أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{يَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ وَيُدۡخِلۡكُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّـٰتِ عَدۡنٖۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} (12)

{ يغفر لكم ذنوبكم } جواب للأمر المدلول عليه بلفظ الخبر أو لشرط أو استفهام دل عليه الكلام تقديره أن تؤمنوا وتجاهدوا أو هل تقبلون أن أدلكم يغفر لكم ويبعد جعله جوابا لهل أدلكم لأن مجرد دلالته لا توجب المغفرة ، { ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم } الإشارة إلى ما ذكر من المغفرة وإدخال الجنة .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ وَيُدۡخِلۡكُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّـٰتِ عَدۡنٖۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} (12)

10

المفردات :

طيبة : طاهرة مستلذة .

جنات عدن : بساتين إقامة وخلود .

التفسير :

12-{ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } .

تأتي هذه الآية في موقع الجزاء لما سبقها ، أي : إن تؤمنوا وتجاهدوا كان جزاؤكم عند الله تعالى أن : { يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } . أي : يمحو عنكم سيئاتكم ، ويسترها عليكم ، ولا يحاسبكم عليها .

{ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ . . . }

والفعل : يُدخلكم . مجزوم لأنه واقع في جزاء الشرط ، أي : إن تؤمنوا وتجاهدوا : { يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ . . . }

فنعم الجزاء مغفرة الذنوب ، وستر العيوب ، ومحو السيئات ، ودخول جنات وبساتين مخضرة مثمرة ناضرة ، تجري المياه من تحتها ، ثم يصف سبحانه مساكن المؤمنين المجاهدين والمؤمنات المجاهدات حيث يقول : { وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } .

وهنا نجد الجزاء رابحا مفيدا مضاعفا ، فعم الجزاء الجنة ، ونعم الجزاء مساكن المجاهدين الذين ضحّوا بمساكهم في الدنيا ابتغاء أن يعوضهم الله في الآخرة مساكن طيبة الريح ، عظيمة النفع ، في جنات عَدْنٍ . أي : إقامة خالدة لا يخرجون منها ، ذلك هو الفوز العظيم ، والربح الباهر ، فقد باعوا دنياهم واشتروا آخرتهم ، باعوا أنفسهم لله في الدنيا واشتروا خلودا أبديا سرمديا .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ وَيُدۡخِلۡكُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّـٰتِ عَدۡنٖۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} (12)

{ يَغْفرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } جواب للأمر المدلول عليه بلفظ الخبر كما في قولهم : اتقى الله تعالى امرؤ وفعل خيراً يثب عليه ؛ أو جواب لشرط ، أو استفهام دل عليه الكلام ، والتقدير أن تؤمنوا وتجاهدوا يغفر لكم ، أو هل تقبلون أن أدلكم ؟ أو هل تتجرون بالإيمان والجهاد ؟ يغفر لكم ، وقال الفراء : جواب للاستفهام المذكور أي هل أدلكم ، وتعقب بأن مجرد الدلالة لا يوجب المغفرة ، وأجيب بأنه كقوله تعالى : { قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة } [ إبراهيم : 31 ] وقد قالوا فيه : إن القول لما كان للمؤمن الراسخ الإيمان كان مظنة لحصول الامتثال فجعل كالمحقق وقوعه فيقال ههنا : لما كانت الدلالة مظنة لذلك نزلت منزلة المحقق ، ويؤيده { إن كنتم تعلمون } [ الصف : 11 ] لأن من له عقل إذا دله سيده على ما هو خير له لا يتركه ، وادعاء الفرق بما ثمة من الإضافة التشريفية وما هنا من المعاتبة قيل : غير ظاهر فتدبر ، والإنصاف أن تخريج الفراء لا يخلو عن بعد ، وأما ما قيل : من أن الجملة مستأنفة لبيان أن ذلك خير لهم ، و { يغفر } مرفوع سكن آخره كما سكن آخر { أشرب } في قوله

: فاليوم ( أشرب ) غير مستحقب *** إثماً من الله ولا واغل

فليس بشيء لما صرحوا به من أن ذلك ضرورة .

{ وَيُدْخلْكُمْ جنات تَجْري مِنْ تَحْتهَا الأنهار ومساكن طَيِّبَةً } أي طاهرة زكية مستلذة ، وهذا إشارة إلى حسنها بذاتها ، وقوله تعالى : { في جنات عَدْن } إشارة إلى حسنها باعتبار محلها { ذلك } أي ما ذكر من المغفرة وما عطف عليها { الفَوْزُ العَظيمُ } الذي لا فوز وراءه .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{يَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ وَيُدۡخِلۡكُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّـٰتِ عَدۡنٖۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} (12)

{ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } وهذا شامل للصغائر والكبائر ، فإن الإيمان بالله والجهاد في سبيله ، مكفر للذنوب ، ولو كانت كبائر .

{ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } أي : من تحت مساكنها [ وقصورها ] وغرفها وأشجارها ، أنهار من ماء غير آسن ، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ، وأنهار من خمر لذة للشاربين ، وأنهار من عسل مصفى ، ولهم فيها من كل الثمرات ، { وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ } أي : جمعت كل طيب ، من علو وارتفاع ، وحسن بناء وزخرفة ، حتى إن أهل الغرف من أهل عليين ، يتراءاهم أهل الجنة كما يتراءى الكوكب الدري في الأفق الشرقي أو الغربي ، وحتى إن بناء الجنة بعضه من لبن ذهب [ وبعضه من ] لبن فضة ، وخيامها من اللؤلؤ والمرجان ، وبعض المنازل من الزمرد والجواهر الملونة بأحسن الألوان ، حتى إنها من صفائها يرى ظاهرها من باطنها ، وباطنها من ظاهرها ، وفيها من الطيب والحسن ما لا يأتي عليه وصف الواصفين ، ولا خطر على قلب أحد من العالمين ، لا يمكن أن يدركوه حتى يروه ، ويتمتعوا بحسنه وتقر أعينهم به ، ففي تلك الحالة ، لولا أن الله خلق أهل الجنة ، وأنشأهم نشأة كاملة لا تقبل العدم ، لأوشك أن يموتوا من الفرح ، فسبحان من لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه ، بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني عليه عباده{[1084]}  وتبارك الجليل الجميل ، الذي أنشأ دار النعيم ، وجعل فيها من الجلال والجمال ما يبهر عقول الخلق ويأخذ بأفئدتهم .

وتعالى من له الحكمة التامة ، التي من جملتها ، أنه الله لو أرى الخلائق الجنة حين خلقها{[1085]}  ونظروا إلى ما فيها من النعيم لما تخلف عنها أحد ، ولما هناهم العيش في هذه الدار المنغصة ، المشوب نعيمها بألمها ، وسرورها{[1086]}  بترحها .

وسميت الجنة جنة عدن ، لأن أهلها مقيمون فيها ، لا يخرجون منها أبدا ، ولا يبغون عنها حولا ، ذلك الثواب الجزيل ، والأجر الجميل ، الفوز العظيم ، الذي لا فوز مثله ، فهذا الثواب الأخروي .


[1084]:- في ب: أحد من خلقه.
[1085]:- في ب: أنه لو رأى العباد الجنة.
[1086]:- في ب: وفرحها.