يكون إلا في الشعر وهو مما لا يلتفت إليه ، وخرج على حذف نون الرفع كما هو مذهب سيبويه استثقالاً لاجتماع المثلين ودلالة بإبقاء نون الوقاية على الياء . وقيل : حذفت نون الوقاية وكسرت نون الرفع وحذفت الياء اجتزاءً بالكسرة وحذفها كذلك كثير فصيح وقد قرىء به في مواضع عديدة ، ورجح الأول بقلة المؤنة واحتمال عدم حذف نون في هذه القراءة بأن يكون اكتفى بكسر نوع الرفع من أول الأمر خلاف المنقول في كتب النحو والتصريف وإن ذهب إليه بعضهم .
وقرأ الحسن كابن كثير إلا أنه أثبت الياء وباقي السبعة يقرؤون بفتح النون وهي نون الرفع .
ثم حكى - سبحانه - ما قاله إبراهيم للملائكة بعد أن بشروه بهذا الغلام العليم ، فقال - تعالى - { قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي على أَن مَّسَّنِيَ الكبر فَبِمَ تُبَشِّرُونَ } .
والاستفهام للتعجب . كأنه عجب من أن يرزقه الله - تعالى - بغلام عليم بعد أن مسه الكبر ، وبلغ سن الشيخوخة .
و { على } بمعنى مع ، والمس : اتصال شيء بآخر على وجه الإِحساس والإِصابة .
أى : قال إبراهيم للملائكة ، بعد أن بشروه بالولد ، أبشرتمونى بذلك مع أن الكبر قد أصابنى ، والشيخوخة قد اعترتنى فبأى شىء عجيب قد بشرتمونى .
وتعجب إبراهيم إنما هو من كمال قدرة الله - تعالى - ونفاذ أمره ، حيث وهبه هذا الغلام في تلك السن المتقدمة بالنسبة له ولامرأته ، والتى جرت العادة أن لا يكون معها إنجاب الأولاد .
وقد حكى القرآن هذا التعجب على لسان امرأة إبراهيم في قوله - تعالى - { قَالَتْ ياويلتى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ . . } قال الإِمام الرازى ما ملخصه : والسبب في هذا الاستفهام أن العادة جارية بأنه لا يحصل الولد حال الشيخوخة التامة . . .
وهناك جواب آخر ، وهو أن الإِنسان إذا كان عظيم الرغبة في شىء ، وفاته الوقت الذي يغلب على ظنه حصول ذلك المراد فيه ، فإذا بشر بعد ذلك بحصوله ازداد فرحه وسروره ، ويصير ذلك الفرح القوى كالمدهش له وربما يجعله هذا الفرح يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرة أخرى ، طلبا للالتذاذ بسماعها . . . .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.